السياسة الاقتصادية لحكومة المشيشي في مرمى الانتقادات البرلمانية

رئيس لجنة المالية بالبرلمان يدعو قيس سعيد إلى تفعيل الفصل 80 من الدستور لأن تونس أصبحت تواجه خطرا داهما.
الجمعة 2020/11/27
الحلول الترقيعية لم تعد مجدية

تونس - رغم رضوخ الحكومة التونسية لمطالب المصرف المركزي وضغوط البرلمان وقبولها تخفيض نفقات الميزانية التكميلية للعام الحالي، لتقليص نسبة العجز التي تجاوزت مقاييس خطيرة، إلا أنّ الميزانية لم تلق استحسان عدد كبير من نواب الشعب الذين اعتبروها لا تلبي التطلعات الاجتماعية والاقتصادية للتونسيين.

ونبّه عدد من أعضاء البرلمان التونسي الجمعة إلى أن البلاد لم تعد قادرة على المواصلة في سياسة الحلول الترقيعية وينبغي رسم سياسة اقتصادية جديدة واضحة المعالم، داعين خلال جلسة عامة لمناقشة مشروع قانون المالية التعديلي لسنة 2020، إلى إحكام إعداد الميزانيات السنوية من خلال اعتماد المعطيات الحقيقية سواء من حيث الموارد أو التكاليف، قصد تلافي اللجوء المتكرر كل عام إلى إعداد ميزانيات تعديلية. 

وكان المصرف المركزي اشترط على حكومة هشام المشيشي الحصول على ترخيص تشريعي خاص واستثنائي من البرلمان من أجل تمويل ميزانية الدولة التكميلية، مطالبا بإدراج الترخيص التشريعي المطلوب في قانون المالية التكميلي دون المساس بقانون المصرف.

ويقول النائب بلقاسم حسن إنّ البرلمان انتظر أن تشمل الميزانية التكميلية مطالب وتطلعات اجتماعية ملحة أبرزها المشاريع المعطلة في الجهات وتطبيق القانون عدد 38 بإدراج الانتدابات والإعداد الفعلي للأوامر التطبيقية والتنفيذية للقانون، إلا أنها، حسب النائب محمد العفاس، "غيّبت البعد الاجتماعي كما تفتقد مشاريع هذه الميزانية إلى كيفية خلق الثروة".

ودعا النواب الحكومة إلى أخذ قرارات حاسمة والتحلي بالشجاعة لمحاربة الفساد وإطلاق حملة دبلوماسية واسعة للحصول على الدعم الدولي وتأجيل خلاص القروض التي حل أجلها، إضافة إلى إعادة إطلاق التفاوض مع صندوق النقد الدولي على قاعدة الالتزام بالإصلاحات المستوجبة.

وكانت الحكومة التونسية قد سحبت مطلع الشهر الجاري مشروع موازنة تكميلية باهظة التكلفة بعد رفض المصرف المركزي إصدار سندات لتمويل العجز القياسي في موازنة العام المقبل.

وقالت الحكومة، حينها، إنها سحبت مشروع قانون الموازنة التكميلية لعام 2020، والتي تنطوي على أكبر عجز منذ عقود، وذلك بعد أن طلب البرلمان والبنك المركزي منها خفض خطط إنفاقها.

واستغرب النائب أنور بن الشاهد "التفاؤل الكبير الذي اتسم به قانون المالية التكميلي"، في الوقت الذي تعيش فيه البلاد احتجاجات وحالات احتقان في جل الجهات، وخاصة على مستوى السلطة القضائية والصحافيين علاوة على الوضع المتأزم بسبب جائحة كورونا.

ولاحظ في ذات السياق، أن "الحكومة ترجع تأزّم الأوضاع الاقتصادية والمالية إلى تداعيات انتشار الجائحة، في حين أن التدهور يرجع أساسا إلى انعدام الرؤية وغياب خارطة الطريق".

أزمة اقتصادية واجتماعية متنامية
أزمة اقتصادية واجتماعية متنامية

وتظهر إحصاءات اقتصادية أن تونس، التي تمرّ بأزمة اقتصادية حادة فاقمتها تداعيات جائحة كورونا، ستحتاج إلى تمويلات إضافية تُقدر بنحو 8.1 مليار دينار (2.95 مليار دولار) بعد أن كانت في حدود 12 مليارا سابقا، كموازنة تكميلية للعام 2020.

وتشهد تونس منذ نحو أسبوعين موجة احتجاجات غير مسبوقة، خرج المحتجون فيها جرّاء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة وأقدم عدد منهم على غلق منافذ اقتصادية كبرى للبلاد كتلك المنتجة للفوسفات والبترول والغاز.

وكان رئيس لجنة المالية بالبرلمان هيكل المكي، دعا الخميس رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى تفعيل الفصل 80 من الدستور لأن "تونس أصبحت تواجه خطرا داهما"، مشددا على أن "الدولة باتت يوميا تتقهقر وتضعف، وعلى رئيس الجمهورية أن يفكر بجدية في تفعيل الفصل 80".

وشدد المكي على أن حكومة المشيشي غير قادرة على تسيير الشأن العام، قائلا "هناك قوى سياسية وأشخاص يتحكمون في سير هذه الحكومة"، مشيرا إلى أن رئيس الحكومة هشام المشيشي غير موجود، قائلا "سنعطيه فرصة أخرى حتى يتكلم لعلنا نجده".

وينصّ الفصل 80 من الدستور التونسي على أنه "لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن أو أمن البلاد أو استقلالها، يتعذّر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويُعلِنُ عن التدابير في بيان إلى الشعب".

كما ينصّ على أنه يجب أن تهدف "هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال، ويُعتبر مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حلّ مجلس نواب الشعب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة".

أما النائب زياد العذاري فاعتبر أنّ الدولة قادرة على الخروج من الأزمة الاقتصادية، من خلال التعاون بين وزارة الاقتصاد والمصرف المركزي، فيما يرى النائب زهير مخلوف أن التعارض بين هذين الهيكلين سيتحمل مسؤوليته مجلس نواب الشعب، وهو ما سينجرّ عنه انزلاق العملة الوطنية وتفقير المواطنين والإضرار بمصداقية المصرف المركزي وإعطاء صورة سلبية للمستثمرين.

وكانت لجنة المالية والتخطيط والتنمية بالبرلمان، صادقت على مشروع قانون المالية التعديلي لسنة 2020 بـ11 صوتا مع رفض نائب وحيد دون احتفاظ.

وتطرق النواب إلى التأخر في مناقشة مشروع قانون المالية التعديلي والتخفيض من الدين العمومي وتوفير مصادر مالية جديدة، وحسن التصرف في المالية العمومية بما يمكن من تلبية طلبات كل القطاعات والمحتجين، علاوة على المطالبة بمراجعة منظومة الدعم الذي لا يصرف لفائدة مستحقيه، مؤكدين وجوب التنصيص على الدعم المباشر عبر الاستئناس بالتجارب المقارنة وتوجيه الدعم مباشرة للأشخاص بدل المواد، على حد قول النائب محمد بوغطاس.