الفتاة "نعمة" وذكراها

بين الغارة والغارة، كان قلق الحاجة مريم يتشعب. فهي مع الخطر المتربص بالإنسان، لا تنسى كلبها المعمّر، ولا تنسى الدجاجات.
الأحد 2021/02/28
كلما خلت سماؤنا من الطائرات كنا نقول كصغار: ذهبت لتعبئة حمولة جديدة، وستعود

في مطلع نوفمبر 1956 نجوت للمرة الأولى من الموت. فلم أكن برفقة ابنة عمي نعمة، التي كنت ألازمها، فترة سفر أبي وأمي إلى مصر. ففي اليوم الثاني من ذلك الشهر، بدأ قصف بلدتنا بالطائرات البطيئة وبالتقسيط، إذ كانت الطائرات من نوع مستير الفرنسية الصنع، تأتي ثم تغادر لكي تعود مرة أخرى لكي تقصف. كنا، كصغار، نقول كلما خلت سماؤنا منها: ذهبت لتعبئة حمولة جديدة، وستعود.

بين الغارة والغارة، كان قلق الحاجة مريم يتشعب. فهي مع الخطر المتربص بالإنسان، لا تنسى كلبها المعمّر، ولا تنسى الدجاجات. أرسلت ابنتها نعمة، ذات الخمسة عشر ربيعا، لإحضار شيء من نخالة القمح، مأكول طيورها، وفي منتصف الطريق ومنتصف البلدة، وأمام مسجدها الكبير، جاءت الغارة الجديدة. كانت الفتاة أمام خيارين: إما القفز إلى ملجأ الجنود، وهو الأقرب، أو الاحتماء بالمسجد وهو الأبعد. اختارت الثاني لاكتظاظ الأول بالرجال. على عتبة الجامع، تلقت الرصاصات الثقيلة من الطائرة البطيئة، التي لا تجهل كونها فتاة صغيرة.

يومها كان المشهد مروّعا. فقد لُفت نعمة بحصيرة من المسجد، وبدت منكوشة الشعر غارقة في دمها. كنت وجدي وأمها أول من رأوها، ولا تغيب عن ذاكرتي عيونها مفتحة، قبل إغلاق أحدهم عليها الجفون. لكن المشهد، ظل بلا تقارير دولية، فلم تُذكر نعمة في أي محفل، كأن قتلها أمر من الواجبات الحميدة للقتلة. وفي مساء ذلك اليوم، ظن الكبار أن المأساة قد وقعت واكتملت، ولم يتبق لنا سوى التأسي على نعمة!

بعد يوم واحد، من النجاة في المرة الأولى، حدث أن نجوت للمرة الثانية. فقد دخل الجنود إلى بلدتنا، وتقصدوا باب منزل جدي، وهو حديدي بطلاء أخضر، يجري دعمه في حالات الحرب بركام من الحجارة. طرقات قوية على الباب ونداءات بلغة عربية، تأمر بفتحه حالا. تولى جدي إزالة الحجارة وفتح الباب وكنت في أثره. أطلقوا الرصاص على أرجلنا وفوق رؤوسنا. ربما تأثروا بشعره الأبيض وهندامه العربي بـ”العقال” المُقصّب، وربما بطفولتي. اقتحموا البيت وفتحوا النار على الرجال الحاضرين. لم تكن نعمة، ولا كان أي واحد من الجيران الذين أرداهم الرصاص، يعرف “واشنطن بوست” أو تعرفه مراكز تدبيج التقارير الدولية، المنتحلة مشاعر الإشفاق على أرواح البشر.

لم تغب نعمة عن ذاكرتي، وفي إحداثيات حركتي في القاهرة، ظلت الكفتيريا التي تحمل اسمها، في 172 شارع النيل، من حي العجوزة، تذكرني بالفتاة الراحلة التي هز فقدها مشاعري.

ومن المصادفات، أن “نعمة” الكفتيريا، وهي ليست تاريخية (تأسست في العام 1968) قد ظلت تكبر وتتناسل وتجدد حيويتها، بعد وفاة مؤسسها، أما حزننا فإنه يموت معنا. فمن ذا الذي سيفتش عن هوية العجوزة التي سمي باسمها الحي؟ فهي من السلالة الفرنسية التي صنعت المستير وشحنتها إلى إسرائيل. فقد كان أبوها الفرنسي هو مؤسس جيش محمد علي الذي أطلق عليه اسم سليمان بعد أن أسلم. وكانت نازلي ابنته، قد نفذت وصية زوجها التركي محمد شريف رئيس حكومة محمد علي لفترة طويلة، ببناء مسجد في أرضه التي كانت تسمى “طرح النهر”. وأتمت نازلي البناء في سنها المتقدمة كعجوز جاوزت التسعين، أصبح المصريون يتبركون بها وهي تقف على بناء المسجد. وبعد سقوط الملكية وقيام النظام الجمهوري، أزيل تمثال أبيها سليمان وسط المدينة، الذي أعيدت ذكراه إلى أصلها الأول كـضابط فرنسي يدعى “جوزيف سيفي”، ووُضع طلعت حرب في مكانه، وباتت نعمه هي التعريف الأبرز لعجوزة مغفلة الاسم. فالأحزان تموت مع أصحابها والأسماء تتقلص أو تغطس والزمن يدور.

24