الفشل المصري ربما يُلهم الأشقاء في تونس

تنافس ستة من ممثلي اليسار في الانتخابات الرئاسية في تونس التي ستجرى منتصف سبتمبر 2019، سلوك غير مطمئن، ولا يضمن فوز أي منهم، بعد تفتيت الأصوات، في مواجهة كتلة أخرى ترى الانتخابات جهادا ديمقراطيا في سبيل الله.
الأحد 2019/09/08
صوت اليسار المنقسم يضيع وسط حلبة منافسة تتكدس فيها الأصوات من كل صوب

تدين ثورة 25 يناير 2011 في مصر، للثورة التونسية الرائدة، بفكرة استخدام الخلّ وشرائح البصل، للتخفيف من آثار الدخان المسيل للدموع في جمعة الغضب، وهناك ديْن أهمّ بقدرة تونس على الإلهام، ومنح التفاؤل بالخلاص من الدكتاتور “إذا الشعب يوما أراد”. وفشلت الثورة المصرية، بدخولها نفقا بعد الآخر، وظلت التجربة التونسية أملا عربيا في تحوّل ديمقراطي مدني ينأى عن الوقوع في أسر اليمين الديني، أو مقايضة الأمن بالحرية في ظل قبضة عسكرية.

ولهذا وجب التذكير بأبرز أسباب الفشل المصري على أيدي قوى اليسار. وأكاد أرى نسخة مزيدة غير منقّحة في تونس، بتنافس ستة من ممثلي اليسار في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى منتصف سبتمبر 2019، وهي سلوك غير مطمئن، ولا يضمن فوز أي منهم، بعد تفتيت الأصوات، في مواجهة كتلة أخرى ترى الانتخابات جهادا ديمقراطيا في سبيل الله.

يتسم اليمين الديني بإيمان جماهيره بأنها جماهير، كتلة جاهزة لأداء رسالة، تتلقى التعليمات وتنفذها، وتتبع صوتا واحدا يعلن في ميكروفون واحد: “تكبير”، فتتردّد التكبيرات وأصداؤها. وفي مواجهة حشد يميني يستجيب لصوت واحد يأمر، فإن معسكر اليسار يصطخب بأصوات أكثر من اللازم، تشتهي الميكروفونات، فإذا صاح أصحاب هذه الأصوات وأعلنوا “تكبير”، ربما لا يردّد خلفهم جميعا إلا صوت عابر يتصالح مع نفسه، ويتواضع مؤمنا بأنه مواطن، فرد من الشعب.

في معسكر اليمين الديني تقسيم واضح بين جموع من الجنود وأفراد قلائل هم القادة. وأما في معسكر اليسار، فالجميع قادة لهم حق الاستبداد بالميكروفون. هذا على الأقل ما أسفرت عنه التجربة المصرية في انتخابات الرئاسة عام 2012.

كشفت الثورة تشوّها نفسيا للإخوان والسلفيين، متجسدا في سعار على الغنيمة، ولم ينجُ من هذا التشوه أربعة من ممثلي الثورة في معسكر اليسار، ظن كل منهم أنه أحقّ بالرئاسة. لا فرق بين شيخ في السبعين وشاب في الأربعين، أخذتهم “الثورة” بالإثم، ورفضوا الجلوس والاتفاق على اختيار أحدهم مرشحا الثورة، فضلّ سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون “ثورة”. خسروا جميعا، ولم ينصتوا إلى بيان “قبل فوات الأوان.. نداء إلى مرشحي اليسار والديمقراطية الأربعة”.

