الطوابير تخلق أزمات نفسية وصحية في المجتمعات العربية

صفوف الانتظار والوقوف لساعات طويلة، معاناة يومية يواجهها الناس بعد الخروج من الحجر الصحي.
السبت 2020/05/23
لا حيلة لنا إلا الانتظار

الطوابير الطويلة والمتعرجة مشهد يتكرر بشكل يومي في المدن العربية الكبرى، في وقت ينطوي فيه التواصل الاجتماعي المباشر على خطر الإصابة بوباء كوفيد – 19، رغم أن البديل متوفر، وهو الخدمات الرقمية والنظم الذكية الرخيصة التي يمكن أن تختصر الكثير من الوقت والجهد والتكاليف في إنجاز مختلف المعاملات.

لم تجد دول عربية عدة مفرا من استعادة أنشطتها التجارية ولو بشكل جزئي مع اتخاذ التدابير الوقائية الممكنة، لكن الرفع التدريجي لإجراءات الغلق تحول إلى تجارب يومية مريرة يتكبد خلالها الكثير من الناس عناء الوقوف لساعات وسط المئات من الزبائن لقضاء حاجياتهم.

وشهدت المدن العربية الكبرى حركة غير مسبوقة وطوابير طويلة ومتعرجة أمام مراكز ومحلات التسوق والفروع البنكية والبريدية والمؤسسات الحكومية، لتخترق بذلك جميع قواعد التباعد الاجتماعي وجوهر الاستراتيجية الصحية لمنع انتشار فايروس كورونا.

ورغم أن صفوف الانتظار تتفاوت حدتها من بلد إلى آخر، خصوصا بعد أن وفرت بعض الحكومات المزيد من الطرق الإلكترونية والذكية لإدارة الطوابير وتسريع الخدمات، كما أتاحت إمكانية إنجاز العمليات البنكية عبر الإنترنت بدلا من الانتظار في فروع البنوك، لكن مشهد الطوابير الطويلة لم يختف تماما.

محمد الحمزة: الحكومة الإلكترونية ذللت الكثير من الصعاب
محمد الحمزة: الحكومة الإلكترونية ذللت الكثير من الصعاب

الحكومة الإلكترونية

شدد الأخصائي الاجتماعي السعودي محمد الحمزة على أهمية توفير الخدمات الرقمية والنظم الذكية الرخيصة التي يمكن أن تختصر الكثير من الوقت والجهد والتكاليف في إنجاز المعاملات.

وقال الحمزة لـ”العرب” “نستطيع القول إن الحكومة الإلكترونية ذللت الكثير من الصعاب وقللت من الجهد والتكاليف والوقت، وبالذات مسألة التزاحم والمكوث المطول في قاعات الخدمات الرسمية أو غير الرسمية، وهو ما تم اختصاره بمصطلح النافذة الواحدة في بعض الدول، إلا أن هذا النظام لم يطبق بشكل كامل في كل المؤسسات، كما أنه لم يطبق في كل البلدان العربية، وفي حال تم تطبيقه بشكل فاعل ستكون الحياة أسهل، حتى أننا سنلاحظ أن هناك انعكاسا إيجابيا على الاختناقات المرورية وسرعة إنجاز المعاملات بالنسبة للمواطن العربي”.

وأضاف “على الرغم من ضرورة التوسع في هذا الأمر للقضاء على العديد من المشكلات التي يعاني منها الناس في مجتمعاتنا النامية بصفة عامة، إلاّ أننا لا بد من الأخذ في الاعتبار أن نجاح مثل هذا الأمر يتوقف أيضا على البيئة الثقافية للمجتمع التي مازالت لا تقتنع إلا بالحضور الجسدي لإتمام أمورها ومعاملاتها حتى في ظل وجود الخيار الإلكتروني المتاح”.

واعتبر الحمزة أن الحكومات العربية الإلكترونية لا يمكن أن تؤتى ثمارها أو تحقق أهدافها المرجوة في ظل وجود نسبة أمية تسود في بعض مجتمعاتها، فضلا عن نسب هامة من المواطنين لا يتملكون الآليات الضرورية التي تمكنهم بالفعل من التعامل مع الوسائل الإلكترونية للحصول على الخدمات الحكومية المختلفة، فضلا عن وجود بعض أصحاب المصالح الذين يعملون ضد انتشار الخدمات الإلكترونية.

ويرجح الحمزة أنه حتى في ظل توفر التكنولوجيا لإتمام المعاملات فإن المشكلة هي في مدى الإدراك العام لاستخدامها، وخصوصا من فئة كبار السن التي لا تثق في الخدمات الإلكترونية لإجراء تعاملاتها وتلبية خدماتها بشكل غير مباشر، لذلك قد تحتاج الجهات الحكومية أو الخاصة جهدا مضاعفا لتنمية الوعي المجتمعي حتى يصبح ثقافة شائعة.

