العجز عن تجاوز الماضي يبقي ملفات حقبة استعمار فرنسا للجزائر مفتوحة

الغموض ما زال يكتنف مصير عمل  لجنة الذاكرة المشتركة برئاسة المؤرخين بنيامين ستورا وعبدالمجيد شيخي.
الخميس 2021/01/07
طريق المصالحة التاريخية ما زال طويلا

الجزائر – تتوقع أوساط سياسية جزائرية أن يفتح تأخر فرنسا في الكشف عن مضمون التسوية المتوصل إليها من طرف لجنة الذاكرة المكونة بين البلدين حول الملف التاريخي والذاكرة الجماعية، أبواب التعثر مجددا رغم الليونة التي أبداها الطرفان في هذا الملف.

وفيما كان منتظرا أن تقع تسوية قضايا الذاكرة خلال مطلع العام الجاري، بحسب تعهدات باريس، إلا أنه لا شيء في الأفق لحد الآن.

وما زال الغموض يكتنف مصير عمل اللجنة المشتركة برئاسة المؤرخين بنيامين ستورا وعبدالمجيد شيخي، فقد سبق أن صرح الرئيس الفرنسي لمجلة “جون أفريك”، بأن “(صدور) نتائج عمل اللجنة سيكون مطلع هذا العام، وأنه سيكون عملا مرضيا للطرفين”، غير أنه لم يعلن لغاية الآن عن أي شيء في هذا الشأن.

وجاءت فكرة تعيين خبيرين في التاريخ للعمل على ملف الذاكرة بمبادرة من الرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون والجزائري عبدالمجيد تبون، تجسيدا “لإرادة المصالحة بين الشعبين الفرنسي والجزائري” بحسب الإليزيه.

وكان الطرف الفرنسي قد سلم إلى الجزائر جماجم ورفات زعماء المقاومة الشعبية، والتي كانت معروضة في متحف الإنسان بباريس، في إطار جزء من التسوية المتفق عليها بين الطرفين، وهو الحدث الذي اعتبرته السلطات الجزائرية إنجازا مهما لصالح الذاكرة الوطنية، خاصة وأنه تزامن مع احتفالات عيد الاستقلال الموافق للخامس من يوليو من كل عام.

عبدالمجيد شيخي:

تجريم الاستعمار لا يحتاج إلى قانون والشعب الجزائري جرم الاستعمار منذ زمن

ويبدو أن السلطات الجزائرية غير مستعدة للمزيد من التجاذبات في هذا الملف، بعد تبني مطلب الاعتراف والاعتذار عن حقبة الاستعمار رسميا وشعبيا خلال السنوات الماضية، مقابل أي علاقة ندية مع الجانب الفرنسي. كما تضغط أحزاب سياسية لصالح سن قانون يجرم الاستعمار.

وصرح عبدالمجيد شيخي الذي يشغل منصب مستشار لدى الرئاسة، في رده على سؤال حول المبادرة المذكورة، بأن “تجريم الاستعمار لا يحتاج إلى قانون وأن الشعب الجزائري جرم الاستعمار منذ زمن”.

وأوضح المسؤول في الرئاسة، مساء السبت، أن إصدار قانون لتجريم الاستعمار الفرنسي للبلاد (1830 – 1962) ليس أولوية بالنسبة إلى السلطات، “لأن الشعب الجزائري جرمه منذ زمن”.

وأضاف “أقول لكم بصراحة.. تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر لا يحتاج إلى نص لأن الشعب الجزائري جرمه منذ زمن، وبالنسبة إلي كمسؤول يشرف على ملف الذاكرة، هذا الأمر ليس أولوية.. لأن مهمتنا الأساسية هي إبراز نضالات الشعب الجزائري ضد الاستعمار ووضعها في متناول الجميع”.

ويرى متابعون أن العجز عن تجاوز الماضي يمنع إقفال ملفات حقبة الاستعمار الفرنسي في الجزائر، ويعتقد هؤلاء أن الطبقة السياسية التي تعيش حالة من عدم اليقين تستغل قضايا الذاكرة وملف الاستعمار للهروب من الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالبلاد، كمحاولة لكسب تعاطف الشارع.

وكان عدد من نواب البرلمان قد أودعوا منذ نحو عام مشروع قانون لتجريم الاستعمار الفرنسي للبلاد بين 1830 و1962 لدى رئاسة البرلمان، من أجل مناقشته، غير أن إدارة البرلمان لم تفتح الملف إلى غاية الآن، ما دفع بعضهم إلى إصدار بيان أدانوا فيه “الأسباب المجهولة التي وقفت وراء تعطيل المشروع”.

ونصت المبادرة التي حظيت بتوقيع 50 نائبا من أحزاب قومية وإسلامية، على أن “طلب اعتراف فرنسا بجرائمها وأفعالها إبّان احتلالها للجزائر من سنة 1930 إلى 1962، والاعتذار عنها حقّ مشروع للشعب الجزائري غير قابل للتنازل”.

وأضافت أن “أشد الجرائم خطورة، هي الإبادة الجماعية، جرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وأن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم”، وحملت الدولة الفرنسية مسؤوليتها الكاملة عن كل الجرائم التي ارتكبتها جيوشها في حق الشعب الجزائري إبان فترة الاحتلال.

وظلت ملفات تسوية ملف المفقودين مع السلطات الفرنسية، وإعادة الأرشيف الوطني الموجود بفرنسا، ودفع التعويضات اللازمة للمتضررين من التجارب النووية في الصحراء الجزائرية، والاعتراف بالجرائم الفرنسية في الجزائر خلال الفترة الاستعمارية، على رأس الأولويات التي رفعتها منظمات أهلية في الجزائر تهتم بالشأن التاريخي.

ويبقى ملف التاريخ والذاكرة أكبر عائق في طريق تسوية العلاقات الجزائرية الفرنسية طيلة العقود التي أعقبت الاستقلال، ورغم الليونة التي أبداها الرئيس ماكرون في تسوية الملف، إلا أن التأخر عن الأجندة المسطرة يفتح الباب أمام إمكانية تعثر الملف والعودة من جديد إلى مربع الصفر.

4