"السيدة بيلينسكا وأسرار شوبان": درس في الموسيقى والحياة

الروائي والمسرحي إيمانويل شميت يعترف بأن ما رواه عاش أطواره في طفولته وشبابه.
الاثنين 2019/09/23
تجاوز عذاب الوجود بعشق الجمال

بعد “السيد إبراهيم وأزهار القرآن”، يصعد الكاتب الروائي والمسرحي إريك إيمانويل شميت على خشبة مسرحه الخاص “الضفة اليسرى” بباريس ليؤدي دوره في مسرحية من تأليفه عنوانها “السيدة بيلينسكا وأسرار شوبان”، ويحدثنا عن الفن والجمال واكتشاف أسرار الحياة.

يعتبر إريك إيمانويل شميت من الكتاب الوازنين في الساحة الفرنسية، غزير الإنتاج، متعدد المواهب، لامس شتى حقول المعرفة والأدب والفنون. عرفناه عضوا في أكاديمية غونكور، ومؤلف روايات ناجحة أمثال “إكسير الحبّ”، “عندما كنت عملا فنيا”، “ليلة النار”، “الرجل الذي يرى عبر الوجوه”؛ وقصص طويلة آخرها “انتقام الغفران” التي نقلناها هذا العام إلى العربية (نشر مسكيلياني)؛ وكتابات فكرية أهمها “ديدرو أو فلسفة الإغراء”؛ ومسرحيات أمثال “طليقة هي الفراشات”، “الزائر”، “مدرسة الشيطان”، “خيانة أينشتاين”؛ وممثلا تقمّص دور البطولة في أشهر مسرحية من تأليفه هي “السيد إبراهيم وأزهار القرآن” التي تحوّلت إلى فيلم سينمائي من بطولة الفنان العربي المصري عمر الشريف.

وبعد ظهوره في تلك المسرحية الشهيرة، عاد إيمانويل شميت إلى خشبة مسرحه الخاص “ريف غوش” (الضفة اليسرى) بباريس، ليتقمّص أدوار مسرحيته الجديدة “السيدة بيلينسكا وأسرار شوبان” التي صدرت في كتاب السنة الماضية، ضمن سلسلة أسماها “سلسلة اللّا مرئي” كان استهلّها بكتاب “ميلاريبا” عام 1997، وتتألف من حكايات منفصلة عن بعضها بعضا.

وهذا النص، الذي حوّله إيمانويل شميت إلى عرض مسرحي هو سابع حلقات السلسلة، ويروي فيه جانبا من سيرته الذاتية، يخص اكتشافه موسيقى فريدريك شوبان (1810-1849).

فعندما بلغ شميت التاسعة من عمره، سمع عمته تعزف مقطوعة لشوبان على البيانو لامست وجدانه، وولّدت لديه رغبة في تعلم العزف على تلك الآلة. تمرس بالعزف تدريجيا، وصار قادرا على أداء موسيقى باخ، وموزارت، وكلود ديبوسي، ولكن موسيقى شوبان ظلت تتمنّع عليه. يعزف النوتة، ويحوّلها إلى أنغام ولكن دون أن يبلغ نور ذلك الكون الموسيقي ورخامته وعذوبته وذبذباته التي تدغدغ الوجدان، وتنفذ إلى شغاف القلب.

شميت تعلّم من معلّمته أن أعلام الموسيقى ليسوا مجرد مؤلفي سيمفونيات، بل هم قادة روحانيون يعلموننا كيف نحيا

ولما بلغ العشرين، أي عندما التحق بمدرسة المعلمين العليا بباريس، قرّر أن يتابع دروسا في العزف على البيانو مع أستاذة موسيقى بولندية اسمها مدام بيلينسكا. كانت غريبة الأطوار، صارمة، تعيش وحيدة في شقة تتقاسمها مع ثلاثة قطط أطلقت عليها أسماء روبنشتاين (عازف البيانو البولندي) وهوروفيتز (قائد الأوركسترا السيمفوني الأوكراني) وألفريد كورتو (عازف البيانو الفرنسي).

