العزلة تلاحق حكومة السراج بعد الاتفاق مع الأتراك

اليونان وقبرص يعتزمان طرح قضية مذكرة التفاهم حول المنطقة الاقتصادية البحرية في شرق المتوسط خلال اجتماع الاتحاد الأوروبي المرتقب.
الأحد 2019/12/08
تفاهم يثير غضبا دوليا متصاعدا

اتسعت دائرة الترجيحات بأن تشهد الأيام المقبلة مواقف أكثر صلابة ضد حكومة الوفاق التي يترأسها فائز السراج بعد اتفاقها المثير مع تركيا، مع اعتزام حكومتي أثينا ونيقوسيا طرح الموضوع بقوة خلال اجتماع الاتحاد الأوروبي غدا الاثنين.

وبدت مؤشرات العزلة الإقليمية والدولية في تزايد عشية الذكرى الرابعة لاتفاق الصخيرات الموقع في 17 ديسمبر  2015 وبعد طرد سفير حكومة الوفاق من قبل اليونان.

وأكدت مصادر ألمانية السبت أن قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المنعقدة منذ أيام بلندن تحاشت الخوض في قضية مذكرة التفاهم بين السراج والأتراك حول المنطقة الاقتصادية البحرية في شرق المتوسط، ونزاعهما مع اليونان وقبرص، لتجنب الدخول في صراع مع أنقرة خلال المرحلة الحالية على الأقل، لكنها لم تستبعد أن تتسبب تلك القضية في الرفع من مستوى المواجهة العسكرية في ليبيا، في الوقت الذي تحاول فيه برلين نزع فتيل الأزمة من خلال المؤتمر الذي دعت إليه القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في الملف الليبي والمزمع عقده أوائل يناير 2020.

وقد نعتت المصادر الألمانية مذكرة التفاهم البحرية بين السراج والأتراك بأنها سخيفة نظرا إلى أنها لا تعطي اعتبارا لطبيعة الجغرافيا التي تفصل بين المياه الدولية ذات العلاقة بين ليبيا وتركيا بجزر يونانية، مشيرة إلى أن تنفيذ التفاهم مستقبلا يعني سيطرة تركيا على رودس وتحييد جزيرة كريت.

ولا يخفي الألمان انزعاجهم من الدور التركي المساهم في إدامة النزاع الليبي من خلال دعم نظام رجب طيب أردوغان لميليشيات حكومة السراج بالسلاح والذخيرة، في تحدّ صارخ لقرارات مجلس الأمن، بينما تواجه إيطاليا ضغوطا متزايدة من دول الاتحاد الأوروبي باعتبارها العرّابة الأساسية لحكومة السراج.

رئيس الحكومة اليونانية يؤكد أن ليبيا وتركيا ليست بينهما حدود بحرية، وأنه لا توجد في ليبيا حكومة حاصلة على الشرعية الوطنية، وبالتالي فإن هذا الاتفاق مصيره الانهيار

وحاول سيالة في مقابلة مع صحيفة "كوريري دي لا سيرا" الإيطالية التمادي في تبني النهج الخطأ بالقول إن “العلاقات الليبية- التركية تهم طرابلس وأنقرة حصرا ولا أحد يستطيع التدخل”، لكن “الإيطاليين قلقون، يقولون لنا إنهم يرغبون في أن يتم إخطارهم بتحركاتنا، وخاصة الأخيرة مع تركيا، لأنهم يظلون حلفاءنا التاريخيين على الرغم من أن سفيرهم في طرابلس يتحدث معنا طوال الوقت”.

وجاءت تصريحات سيالة بعد اجتماعه الجمعة مع وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو، والذي احتلت مذكرة تفاهم السراج مع الأتراك الجزء الأكبر منه، حيث حاول وزير خارجية الوفاق الدفع بالإيطاليين إلى إقناع الأوروبيين بوجهة نظر حكومته، طارحا كعادته جملة من الإغراءات الجديدة لسلطات روما.

