الغربيون ينسحبون: لم يبق لطالبان سوى إعلان النصر

الانسحاب الأميركي – الأوروبي بمثابة إعلان للهزيمة وإعطاء مشروعية شعبية لطالبان للتعنت في مفاوضات السلام.
الخميس 2021/04/15
انسحاب بطعم الهزيمة

بروكسيل – لن تنسحب الولايات المتحدة لوحدها من أفغانستان وهي تعمل على أن يكون هذا الانسحاب “دون شروط” ومُنسّقا مع الأوروبيين أيضا، ما يترك المجال مفتوحا أمام حركة طالبان للسيطرة على الأرض و”إعلان النصر” خاصة في ظل تأثير قرار الانسحاب على جهود البحث عن تسوية بين الحركة والحكومة الأفغانية.

وقال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن الأربعاء إن التحالف الذي يقوده حلف شمال الأطلسي في أفغانستان سيغادر البلاد بالتنسيق مع الانسحاب الأميركي المقرر بحلول الحادي عشر من سبتمبر تزامنا مع الذكرى العشرين لهجمات سبتمبر التي نفذها تنظيم القاعدة وما أعقبها من غزو أميركي لأفغانستان.

وهذه المرة الثانية التي تسحب قوة عظمى قواتها من أفغانستان بعد أن عجزت عن تحقيق غاياتها هناك، وذلك بعد أن اضطر الاتحاد السوفييتي بعد تدخل دام عشر سنوات (1979 – 1989) إلى الانسحاب تحت ضربات المجاهدين الأفغان، ما تسبب في انهيار الاتحاد السوفييتي.

جو بايدن: بعد عشرين عاما من هجمات سبتمبر لا يمكن بقاء قواتنا في أفغانستان
جو بايدن: بعد عشرين عاما من هجمات سبتمبر لا يمكن بقاء قواتنا في أفغانستان

وأنتجت حرب أفغانستان في العشرين سنة الأخيرة أكبر استنزاف للولايات المتحدة وأوروبا. وفضلا عن الخسائر العسكرية والبشرية المباشرة فقد خلق الهجوم الأميركي على أفغانستان وما تبعه من عنف وعنف مضاد مناخا مكّن الإرهاب من أن يتحول إلى حرب عالمية ثالثة ولكن بطور أقل سخونة من الحروب الكلاسيكية.

ونقلت الجماعات الإسلامية المتشددة خبراتها في الحرب مع الأميركيين في أفغانستان إلى ميادين أخرى للمواجهة مع الغرب في العراق وسوريا وليبيا واليمن. كما طورت أشكال العنف التي تعتمدها من خلال تنفيذ عمليات في أوروبا باعتماد الخلايا محدودة العدد في تحركاتها والاعتماد على “الذئاب المنفردة”، وهو الإرهاب الذي يكابد الأوروبيون إلى الآن للتغلب عليه.

واعتبر متابعون للشأن الأفغاني أن الانسحاب الأميركي – الأوروبي بعد عشرين عاما من الحرب في أفغانستان سيعتبر بمثابة إعلان للهزيمة وفسح للمجال أمام طالبان لتقول إنها طردت الغربيين كما طردت من قبلهم الروس، ويعطيها مشروعية شعبية للتعنت في مفاوضات السلام، لافتين إلى أن القوات الحكومية الأفغانية لن تقدر على مجابهة طالبان بعد هذا الانسحاب.

وأشاروا إلى أن القوات الحكومية ستشعر بالإحباط وربما تحصل في داخلها انشقاقات وانسحابات تجنّبا لمواجهة مقاتلي طالبان، ولتبرئة الذمة من الانتقام الذي ستلجأ إليه الحركة للقصاص من خصومها بعد الانسحاب القاتل الذي أعلنه الأربعاء الرئيس الأميركي جو بايدن.

ويتمركز في أفغانستان نحو 7000 جندي غير أميركي من دول الحلف في الأساس وأيضا من أستراليا ونيوزيلندا وجورجيا، وهو عدد يفوق القوات الأميركية هناك البالغ قوامها 2500 جندي، لكنه لا يزال يعتمد في مهمته التدريبية على الدعم الجوي والتخطيط والقيادة التي تقدمها القوات الأميركية.