هدر الوقت

لا بد من تعلم الوقوف بأمان
لا بد من تعلم الوقوف بأمان

تبدو الحياة أكثر صعوبة على غير الراغبين أو غير القادرين على مواكبة التحول الرقمي الذي يلبي حاجاتهم بأيسر السبل، إلا أن بعض المدن العربية مازالت متمسكة بسمعتها السيئة، التي تكشف عنها عوامل مثل الصفوف التي لا نهاية لها والأسلوب الفضفاض في التعامل مع الوقت.

 لكن هذه “العادات الراسخة لا يمكن أن تزول بسهولة” كما قالت لاعبة التايكوندو المحترفة التونسية رحمة بن علي، فالمواطن التونسي والعربي عموما يقضي الساعات في الانتظار في المتاجر أو في الدوائر الحكومية والمصرفية، بالرغم من أنه في الإمكان الاعتماد على التعاملات الإلكترونية التي تختصر الوقت والتكلفة عموما، فضلا عن كونها أعلى كفاءة.

رحمة بن علي: الصفوف الممتدة في الشوارع مظهر من مظاهر التخلف
رحمة بن علي: الصفوف الممتدة في الشوارع مظهر من مظاهر التخلف

واعتبرت بن علي في تصريح لـ”العرب” أن التقدم الحاصل في مجال التقنيات جعل المجتمعات الغربية تتقدم بقفزات في الولوج نحو العالم الافتراضي الذي تتخلله عمليات الشراء والدفع عبر الأثير وإجراء المعاملات الحكومية بمختلف أنواعها، وهي على حد تعبيرها “أسهل وأنظف وأكثر أمانا وربحا للوقت”.

وأضافت “المعضلة الكبيرة التي مازلنا نعاني منها إلى اليوم في معظم المجتمعات العربية، هي مشكلة الانتظار في طوابير طويلة تشكل ضغطا نفسيا علينا، وأكثر إرهاقا وخصوصا بالنسبة لكبار السن والأمهات، الذين يضيع كامل يومهم في معاملة بسيطة من الممكن قضاؤها في بضع ثوان عبر الإنترنت في مكان واحد وفي نفس الوقت”.

وترى لاعبة التايكوندو أن منظر الصفوف الطويلة الممتدة في الشوارع وعلى ممرات المارة ليس سوى مظهر من مظاهر التخلف والتأخر، وأن تونس قد برهنت في العديد من المرات أنها بلاد متحضرة وواعية في تعاطيها مع الأزمات، ولتغدو سمعتها وصورتها أكثر إشراقا، يجب أن تتخلى عن  الأنظمة التقليدية التي عفا عليها الزمن في التعاطي مع المعاملات.

وختمت بن علي بقولها “في الدول التي تديرها حكومات رقمية بإمكان مواطنيها استلام رواتبهم وشراء احتياجاتهم وصرف الوصفات الطبية وتوقيع المستندات والتصويت عبر الإنترنت عن طريق تطبيقات هواتفهم النقالة، لكن أين نحن من كل هذا؟”.

مصدر إزعاج

الانتظار لفترات طويلة يضر بالصحة
تبدو الحياة أكثر صعوبة على غير الراغبين على مواكبة التحول الرقمي

لا يستبعد بعض الخبراء أن العديد من الحكومات العربية ستدار في نهاية المطاف عبر الإنترنت أيضا، وهذه الفكرة المرشحة لتكون إحدى الأفكار الكبرى في القرن الحادي والعشرين، لكن في الوقت الحاضر مازالت ظاهرة الطوابير المملة تثير حفيظة الكثيرين، ومن بينهم الإعلامي العراقي عقيل الشمري الذي اعتبر أن الطوابير تمثل مصدر إزعاج للعراقيين أثناء قضاء معاملاتهم، مشددا على أن المعاناة من الطوابير لا تنحصر بالضرورة في المدة الزمنية التي يقضيها الناس في الانتظار، بل القضية الأكثر جدلا هي المحسوبية والواسطة التي تسهل على الكثيرين قضاء حوائجهم.

وقال الشمري “من أمنيات المواطن العراقي أن تنجز معاملاته عند مراجعته الدوائر الحكومية بالسرعة الممكنة من دون الوقوف في طوابير طويلة جدا، ولكنه مجرد حلم مازال يراود مخيلته”.

