السودان.. التطبيع ليس مجرد سفارة إسرائيلية في الخرطوم

القيادة السودانية تنظر إلى التطبيع على أنه جاهزة تساعدها على الاستمرار في التغيير، لكن من سيقدم تلك الجائزة؟.
السبت 2020/10/24
نجح في عقد الاتفاق، ماذا بعد التطبيع

الخرطوم - فشلت الحكومة السودانية والمجلس الرئاسي في تأخير ضغوط أميركية لإقامة علاقات مباشرة مع إسرائيل، وفشلت مناورتهما في ترك مهمة هذا القرار للبرلمان القادم، وسط مخاوف من مرحلة ما بعد التطبيع وانعكاساتها السلبية فيما لو وجد السودان نفسه في وضع من تم الضحك عليه.

واتفقت إسرائيل والسودان، الجمعة، على تطبيع العلاقات في اتفاق توسطت فيه الولايات المتحدة، ليصبح السودان ثالث بلد عربي يقيم علاقات مع إسرائيل خلال شهرين.

وقال مسؤولون أميركيون كبار إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يسعى للفوز بولاية ثانية في انتخابات الثالث من نوفمبر، أبرم الاتفاق في اتصال هاتفي مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو ورئيس وزراء السودان عبدالله حمدوك ورئيس المجلس الانتقالي عبدالفتاح البرهان.

وقال بيان مشترك أصدرته الدول الثلاث “اتفق الزعماء على تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل وإنهاء حالة العداء بين البلدين”.

وتوسط في الاتفاق من الجانب الأميركي، جاريد كوشنر كبير مستشاري ترامب، وآفي بيركوتس المبعوث الأميركي للشرق الأوسط وروبرت أوبراين مستشار الأمن القومي ومايك بومبيو وزير الخارجية وميجيل كوريا مسؤول الأمن الوطني.

وقال كوشنر “هذه انفراجة كبيرة بوضوح”. وأضاف “سيخلق هذا بوضوح انفراجة كبيرة في السلام بين إسرائيل والسودان. إبرام اتفاقات سلام ليس سهلا كما نصوره حاليا. إنه صعب للغاية”.

وقال مسؤولون إن من المتوقع عقد مراسم توقيع للاتفاق في البيت الأبيض في الأسابيع القادمة.

ويرى مراقبون سودانيون أن التردد السوداني الذي ظهر في الساعات الماضية، قبل الإعلان عن الاتفاق، لا علاقة له بموقف مسبق معارض للتطبيع، وإنما يعود أساسًا إلى مخاوف من مرحلة ما بعد التطبيع، أي ما الذي سيحصل عليه السودان مقابل التطبيع؟ ومن سيدفع هذا المقابل، هل الولايات المتحدة أم إسرائيل أم دول عربية؟

ولا ينتظر السودان فقط رفع اسمه من قائمة الإرهاب والسماح له بالتعامل بالدولار والحصول على قروض من الصناديق المالية، إنما يبحث عما هو أبعد من ذلك، وهو رعاية الانتقال السياسي بالدعم والمشاريع الاستثمارية السخية التي تساعده على الصمود في وجه أي انتفاضة جديدة.

وينظر المسؤولون السودانيون إلى التطبيع على أنه جائزة تساعدهم على الاستمرار في التغيير، ولذلك يسألون من سيقدم هذه الجائزة؟

إيشان ثارور: ضغط ترامب على السودان للتطبيع قد يأتي بنتائج عكسية
إيشان ثارور: ضغط ترامب على السودان للتطبيع قد يأتي بنتائج عكسية

ومن الصعب على واشنطن أن تقدم التزامات أو تنزل بثقلها لإنقاذ الاقتصاد السوداني. كما أن إسرائيل تبحث عن بناء شراكات مالية واقتصادية واعدة مثلما هو الأمر مع الإمارات، ولن تلعب دور المنقذ أو المحسن الذي يأخذ بيد السودان إلى بر الأمان.

