الفقراء في مصر يتجرعون مرارة الإصلاحات الاقتصادية

نجاح التجربة أهّل القاهرة لجولة جديدة مع صندوق النقد وعزز ثقة المانحين.
الثلاثاء 2020/11/24
فكر بغيرك لا تنس قوت الفقراء

عززت التحولات السياسية التي شهدتها مصر خلال الأعوام الماضية من تقبل المواطنين للإصلاحات الاقتصادية المُرة، بعد سنوات عجاف جاءت على موارد البلاد، وشلت مفاصل الاقتصاد ورفعت فاتورة المعيشة ومعدلات التعطل عن العمل. وراهن الناس على تحسن أوضاعهم.

القاهرة - تترقب القاهرة في ديسمبر المقبل وصول الشريحة الثانية البالغة قيمتها 1.6 مليار دولار من صندوق النقد الدولي عبر أداة التمويل السريع، واتفاق الاستعداد الائتماني، والذي رصده الصندوق لمواجهة أعباء وباء كورونا.

وتراهن الحكومة المصرية على القرض الجديد البالغة قيمته 5.2 مليار دولار في تمويل احتياجات ميزان مدفوعات الخارجي، بعد أن تسبب كورونا في زيادة الفجوة التمويلية خلال التسعة أشهر الأولى من العام الحالي لمستويات 7.3 مليار دولار.

وحصلت القاهرة على الشريحة الأولى من القرض بقيمة ملياري دولار خلال شهر يوليو الماضي.

ويمنح الصندوق القرض للقاهرة على دفعات يحدد موعد كل شريحة مجلسه التنفيذي، ويعقد خلال الفترة المقبلة للموافقة على الشريحة الثانية لدعم القاهرة، فيما تشير التوقعات إلى تواصل زيادة الفجوة التمويلية مع دخول الموجة الثانية لوباء كورونا، التي تجفف منابع الموارد الدولارية للبلاد من قطاعات السياحة والتصدير.

وحصلت مصر على قرض “تسهيل ممدد” بقيمة 12 مليار دولار، وجرى رهنه بتنفيذ إصلاحات اقتصادية، وتمت إعادة إقراضها مجددا، رغم عدم حلول آجال سداد القرض الأول.

وتبدأ القاهرة خلال العام المقبل في سداد قيمة قرض الـ12 مليار دولار، وفق خطة سداد على ست شرائح، ويمنح الصندوق فترة سماح قدرها 4 سنوات ونصف السنة لكل شريحة من القرض.

وحصلت الحكومة على الشريحة الأولى في 3 نوفمبر 2016، وبالتالي سوف يحل أول قسط آجل العام المقبل، ثم يتم سداد الأقساط تباعا وفق تاريخ الحصول وفترة السماح.

وأكد الصندوق أن القرض الجديد هدفه مساعدة مصر على التكيف مع تحديات جائحة كوفيد – 19 من خلال موارد يقدمها الصندوق لسد احتياجاتها وتمويل عجز الموازنة العامة.

محمد معيط: شهدنا أياما لم نجد فيها 15 مليون دولار لشراء دواء فايروس "سي"
محمد معيط: شهدنا أياما لم نجد فيها 15 مليون دولار لشراء دواء فايروس "سي"

وتعاني القاهرة عجزا في موازنتها العامة يصل لنحو 27.5 مليار دولار خلال العام المالي الحالي، وتجاهد لسده عبر قنوات الاقتراض الداخلي والخارجي كل عام.

ومن شأن البرنامج الذي يدعمه الصندوق مساعدة الحكومة للحفاظ على مكتسباتها، ودعم الإنفاق الصحي والاجتماعي لحماية الفئات المعرضة للتأثر.

ويعطي القرض الجديد دفعة لمجموعة إصلاحات هيكلية تضع مصر على أقدام ثابتة في مسار التعافي المستمر مع تحقيق نمو أعلى وأشمل لكل فئات المجتمع وتوفير فرص العمل على المدى المتوسط.

ورغم إشادات الصندوق بالتجربة، إلا أن الإصلاحات ولدت ضغوطا اجتماعية على شرائح كبيرة من المجتمع، خاصة أن تداعيات كورونا ضاعفت المعاناة.

وعلق ميرزا حسن عميد المديرين في صندوق النقد الدولي في تصريحات سابقة لـ”العرب” من واشنطن على تجربة مصر مع الصندوق قائلا “الحالة المصرية وصفة سحرية نوصي بها الدول التي ترغب في إصلاح اقتصادها.. أرفع القبعة لهذا الشعب الذي تحمل ضريبة الإصلاح”.

وقال الدكتور محمد معيط وزير المالية المصري، في تصريح لـ”العرب”، إن بلاده لم يكن أمامها سوى تنفيذ الاصلاحات أو الدخول في سلسلة أزمات لا حصر لها.

وأضاف أن مصر شهدت أزمات عنيفة لدرجة أنه عندما كان مساعدا لوزير الصحة عام 2015، لم يجد في البنوك المصرية 15 مليون دولار لسداد قيمة شحنة أدوية فايروس “سي” لعلاج المصريين.

ولخصت تدوينة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عبر حسابه الشخصي على فيسبوك قبل أيام، قصة مصر مع صندوق النقد، وأشاد فيها بأداء الحكومة وما حققته من مؤشرات اقتصادية إيجابية خلال العام الحالي.