وعزا الرئيس الأميركي جو بايدن في خطابه الذي بث مساء الأربعاء قرار الانسحاب إلى غياب أيّ مبرر للاستمرار في الحرب.

وقال “ذهبنا إلى أفغانستان بسبب الهجوم المروّع الذي وقع قبل عشرين عاما… لكن هذا لا يمكن أن يفسر لماذا يجب أن نظل هناك في 2021”. وأضاف “حان الوقت لإنهاء أطول حرب أميركية. حان الوقت لعودة القوات الأميركية إلى أرض الوطن”.

وبالانسحاب دون إعلان النصر تفتح الولايات المتحدة الباب أمام انتقادات بأن تلك الخطوة اعتراف فعلي بالفشل.

وفي أول رد لها على قرار الانسحاب أعلنت طالبان رفضها دخول أيّ مفاوضات (في إسطنبول أو الدوحة أو موسكو) قبل أن تتأكد من الانسحاب، في خطوة قال مراقبون إن الهدف منها استثمار حالة التراجع الغربي وهو تراجع سيؤثر بالضرورة على الحكومة الأفغانية لإظهار القوة وامتلاك المبادرة.

أنيغريت كرامب كارنباور: قلنا دائما ندخل مع الأميركيين ونخرج معا من أفغانستان
أنيغريت كرامب كارنباور: قلنا دائما ندخل مع الأميركيين ونخرج معا من أفغانستان

وكتب الناطق باسم طالبان في قطر محمد نعيم في تغريدة “إلى أن تنسحب كل القوات الأجنبية من بلادنا لن نشارك في أيّ مؤتمر قد تتّخذ خلاله قرارات بشأن أفغانستان” وذلك بعد إعلان تركيا عن محادثات سلام “رفيعة المستوى” في الفترة ما بين الرابع والعشرين من أبريل والرابع من مايو في إسطنبول.

وقال بلينكن في بروكسل إن الوقت حان لأن تفي الدول الأعضاء في الحلف بما ظلت تردده من أنها ذهبت إلى أفغانستان معا وسترحل عنها معا.

من جهتها صرحت وزيرة الدفاع الألمانية أنيغريت كرامب كارنباور “قلنا دائما ندخل مع الأميركيين ونخرج معا”. وأضافت “أنا مع انسحاب منظم”.

وكانت حركة طالبان حذّرت في الآونة الأخيرة واشنطن من أيّ تجاوز لموعد الأول من مايو مهددة بالرد بالقوة فيما امتنعت عن أيّ هجوم ضد القوات الأجنبية منذ الاتفاق بين الولايات المتحدة وطالبان في 2020.

وفي رسالة وجهها إلى الرئيس الأفغاني أشرف غني في الآونة الأخيرة حذر بلينكن من أن انسحابا أميركيا يمكن أن يؤدي إلى “مكاسب ميدانية سريعة” لطالبان.

واعتبرت الاستخبارات الأميركية في تقرير نشر الثلاثاء أن الحكومة الأفغانية “ستواجه صعوبات” في حال رحيل قوات التحالف الدولي.

ورغم خطاب التحدي الذي تبديه طالبان فإن مسؤولا أميركيا نبه في تصريحات للصحافيين الثلاثاء إلى أن الانسحاب الذي قرره بايدن سيكون “من دون شروط”. وقال إن “الرئيس يعتبر أن مقاربة مشروطة كما كانت الحال عليه في العقدين الماضيين كانت سببا للبقاء في أفغانستان إلى الأبد”.

ونص الاتفاق على سحب كل القوات الأميركية والأجنبية قبل الأول من مايو 2021 بشرط أن يتصدى المتمردون لنشاط أيّ تنظيم ارهابي في المناطق التي يسيطرون عليها.

كما نص الاتفاق على وجوب أن تباشر طالبان مفاوضات سلام مباشرة مع حكومة كابول. لكن هذه المفاوضات تراوح مكانها منذ بدأت في سبتمبر الماضي.