وقال وزير الخارجية اليوناني نيكوس دندياس أمام الصحافيين إنه تم إمهال السفير ثلاثة أيام لمغادرة البلاد، موضحا في المقابل أن هذا القرار لا يعني قطع اليونان لعلاقاتها الدبلوماسية مع ليبيا، مشيرا إلى أن القرار يعكس استياء الحكومة اليونانية من حكومة طرابلس، ومؤكدا أن القرار جرى اتخاذه بعد “عدم استيفاء الجانب الليبي للشروط التي وضعناها”.

كما وجهت اليونان دعوة رسمية إلى رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح ونائب رئيس المجلس الرئاسي المنسحب فتحي المجبري لزيارة أثينا، بينما أرسل رئيس الحكومة اليونانية كيرياكوس ميتسوتاكيس رسالة إلى الحكومة التركية قال إنها ليست فقط من أجل القيام بعمل جيد لإعادة تقييم المذكرة المبرمة مع حكومة السراج في 27 نوفمبر الماضي، نظرا إلى أنها غير شرعية وتتجاهل وجود الجزر اليونانية في الخارطة، ولكن أيضا لأن تركيا أصبحت معزولة دوليا، حيث واجهت بتلك المذكرة كلا من الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي وإسرائيل ومصر، مبرزا أن الناتو لن يصادق عليها أيضا، لأن “الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان لديه موقف واضح ضد هذا الاتفاق”.

وأضاف رئيس الحكومة اليونانية أن ليبيا وتركيا ليست بينهما حدود بحرية، وأنه لا توجد في ليبيا حكومة حاصلة على الشرعية الوطنية، وبالتالي فإن هذا الاتفاق مصيره الانهيار، مبرزا أن “هذه القضية ستثار (الاثنين) في اجتماع الاتحاد الأوروبي، وأنا متأكد من أننا سنحصل على دعم شركائنا الأوروبيين”.

انتهاك صارخ للقانون الدولي للبحار والحقوق السيادية لليونان ودول أخرى
مذكرة تفاهم لا تعطي اعتبارا لطبيعة الجغرافيا

واعتبرت وزارة الخارجية اليونانية أن مذكرة التفاهم بين السراج والأتراك “انتهاك صارخ للقانون الدولي للبحار والحقوق السيادية لليونان ودول أخرى”.

وفي الوقت نفسه، أدان سفير الولايات المتحدة باليونان جيفري باتي، في حديثه خلال اجتماع للمعهد الهيليني الأميركي، مذكرة التعاون الموقعة بين تركيا وليبيا. وقال “المذكرة مع ليبيا أحدثت توترات في الإقليم. هذا لا يساعد على تحقيق روح الأمن والاستقرار التي تريدها الولايات المتحدة للمنطقة”، مضيفا أن بلاده قد أكدت بوضوح أنها ترى في اليونان عامل استقرار في المنطقة وجزءا من الحل.

بدورها توجهت جمهورية قبرص المعترف بها دوليا بشكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي في نيويورك بشأن الاتفاقية البحرية الموقعة بين كل من تركيا والمجلس الرئاسي، أكدت فيها تمسكها بعدم أحقية حكومة السراج في توقيع الاتفاقيات وفقا لنصوص الاتفاق السياسي الصادر قبل أربع سنوات عن اجتماعات الصخيرات المغربية.

ووفق نص الرسالة القبرصية، يتحمل مجلس الأمن مسؤولية مباشرة عن ضمان التنفيذ الكامل للاتفاق السياسي بين الليبيين كوسيلة للحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة. وينبغي أن يكون رد فعله على وجه السرعة من أجل اعتبار المذكرة المبرمة بمثابة انتهاك للاتفاقية التي يمكن أن تعطل بشكل خطير علاقات ليبيا مع الدول المجاورة.