حسن يوسف: هناك حاجة ماسة لزيادة الإنفاق الاجتماعي لدعم ضحايا الإصلاح
حسن يوسف: هناك حاجة ماسة لزيادة الإنفاق الاجتماعي لدعم ضحايا الإصلاح

ونوّه السيسي إلى أن الشعب هو البطل الحقيقي في المعركة التي بدأت بتحرير سعر صرف الجنيه، وما ترتب عليه من ارتفاعات في الأسعار بأكثر من 50 في المئة.

وأعقب تلك الخطوة رفع أسعار المحروقات، ووصلت القاهرة لتحرير سعر الوقود حاليا، وتحديد أسعاره وفق آلية التسعير التلقائي التي يتم عبرها تحديد الأسعار كل ثلاثة أشهر، استرشادا بأسعار بمتوسط سعر خام برنت والتغير في سعر الدولار.

وأوضح الدكتور حسن يوسف عميد كلية إدارة الأعمال بجامعة النيل في القاهرة، أن مصر أوفت بالتزاماتها في برنامج الإصلاح الذي قدمته لصندوق النقد الدولي.

وذكر أن معدلات التضخم تراجعت من أعلى مستوياته عند 32.9 في المئة عقب تحرير سعر الصرف إلى مستويات 4.5 في المئة خلال شهر أكتوبر الماضي، فضلا عن انخفاض معدلات البطالة من 12.5 في المئة عام 2016 إلى نحو 7.3 في المئة خلال الربع الثالث من العام الحالي.

ورغم تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي نتيجة الإصلاحات، إلا أن هناك حاجة ماسة لزيادة الإنفاق الاجتماعي ودعم الفئات غير القادرة لتخفيف التداعيات الاقتصادية.

ويصل معدل الفقر في مصر إلى نحو 32.5 في المئة، ما يعني أن هناك حوالي 33 مليون مصري في مرمى الفقر، الأمر الذي يزيد معاناة الحكومة لانتشال هذه الأعداد من العوز وفق برامج تمثل عبئا على موازنة أرهقتها تداعيات كورونا.

وترصد القاهرة نحو 5.4 مليار دولار لدعم الغذاء في موازنتها العامة، ونحو 2.3 مليار دولار للبطاقات التموينية التي يستفيد منها 63.5 مليون فرد بواقع 3.2 دولار شهريا لكل فرد في الأسرة حتى أربعة أفراد من المقيدين على البطاقة، ويقل الدعم إلى 1.6 دولار، بدءا من الفرد الخامس في الأسرة.

وتتواصل حزم الدعم لتصل لنحو 2.7 مليار دولار لرغيف الخبز لنحو 65.3 مليون شخص يستفيد، بواقع خمسة أرغفة للمواطن يوميا.

وخُصصت حزم أخرى عبر برنامجي تكافل وكرامة، وبلغ عدد المستفيدين منهما نحو 3.6 مليون أسرة تضم 15 مليون فرد بقيمة تصل لنحو 1.2 مليار دولار.

وباتت مظلة برامج الإنفاق الاجتماعي في حاجة ماسة لتوسيع نطاقها لتضم فئات أكثر، لأنها تغطي فقط نصف فقراء مصر.

وتواصلت إشادات صندوق النقد الدولي على أداء الاقتصاد المصري ورفع تقديرات النمو في تقريره “آفاق الاقتصاد العالمي” خلال العام المالي الحالي إلى 3.5 في المئة بدلا من 2 في المئة التي رصدها في تقريره الصادر في مايو الماضي.

وكشف أن مصر الدولة الوحيدة التي حققت معدل نمو إيجابيا مقارنة بمتوسط معدل نمو سلبي قدره 3.3 في المئة لمجموعة الدول الناشئة والنامية، ورغم ذلك طالب الحكومة المصرية بمزيد من الإصلاحات.

وتتصدر أولويات الصندوق مطالبة مصر بمواصلة تنفيذ برامج هيكلية بدأت ببرنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد في الفترة 2016 – 2019.

ولفت الصندوق إلى قضايا رئيسية لا بد أن تضع القاهرة حلولا لها لاستكمال المسيرة، أهمها: تحقيق فائض أولي في الموازنة قدره 0.5 في المئة العام المالي الحالي تزيد إلى 2 في المئة خلال العام المالي 2022 – 2023، والإبقاء على معدل التضخم ضمن النطاق المستهدف للبنك المركزي.

إلى جانب استخدام السياسة المالية لدعم الفئات الضعيفة، ومواصلة الالتزام بمرونة سعر الصرف والتراكم التدريجي للعملات الأجنبية، وعدم طرح برامج إقراض جديدة مدعومة من البنك المركزي وعدم تمديد البرامج الحالية.

وتعد تلك النقاط تحديات جوهرية، فمصر في حاجة لمزيد من الموارد للإنفاق على تلك البنود في الوقت الذي تشح فيه مواردها، وهي ملتزمة أمام الصندوق بخفض عجز موازنتها، بما يعني ترشيد وتيرة الاقتراض لسد فجواتها التمويلية، علاوة على التوسع في دعم شبكة الأمان الاجتماعي، وإفساح المجال للإنفاق على القطاعات ذات الأولوية، مثل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.

11