كتب البيان أحمد الخميسي، ووقعه أكثر من 500 مثقف ومواطن غيور على الثورة والوطن. وحث البيان على ضرورة الاستقرار “على مرشح واحد من بينكم، لتحشد خلفه كل الأصوات الممكنة في مواجهة الظلامية، أو عودة الفلول.. ندعوكم قبل فوات الأوان إلى الاستقرار في ما بينكم على مرشح واحد منكم، خاصة أن الفروق في البرامج المطروحة من كل منكم ليست فروقا ضخمة. فإذا لم تفعلوا.. وإذا فضل كل منكم التشبّث بالتطلع إلى كرسي الرئاسة، فإننا نرجو ألا تحدثونا بعد ذلك مطولا عن اليسارية والديمقراطية وهموم الوطن، لأن كل ذلك على المحك، ولأنكم تلقون بكل ذلك جانبا، ولا تعيرون أصوات الناس أهمية، ويغرق كل منكم في وهم أنه وحده ـ وبمجهوده، وبمعجزة ما ـ سوف يفوز. وهو ما لن يحدث. وسوف تسفر الانتخابات في حال عدم اتفاقكم على مرشح من بينكم عن فوز (أحمد شفيق) ممثل الرئيس المخلوع، أو (محمد مرسي) ممثل التيار الرجعي، وفي هذه الحال نحمّلكم المسؤولية عن ذلك.. لأنكم منذ الخطوة الأولى انقسمتم، وضيّعتم حقوقكم، ومعها حقوقنا.. السادة مرشحي اليسار والديمقراطية الأربعة: أبوالعز الحريري، حمدين صباحي، هشام البسطويسي، خالد علي.. طالما سمعناكم تتكلمون عن إنصاتكم المرهف لصوت الناس، وها هو صوت الناس يصلكم، فهل تسمعونه؟”.

تعالوا على البيان، وأعماهم الحلم بالرئاسة عن قراءة موضوعية للمشهد، فخسروا. وفي سلوك هزلي ذهب أنصار صباحي، عقب إعلان النتيجة، إلى ميدان التحرير الذي سارع إليه أيضا خالد علي، ويده في يد كمال خليل، معترضين على نتيجة مخيّبة للآمال. كان الاعتراض مزحة كشفت عورة اليسار الرافض للديمقراطية.

أي إغراء في رئاسة بلد خارج من ثورة، ويلملم جراحه واقتصاده؟

تسعى تونس، منذ التخلّص من بن علي، إلى التعافي. وشهدت احتجاجات على إجراءات تقشفية اضطرت إليها حكومات لجأت إلى اقتراض نحو 7 مليارات دينار سنويا، كما زادت معدلات البطالة والتضخم، وهذا يهون مقارنة بمكسب ديمقراطي كفيل بتحجيم الفساد وإنعاش الاقتصاد.

وفي مقابلة رئيس الحكومة يوسف الشاهد المرشح في الانتخابات الرئاسية مع رويترز، توقع هبوط معدلات التضخم إلى خمسة بالمئة عام 2020 مقارنة بنحو ستة بالمئة هذا العام. وأقرّ بتراجع مستوى الخدمات في الصحة والتعليم والنقل، قائلا “للأسف هذا صحيح، بعد أن وجهت أموالا تصل إلى ستة مليارات دينار للدفاع والأمن لمواجهة التهديدات الإرهابية وهو استثمار هام”.

في بدايات أبريل 2019، فرح الجزائريون بعزل عبدالعزيز بوتفليقة، وبعد أسبوعين لحق بهم السودانيون فخلعوا عمر البشير. ولم يبخل المصريون بإسداء النصائح إلى كلا الشعبين، ولو أفلح الناصح لانتفع بنصيحته. ولا أنصح أحدا في تونس، وإنما أردّ ديْنا مستحقا، فلا أنسى بشارة فيسبوكية، في لحظة شوق إلى أي أمل في خلع حسني مبارك، وكان عنوانها “مشهد يهوس من تونس”، جاءتني في 29 يناير2011 من الكاتب المصري أشرف الصباغ، من موسكو حيث يقيم أو من غيرها من المدن غير الخاضعة لسلطة مبارك. طمأنني الرسالة/النبوءة وهي مقطع فيديو طوله 36 ثانية، وفيه يحتفل تونسيون بنجاح ثورتهم، رافعين العلمين التونسي والمصري، ويهتفون “يا مبارك يا جبان يا عميل الأميركان”.

هناك أخطاء فادحة، وفاضحة لمرتكبيها، وليست قابلة للإصلاح، وأحيانا تكون للإصلاح أثمان باهظة. ويسهل تفادي خطأ تفتيت أصوات الناخبين باتفاق أصحاب البرامج المتشابهة على مرشح واحد، وسينجو المتنازل بنفسه، ولن يفوته شيء. ولعل هذا الأداء السياسي المترفّع يشفع له، في الدورة القادمة، عند الشعب، فيرى العارف عن “غنيمة” أجدر بالائتمان على مستقبل البلاد.

ستكون الانتخابات اختبارا لمن كانت ثورته خالصة للوطن، غير ملتبسة بطموح شخصي، والرائد في الثورة لا يكذب شعبه.

6