الفقراء وحدهم يهتمون بالأخبار.. الأثرياء يصنعونها

الجائحة التي عمقت معاناة الفقراء ورمت بأعداد كبيرة من "الأجراء" إلى الشارع لينضموا إلى طوابير العاطلين عن العمل هي ذاتها شكلت فرصة أمام الأثرياء ليرفعوا من حجم ثرواتهم.
الأربعاء 2020/07/01
للكوارث وجه آخر غير المعاناة

شركات تغلق أبوابها، وقطاع سياحي يعاني، وطوابير من العاطلين عن العمل، هذا بعض من صور كارثية تسببت فيها جائحة كورونا وسوّقت لنا.

حدث هذا بالفعل، في الولايات المتحدة وحدها، وبسبب من الجائحة شهدت البلاد ارتفاعا في أعداد العاطلين عن العمل ليبلغ 45 مليونا، نفس الصورة تكررت عبر العالم. وتنادى أصحاب فعل الخير، ومن بينهم أثرياء ومشاهير، إلى جمع التبرعات لمساعدة فقراء جددا، وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها عاجزين عن تأمين “خبزهم كفاف يومهم”.

الصورة المخفية التي تم التكتم عليها على مدة ستة أشهر، هي عمر الفايروس حتى الآن، أن لكورونا وجها آخر، لا نقول أنه مخفي، فهو في الحقيقة واضح، وكنت من بين مجموعة أشارت إليه، وهو أن الجائحة التي عمقت معاناة الفقراء، ورمت بأعداد كبيرة من “الأجراء” إلى الشارع لينضموا إلى طوابير العاطلين عن العمل، هي نفسها شكلت فرصة أمام الأثرياء ليرفعوا من حجم ثرواتهم.

ما لا يعرفه البسطاء مثلنا، أن الكوارث، مثلما هي مصدر للمعاناة، هي أيضا مصدر للتكسب والثراء السريع، وهذه ليست مجرد إشارة إلى أثرياء الحروب. بل أثرياء أسواق المال.. كيف؟

أسواق المال تحركها الأخبار، حقيقة يعرفها ليس فقط الخبراء، بل حتى البسطاء مثلنا، وكورونا شكل فرصة ذهبية يصعب تكرارها لانتشار الأخبار، وبالتالي حركة الأسواق صعودا وهبوطا، إلا أن الأخبار التي نتحدث عنها تفقد قيمتها بمجرد أن يعرفها الناس، أي مجرد أن تذاع.

قيمة الخبر بالنسبة للمستثمرين تكون فقط في طور الإشاعة، وهذه ميزة لا يمكن أن يستفيد منها سوى الكبار، لأنهم غالبا يكونون أنفسهم مادة تلك الأخبار، أو من يوجهها.

لعبة بسيطة ولكنها مقصورة على الحيتان، كل ما عليهم فعله هو أن يبيعوا، إن كانت الأخبار المتوقعة سيئة، وأن يعودوا للشراء إن كانت الأخبار المتوقعة جيدة.. نعم، بهذه البساطة. بعد ذلك، وقبل أن يحصوا أرباحهم، يخرجون علينا بخطب عن التكافل الاجتماعي، ويمدون لنا جزءا يسيرا مما كسبوه دون أن تسقط من جباههم قطرة عرق واحدة.

الفقراء وحدهم من تسقط من جباههم قطرات العرق لتحصيل قوتهم.

نشرات الأخبار مصنوعة لاستهلاك الفقراء، أما الأثرياء فيكتفون بتوجيهها، فالخبر بالنسبة لهم يفقد قيمته فور أن ينشر.

تريليونات تتحرك يوميا في أسواق المال، يحركها أثرياء يجلسون في قصورهم، يرتشفون الشراب المعتق، ويتلذذون بمذاق السيجار الكوبي الفاخر في أفواههم. ومن حين لآخر يقفون أمام عدسات الكاميرا ليعبروا عن عميق تأثرهم لما يحدث للفقراء من جراء الجائحة.

بمقابل العاطلين عن العمل الذين قالت البيانات الرسمية في الولايات المتحدة إن أعدادهم تجاوزت 45 مليونا، حقق مليارديرات أميركيون أرباحا قدرت بـ584 مليار دولار. من قال إن الأخبار السيئة سيئة؟

وفيما يعاني الغلابة من الأميركيين صعوبات اقتصادية بسبب الجائحة، تتضاعف ثروات الأثرياء في هذه الفترة.

 614 مليارديرا أميركيا فقط حققوا أرباحا قدرت بـ584 مليار دولار، وذلك بين 18 مارس و17 يونيو، أي ثلاثة أشهر بالتحديد، بحسب بيانات نشرها معهد الدراسات السياسية، ومقره واشنطن، استنادا إلى أرقام فوربس.

وذلك بينما تتصدر الولايات المتحدة إصابات ووفيات كورونا عالميا، وتمر نتيجة لذلك بأسوأ أزمة اقتصادية منذ الكساد الكبير.

9