كانت غريبة في كل شيء، حتى من جهة طريقتها المضحكة في التدريس. كانت تشترط عليه أن يستلقي تحت الآلة، يحدث دوائر في الماء، يصغي إلى الصمت، يمارس الحب بهدوء وهو يتملّى عيني عشيقته.. وشيئا فشيئا، ومن مفاجأة مذهلة إلى أخرى، يتعلّم الفتى إريك ما هو أكثر من الموسيقى، يتعلّم الحياة، وأسرار جمالها.

وبذلك ولد فتى جديد، أقل عقلانية من ذي قبل، مرهف الحسّ، شاعري الكلام، منفتح على الطبيعة والعالم والآخرين. فقد تعلّم أن أعلام الموسيقى ليسوا مجرد مؤلفي سيمفونيات، بل هم قادة روحانيون يساعدوننا ويعلموننا كيف نحيا.

ويعترف إيمانويل شميت أن ما رواه عاش أطواره في طفولته وشبابه، فقد كان في صالون بيت العائلة بيانو غامق اللون، تعذّب أخته الكبرى ملامسه وأوتاره دون أن يصدر منه ما يطرب. وفي مرة، جلست إليه سيدة واستخرجت منه أنغاما ساحرة، فاتنة، توقّف أثناءها الزمن، وغمر الغرفة نور، وصار للصمت أنفاس تتردّد في الأرجاء.

ما الذي جرى؟ يقول المؤلف إنه ظل يبحث عن سرّ تلك اللحظة، فتعلم الموسيقى، ودرس البيانو، ولكن شوبان الذي سمعه في تلك اللحظة الحاسمة من حياته ظل مستعصيا. كان يرى موسيقى ذلك العبقريّ البولندي تتراقص تحت أنامل أخرى غير أنامله، حتى صادف تلك المدرّسة، التي ساعدته على مطاردة سرّ شوبان.

Thumbnail

وفي أعمال إيمانويل شميت، غالبا ما يكون اللقاء بامرأة فريدة في طبعها فرصة للحديث عن تصوّره الخاص للحب والفن وتمرير المعرفة، ولكنه في هذا العمل، يحدّثنا عن شبابه هو، في لغة شاعرية مرحة ساخرة ذات وقع موسيقي ساحر، في ديكور بسيط، شقة فاخرة تتبدى فيها بعض ما يؤثّث، مع بيانو، وعازف محترف، هو نيكولا ستافي.

ويتقمّص هنا دوره هو حينما كان شابا في العشرين، مثلما يتقمّص دور العمّة المحبوبة، ودور السيدة بيلينسكا، بوضع فرو ثعلب على كتفيه، أو بتحريك مروحة نسائية، ولكن دون أن يتصنّع صوت أنثى، بل يكتفي بتقليد طريقة عمّته البورجوازية في الكلام، وحركات أستاذته التي تتراوح بين الهدوء والتوتر على غرار مقطوعة لبيتهوفن أو باخ. ويبيّن لنا كيف يمكن أن نتجاوز عذاب الوجود بعشق الجمال.

وفي العرض تمضي موسيقى شوبان وكلمات إيمانويل شميت كلٌّ في طريق، ثم تلتقي وتتوحّد، فتغدو الكلمات موسيقى، والموسيقى كلاما شاعريا يأخذ المشاهد إلى قلب الإنسان، في رقة، وخفة، ونعومة.

“هي مسرحية تطرح أسئلة مثلما تطرح أجوبة”، كما يقول المخرج باسكال فابر، فهي لقاء حول تعلم الموسيقى وتعلم الحياة. فهي دعوة إلى عشق الفن، واتخاذه وسيلة لاكتشاف النفس ومعانقة مباهج الحياة.

16