الشاشات مفتوحة لزوابع الساسة ويومياتهم

لا تكاد توجد شخصية سياسية ذات تأثير محلي أو عالمي إلا ووجد لها نظيرها على شاشات السينما.
الأحد 2021/10/10
الشعاراتية الملازمة للسياسيين تجعل الآخرين يديرون رؤوسهم

ينأى المشاهد من ثقل اليوميات المتكررة التي يعيشها بما يطفو عليها من طفح سياسات ويوميات قاتمة شديدة الرتابة وباعثة على الملل، ومع ذلك بوصف المشاهد مواطنا عاديا فإن السياسة لا تفارق الشاشات التي يشاهدها، فعلاوة على الأحداث والمتغيرات والأخبار السياسية اليومية هنالك متغيرات السياسة المصنوعة جماليا في شكل أفلام قصصها لا تنتهي.

لا شك أن قصص الساسة من التشويق ما يشجع كتّاب السيناريو والمخرجين على الخوض فيها وتجسديها على الشاشات، ولا تكاد توجد شخصية سياسية ذات تأثير محلي أو عالمي إلا ووجد لها نظيرها على الشاشات أو في الأعمال الفنية من رسم ونحن وغير ذلك.

كان صدام حسين وقبيل أن يتسلم السلطة في العراق بالمطلق قد جسد جانبا من حياته السياسية من خلال فيلم “الأيام الطويلة” الذي أخرجه المخرج توفيق صالح، ومن ثم كان هنالك فيلم “ناصر 56″ للمخرج محمد فاضل و”أيام السادات” للمخرج محمد خان، وكان ذلك يومها امتداد ليوميات نظام الحكم السائد، لكن في المقابل ظل كاسترو يعلق على الأفلام التي جسدت حياة وكفاح رفيق النضال تشي غيفارا ابتداء من سنة المنفى الوحيدة أواخر الخمسينات والكفاح ضد حكم باتيستا وصولا إلى تفرد كاستروا بحكم كوبا وبقاء تشي ملهما للثوار في أنحاء العالم، حيث رحل وبقيت ذكراه، بينما مضى كاستروا في فصول الحكم وتقلباته وتقلبات السياسة إلى النهاية والعجز.

كان الكوماندات، الفيلم الوثائقي للمخرج البارع أوليفر ستون علامة فارقة في هذا المسار عندما أمضى ستين ساعة في تتبع يوميات كاسترو في العام 2002، وفيها المخرج مولع باليسار فقد نقل يوميات القائد الكوبي، بما في ذلك أصداء الماضي والثورة، على نحو مختلف وشديد الإيحاء.

هنالك فاصلة تتعلق بزوابع السياسيين ونزعتهم المنفلتة غالبا باتجاه تمجيد الذات وتعظيم المنجزات والبحث عن التأثير الجماهيري، وما إلى ذلك من أعراض مشتركة تتفشى في عالم السياسة لتفيض على الشاشات

اللقاء الأول بين الاثنين كان قد جرى على هامش مهرجان هافانا 1986 ليعبر كاسترو عن اهتمامه بأعمال ستون، وخاصة أنه شاهد له فيلمه ذائع الصيت عن قصة الرئيس الأميركي الأسبق جون كنيدي واغتياله.

يتحدث ستون عن أجواء المقابلات والحوار قائلا إنه ليس متأكدا من أنه أنجز فيلما وثائقيا بقدر ما أصبح في حكم تحصيل حاصل أن الفيلم قد رفع الجدار الرابع عن ذلك العالم المغلق الذي كان يحيط بكاسترو، وصولا إلى اليوميات والجدل والمناقشات عن الثورة والثوار وظلال الذكريات مع تشي غيفارا.

يؤكد ستون “كنت صريحا”. “لقد قطعته كثيرا، وقمت بقطعه مثل المخرج، غيرت الموضوع عندما شعرت بذلك، كنت وقحا”، شعر ستون أن علاقة أكثر عدائية وازدراء لن تكون مثمرة. يشرح قائلا “إنه خط رفيع، مشابه للخط الفاصل بين المخرج والممثل. إلى أي مدى يمكنك دفع الممثل، دون إغلاق الممثل؟”.

يتأمل ستون المشهد باستغراب وهو يطرح سؤالا وجوديا أكثر منه سينمائيا، وخلاصته هي كيف استطاعت كوبا (وكاسترو) البقاء على قيد الحياة بصفتها الخصم الأكثر صعوبة لأميركا يقع على بعد 90 ميلا فقط من الولايات المتحدة لأكثر من 40 عاما؟

الشعاراتية الملازمة للسياسيين تجعل الآخرين يديرون رؤوسهم، ولهذا نجد كاستروا في ذلك الوثائقي يؤكد أن الهدر الحالي للموارد في جميع أنحاء العالم سيؤدي إلى انقراض البشرية.

وما بين ما هو إبداعي وسينمائي يحقق اشتراطات الوثائقي والسيرة الذاتية أحيانا على الشاشات، هنالك فاصلة تتعلق بزوابع السياسيين ونزعتهم المنفلتة غالبا باتجاه تمجيد الذات وتعظيم المنجزات والبحث عن التأثير الجماهيري، وما إلى ذلك من أعراض مشتركة تتفشى في عالم السياسة لتفيض على الشاشات.

15