يبقى أمل السودان معقودا على الدعم الخليجي الذي ساعده إلى حد الآن على اجتياز المراحل الصعبة منذ الإطاحة بعمر البشير. لكن وضع السودان معقد وحاجياته متنوعة، وهو ما قد يثقل كاهل الخليجيين الذين يعيشون وضعا اقتصاديا خاصا بسبب جائحة كورونا وتراجع أسعار النفط، فضلا عن ضرورة استكمالهم المشاريع الكبرى التي شرعوا في إنجازها خلال السنوات الأخيرة مثلما هو الأمر بالنسبة إلى السعودية.

ويختلف وضع السودان عن الدول التي سبقته إلى فتح قنوات تواصل مباشر مع تل أبيب، فالإمارات والبحرين طبّعتا العلاقات مع إسرائيل في سياق حسابات خليجية تتعلق أساسا باعتبارات أمنية تجاه إيران.

كما أن هذه الدول ليست لديها مشاكل كبيرة مع واشنطن تبحث عن حلها بالتقرب إلى إسرائيل مثلما هو الأمر مع السودان الذي يجد نفسه في وضع صعب ومعقّد؛ فالرئيس الأميركي يريد أن يحصل على اعتراف سوداني سريع بإسرائيل وتطبيع عملي لكي يضيفه إلى سجله الانتخابي قبل أيام قليلة من بدء الانتخابات الرئاسية.

وقد لا تجلب خطوة التطبيع المكاسب اللازمة للسلطات الجديدة في الخرطوم التي تتوقع أن تشهد عملية الانتقال السياسي انتكاسة في أي لحظة، بسبب المشاكل التي هي بمثابة قنابل موقوتة خلّفها النظام الإسلامي الذي أقامه عمر البشير، خاصة المشاكل القبلية والعرقية والأزمة الاجتماعية والاقتصادية الحادة.

وفيما تنظر الخرطوم إلى التطبيع على أنه أمر معقد، تراه واشنطن خطوة بسيطة سبق أن أقدمت عليها دول مثل الإمارات والبحرين وقبلهما مصر والأردن. كذلك الأمر بالنسبة إلى إسرائيل التي لا تهوّل المسألة خاصة أنها تشعر بأنها أكثر انسجاما مع مكونات المنطقة وترحب بأي تطبيع سواء كان في شكل تطبيع رسمي علني أو في شكل تطبيع سري يتم التستر عليه إلى حين.

ولأجل هذا، أرسل السودانيون بإشارات متناقضة بشأن التطبيع وتوقيته وربطوه بانتخاب برلمان شرعي وليس بهم كسلطة انتقالية، قبل أن يقبلوا بالأمر الواقع، وهم يعرفون أن التطبيع ليس مجرد فتح سفارة في إسرائيل أو الحضور في حفل استعراضي بواشنطن.

وحذر إيشان ثارور، المحلل بصحيفة واشنطن بوست، من أن ضغوط ترامب على السودان لحمله على تطبيع العلاقات مع إسرائيل قد تأتي بنتائج عكسية.

ونقل ثارور عن يوناتان توفال، كبير المحللين بالمعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية، قوله إن الزعماء المدنيين السودانيين ربما يفضلون اتخاذ قرار واضح بشأن إسرائيل في وقت متأخر على الأرجح بعد إجراء الخرطوم انتخاباتها في 2022.

وأضاف أن “تنمر إدارة ترامب على السودان لحمله على تطبيع العلاقات مع إسرائيل فوْرًا قد يجعل العسكر، من ناحية، والإسلاميين، من ناحية أخرى، أكثر جرأة في تعاملهم مع المرحلة الانتقالية”.

وأردف أن “إدارة ترامب بدلا من أن تبشر بعهد جديد لعلاقة مزدهرة بين السودان وإسرائيل، فإن أسلوبها الشرس في لي ذراع الخرطوم ينذر بتقويض عملية انتقال تلك الدولة إلى الحكم الديمقراطي، ويعزز نفوذ العسكر على المدنيين، ويزيد من إغراء الجماعات الإسلامية، ويحكم على أي علاقة لها مع إسرائيل بنهاية مبكرة ومتهورة”.

وكان مسؤول في الحكومة السودانية قال، الجمعة، إن “خطوة التطبيع مع إسرائيل إجراءاتها معقدة وتتطلب توافقا كاملا بين أجهزة السلطة الانتقالية التي لم تستكمل بعد”.

1