وتابعت الشكوى القبرصية أن قضايا إبرام المعاهدات الشرعية دوليا ليست هي الوحيدة التي تتعرض للخطر هنا، بل إن محتوى الاتفاقية يسخر من قواعد راسخة للقانون الدولي، والتي وضعت على وجه التحديد من أجل ضمان العلاقات السلمية بين الدول، ووضع إطار لممارسة سيادتها وحقوقها السيادية، حيث لا ينبغي أن يكون المجلس خاملا في وجه الجهود المبذولة لتقويض هذه القواعد، المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة واتفاقية الأمم المتحدة بشأن قانون البحار (ولاسيما المادتين 74 و83 بشأن تعيين الحدود البحرية بين الدول التي لها مصلحة قانونية فيها)، من خلال إبرام اتفاقات ترسيم الحدود المزعومة بين الدول غير الأطراف في الاتفاقية، خارج إطار اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وبشكل مباشر يتعارض مع أحكامه، على أساس معايير تعسفية تنتهك أيضا الأعراف وتتجاهل القانون الدولي تماما وكذلك حقوق الدول الأخرى في المنطقة، بما في ذلك قبرص.

مذكرة التفاهم البحرية لا تعطي اعتبارا لطبيعة الجغرافيا
انتهاك صارخ للقانون الدولي للبحار والحقوق السيادية لليونان ودول أخرى

وإضافة إلى ذلك، ذكرت مصادر مطلعة أن هناك دافعا غير معلن للإصرار على تسمية الوثيقة المتعلقة بالمنطقة الاقتصادية البحرية الموقعة في 27 نوفمبر الماضي بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس المجلس الرئاسي الليبي فائز السراج بمذكرة تفاهم وليست اتفاقية، وأن هذا الدافع هو عدم الاضطرار لعرضها على البرلمان الليبي المنتخب للتصديق عليها.

وأضافت المصادر أن الجانب التركي هو الذي اقترح الاتفاقية وقام بتحرير بنودها وهو الذي أقنع السراج بالتوقيع عليها مقابل التوقيع على مذكرة التفاهم المتعلقة بالتعاون الأمني والعسكري.

وتابعت المصادر أن مذكرة التفاهم لا تحظى في القانون الدولي بنفس امتيازات الاتفاق، ويمكن إلغاؤها في أي وقت، وهي أقرب إلى اتفاق المعنوي بين طرفين لا يستوجب تصديق البرلمان والغطاء الدستوري.

وفي ما يتعلق بالعلاقات الدولية، تعتبر السرية أهم ما يخص مذكرة التفاهم حيث إن القانون يسمح بذلك. كما أنها توقع في معظم الدول دون الرجوع إلى المؤسسات الداخلية المعنية مثل البرلمان أو الهيئات التشريعية.

وردت المصادر الالتجاء إلى مذكرة التفاهم كوسيلة للتهرب من ضرورة عرضها على مجلس النواب المنتخب، في ظل ما ينص عليه اتفاق الصخيرات المبرم قبل أربع سنوات بوجوب عرض كل الاتفاقات المبرمة مع أطراف خارجية على البرلمان وأن تحظى قبل ذلك بتوقيع جميع أعضاء المجلس الرئاسي التسعة، بينما لم يبق منهم قيد الممارسة الفعلية سوى خمسة.

وأعلنت الجريدة الرسمية التركية أن مذكرة التفاهم الموقعة بين حكومة الوفاق الوطني وتركيا بشأن تحديد المجالات البحرية دخلت، السبت، حيز التنفيذ، بينما أكد مستشار الرئيس التركي، ياسين أقطاي أن أنقرة ماضية لتنفيذ مذكرة التفاهم التي وقعتها مع حكومة الوفاق قبل أيام وسيبدأ الاستكشاف وإنتاج النفط والغاز بمجرد إتمام الإجراءات القانونية.

5