وأضاف “المحسوبية والوساطة ظاهرة متأصلة في المجتمع العراقي، لكنها تبرز بشكل كبير في طريقة قضاء المعاملات، إذ يُعامل الكثيرون دائما بطريقة مختلفة في شبابيك الخدمات الحكومية، فيما يعجز آخرون عن تفادي الانتظار في طوابير بلا نهاية”.

سراب مرشد الناصر: الانتظار أصبح في الدول المتقدمة من الأشياء التي عفا عليها الزمن
سراب مرشد الناصر: الانتظار أصبح في الدول المتقدمة من الأشياء التي عفا عليها الزمن

وأوضح الشمري “الحكومة الإلكترونية من شأنها أن تنهي معاناة العراقيين من مراجعة الدوائر الحكومية وهناك آليات سهلة لتوحيد المعاملات في جميع مناطق العراق ضمن مكاتب رقمية تستحدث لهذا الغرض، بما يسهم في القضاء على ظاهرة الطوابير، ويتيح جميع الخدمات بطرق سهلة وسريعة من خلال البوّابات الذكية، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إنجاز مشروع الحكومة الإلكترونية في العراق”.

وتمنى الإعلامي العراقي أن تكون دوائر الدولة في العراق شبيهة بما هو سائد في الدول المتحضرة ويصبح في مقدور المواطن العراقي إجراء جميع المعاملات بالاعتماد على التكنولوجيا الذكية التي ساهمت في تغير أنماط حياة الناس وعادات المجتمعات ووسائل الاتصالات.

وأكدت سراب مرشد الناصر، الطالبة السورية المقيمة في العراق، أن الطوابير وسيلة جيدة لفرض النظام العام والعدل بين الناس أثناء قضاء معاملاتهم، لكنها عبرت في الوقت نفسه عن تذمرها من صفوف الانتظار الطويلة والعشوائية التي تشوه المنظر العام للدوائر والمؤسسات الحكومية والشوارع وترهق الناس جسديا ونفسيا.

وقالت الناصر “الانتظار سواء وقوفا أو جلوسا بدأ يصبح في الدول المتقدمة من الأشياء التي عفا عليه الزمن، لاسيما في ظل توفر عدة بدائل تكنولوجية لإجراء مختلف أنواع المعاملات عبر الإنترنت بدلا من الانتظار في فروع البنوك أو الدوائر الحكومية”.

وأضافت “لا أعتقد أن الطوابير ستختفي تماما من المجتمعات العربية رغم أنها مرهقة جدا ومضرة بالصحة، وخصوصا في فترات الحر والقر، بالإضافة إلى ما يمكن أن يسببه الوقوف، فضلا عن أنها تفرض على الناس التقارب في المسافات أثناء عملية الانتظار، وهذا الأمر يحمل في طياته الكثير من المخاطر على صحة الناس، ويهدد بالإصابة بفايروس كورونا”.

الغضب من الاصطفاف

عقيل الشمري: المعاناة لا تنحصر في الانتظار، بل في قضية المحسوبية
عقيل الشمري: المعاناة لا تنحصر في الانتظار، بل في قضية المحسوبية

شددت الناصر على أهمية تطبيق فكرة الحكومة الإلكترونية في البلدان العربية، وهي من وجهة نظرها أفضل عامل يمكن أن يساعد على حل مشكلة الطوابير ويساهم في اختفاء ظاهرة الانتظار المرهقة والمقلقة، وتنظيم الشركات والمؤسسات التي تقدم الخدمات المختلفة.

لكن بغض النظر عن مدى قصر أو طول الطابور، يجمع العلماء على أنه لكي يؤدي الطابور الغاية منه، لا بد من خدمة المصطفين حسب الدور الذي يقفون فيه، وبهذا يمكن تجنب الغضب من الاصطفاف الذي يسبب مخلفات صحية ونفسية.

ويقول علماء الاجتماع إن الإنصاف في معاملة المصطفين في الطابور هو أحد العوامل التي يجب مراعاتها ليشعر الواقفون في الطابور بالرضا قليلا، فالناس عموما يشعرون بالضجر عندما تكون فترة الانتظار أطول مما كانوا يعتقدون، أو عندما يقفز شخص أمامهم من دون مراعاة لمن هم قبله.

فيما حذّرت أبحاث علمية من أن الانتظار لفترات طويلة يضر بالصحة ويرفع مستويات التوتر وضغط الدم، مشددة على أن مستويات التوتر ترتفع بسرعة حين لا يحصل البعض على الخدمة المتوقعة، ويشمل ذلك ارتفاع ضغط الدم والقلق المزمن والصداع واضطرابات المعدة والأمعاء!

17