السينما ومكافحة الصهيونية بالنوايا الحسنة

ما أدهشني أكثر أنُ يسند إلى شخص واحد غير متخصّص أصلا في التاريخ، وتاريخ الصهيونية تحديدا، مهمة صعبة معقدة ومتشعّبة من هذا النوع، يعتمد فيها على اجتهاداته الشخصية.
الأربعاء 2019/08/14
لا شيء تغيّر

في عام 2002 دعيت للمشاركة في ندوة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة ضمن أسبوع مخصص لدراسة “إسرائيل من الداخل”. كان معي على المنصة بعض الأكاديميين إلى جانب الأستاذ بلال فضل الذي قدّموه وقتها باعتباره كاتبا للسيناريو، ولم أكن أعرف عنه سوى أنه صحافي يكتب بعض المقالات الساخرة.

واستغربت أن يشارك سيناريست لم يكتب سوى فيلم واحد من النوع الخفيف في ندوة عن موضوع جاد كهذا، وكان هو قد أعدّ ورقة أخذ يقرأ منها عن السينما المصرية وحرب أكتوبر.

بمرور الوقت أصبح بلال فضل كاتبا بارزا وسيناريست يجيد الحرفة، وسيكشف الزمن أن بلال فضل ليس فقط كاتب سيناريو “بلطية العايمة” وأخواتها، بل كاتبا موهوبا وناقدا سياسيا صاحب موقف صلب في زمن تهاوى فيه الكثيرون.

تناولت خلال مداخلتي عن “السينما الصهيونية” الكثير ممّا جد واستجد في هذا الموضوع الذي سبق أن أصدرت كتابي الأول عنه “سينما الهلاك”. ثم جاءتني أسئلة كثيرة من القاعة منها سؤال عن السينما المصرية وحرب أكتوبر 1973، فقلت إنها لم تقدّم حتى الآن عملا كبيرا يعكس -لا قدرة الجيش وبطولات الجنود- بل قوة الشعب وقدرته على التحمّل والصبر لسنوات طويلة إلى أن أًصبح ممكنا شن الحرب بكل تلك القوة. وقد أعقب كلامي عاصفة هائلة من التصفيق فاجأتني شخصيا.

وفي اليوم التالي عرضت فيلم “إنس بغداد.. الشبكة العراقية” للمخرج العراقي- السويسري سمير جمال الدين وناقشته مع الطلبة والطالبات. وكنت قد رأست لجنة تحكيم النقاد التي منحته في مهرجان لوكارنو السويسري عام 2002 جائزة أحسن فيلم من أفلام تظاهرة “أسبوع النقاد” وأحضرت معي نسخة (VHS) أهداني إياها مخرجه.

وقد ذاع صيت هذا الفيلم في ما بعد وحصل على الجائزة الكبرى في مهرجان الإسماعيلية السينمائي للأفلام التسجيلية والقصيرة في العام التالي، وكنت قد أرسلت منه نسخة إلى صلاح مرعي نائب رئيس المهرجان وقتها واقترحت أن يفتتح به المهرجان وهو ما حدث بالفعل، وكان علي أبوشادي يرأس المهرجان ولا شك أنه رحب بعرض الفيلم لقيمته الفنية بغض النظر عمّا يمكن أن يثيره من جدل كونه يقدّم في صورة إيجابية عددا من اليهود العراقيين بعد أن هاجروا إلى إسرائيل، أي أصبحوا مواطنين في دولة الاحتلال، لكنهم يعيشون في شوق دائم للعراق ويتذكّرون في ألم وتحسّر واشتياق، حياتهم في العراق، يحافظون على تقاليدهم العراقية والعربية ويتحدّثون اللغة العربية مع بعضهم البعض.

كان يجلس طوال أيام المؤتمر، في الصف الأخير من القاعة، رجل يرتدي الملابس المدنية وكان واضحا أنه أحد ضباط “أمن الدولة”. وكان يجلس إلى جواره زميل له أصغر سنا، وكان “الكبير” يقوم بإملاء “الصغير” بعض المعلومات ممّا يتردّد في المؤتمر يقوم الآخر بتدوينها في دفتر صغير.

وكان الضابط الأكبر سنا متّصلا عن طريق سماعات يضعها في أذنيه بـ“غرفة العمليات” في مقر الأمن، فقد كان اللعب في ذلك الوقت، يتم على المكشوف تماما. وكنت أستغرب كثيرا لماذا التدوين بينما كان كل شيء يتم تسجيله!

كانت الأجواء في الجامعة وقتها مشحونة خلال فترة التوتر التي سبقت غزو العراق في 2003. وفوجئت بعد الندوة بضابط أمن الدولة يأتي ويشدّ على يدي بحرارة ويثني على مداخلتي التي لاقت صدى طيبا لدى الحاضرين. وقد أدهشني أن يبدي الضابط إعجابه بحديثي الذي تركّز أساسا على التضحيات التي قدمها المواطنون البسطاء من أجل أن يتم “العبور” وينجح.

أصرّ الضابط على أن يصطحبني إلى سيارتي التي كنت قد تركتها عند دار الأوبرا خشية ألاّ أجد لها مكانا عند الجامعة. وعلى المقعد الخلفي لمحت أكواما من الكتب عن إسرائيل والصهيونية منها ما يعتبر كتبا “سيئة السمعة” تروّج لنظرية المؤامرة مثل كتاب “بروتوكولات حكماء صهيون” الشهير الذي قيل إن رجال قيصر روسيا هم الذين دسّوه على اليهود، ولا أرى أبدا أنه ممّا يخدم القضية الفلسطينية أن نروّج له ونعتبره مصدرا يعتد به لفهم الصهيونية السياسية، وكان هناك كتاب آخر من تأليف ديفيد ديوك الزعيم السابق لمنظمة الكوكلوكس كلان العنصرية.

قال لي الضابط “انظر.. لقد اشتريت كل هذه الكتب من مالي الخاص فأنا بصدد تأسيس قسم لـ’مكافحة الصهيونية’ في جهاز أمن الدولة”. ولأني تحدثت عن الأفلام الصهيونية في مداخلتي فقد أخذ يلحّ أن أرسل إليه شرائط لهذه الأفلام من لندن، قائلا لي “يجب أن تساعدوا مصر!”، وشعرت بالمسؤولية والعبء فقد أصبح مطلوبا مني أنا العبد الفقير أن أساعد جهاز أمن ينفق بسعة على عملائه وعملياته المتعدّدة، وذلك بدعوى أن “مصر غلبانة”، كما قال لي الضابط.

ولكن ما أدهشني أكثر أنُ يسند إلى شخص واحد غير متخصّص أصلا في التاريخ، وتاريخ الصهيونية تحديدا، مهمة صعبة معقدة ومتشعّبة من هذا النوع، يعتمد فيها على اجتهاداته الشخصية ويسعى للحصول على مساعدة من الآخرين على نحو عشوائي، بينما كنت أتصوّر أن جهازا من هذا النوع يجب أن يعتمد على الباحثين وأساتذة الجامعات المتخصّصين في التاريخ وفي فهم الأدب الصهيوني واللغة العبرية وتاريخ الحركة الصهيونية. ولا شك أن العلم فضّلوه على “الفهلوة”. ولكن من الذي يهتم!

16