الفن أكثر من عمل فني.. حينما يتحول إلى أيقونة

أعمال فنية كبيرة لفنانين كبار، تجاوزت قيمتها الفنية، أوديب بطل سوفوكليس، تحوّل إلى أيقونة في علم النفس وزوربا تحوّل إلى رمز لحب الحياة.
الخميس 2019/08/22
"ألست إنسانا، ألست أخا" صرخة ويدجوود ضد العبودية

يخطئ من يعتقد أن الرمز ارتبط بالإنسان البدائي، نعم استخدم الإنسان البدائي الأقنعة، بدلالاتها الرمزية في الحرب وفي السلم. هذا الاستخدام، وإن طوّر شكلا، لا يزال مستخدما في حياتنا الحديثة، لم تختف الكتابات والرسوم عن أسلحة العصر الحديث، وهنا تكمن قوة الفن، الفن عندما يصبح أيقونة، ليس بقرار يصدر عن البشر، ولكن لقوة كامنة غامضة في العمل الفني يصعب تفسيرها.

إن كان بيننا من يعرف جوسيا ويدجوود، فهو يعرفه فقط باسمه الثاني، الذي ارتبط بصناعة الخزف، وبتقنية خاصة تعتمد الرولييف الأبيض على خلفية غالبا ما تكون زرقاء.

ويدجوود الإنكليزي، الذي ولد وعاش في مقاطعة ستوك أون ترينت الإنكليزية، المعروفة بأنها عاصمة صناعة أجود أنواع الخزف، تردد اسمه في وكالات الأنباء منذ يومين، وأشير إليه بأنه صانع للفخار. وقد يكون هذا مجرد التباس في النقل إلى العربية، الفخار يختلف عن الخزف. فمعظم نساء الريف يصنعن أواني فخارية، ولكن لا تصنع أيّ منهنّ أواني خزفية. وهذا مجرد توضيح.

لوحة سياسية

من هو ويدجوود، الذي يجهل معظمنا اسمه الأول، جوسيا، وليس جوساياه، كما كتبه البعض.

عرف جوسيا بنضاله ضد العبودية، وتبرع بجزء كبير من ثروته لإقامة مستعمرات تؤوي العبيد المحرّرين، إلاّ أنه لم يعش ليرى نهاية العبودية، الهدف الذي ناضل طويلا من أجله، والذي تصادف ذكراه السنوية يوم 23 أغسطس، وبهذه المناسبة قام فريق من الخبراء بترميم لوحة نادرة لعبد أفريقي جاث على إحدى ركبتيه ومقيد بالسلاسل ينظر مبتهلا إلى السماء.

تستند اللوحة التي تحمل عنوان “ألست إنسانا، ألست أخا” إلى تصميم وضع بتكليف من لجنة إلغاء تجارة الرقيق عام 1787، واستخدمه ويدجوود لتصميم بروش وقلادة ودبوس تتزيّن بها النساء، في حملة ضد العبودية، مما جعل اللوحة من أول الشعارات التي استخدمت لنصرة قضية سياسية، ولتتحوّل مع الزمن إلى أيقونة فنية مجهولة الأصل، كما هي كل الأيقونات.

هناك توق أزلي يدفع البشر إلى إضفاء قيمة معنوية على أشياء عادية ومألوفة، قد تكون تجليات طبيعية، أو كائنات حية، أو حتى بشرا مثلهم، خياليين أو حقيقيين أو مزيجا من الخيال والحقيقة. أضفى السابقون صفات إلهيّة على قوى الطبيعة، وشيدوا أبنية قدسوها، وأصبغوا على كائنات حية قيما وصلت هي الأخرى إلى حد التقديس.. بدءًا بالقطط وانتهاءً بالبقر.

لوحة بيكاسو "جورنيكا" تحولت إلى أيقونة شاهدة ليس فقط على مجزرة طالت بلدة إسبانية صغيرة بل على مآسي عصر

ودأبت الشعوب على كتابة الملاحم والأساطير، وتغنت ببطولات أبطال وهميين، لن يستطيع مؤرخ أن يثبت أن الزير سالم وعنترة شخصان حقيقيّان من لحم ودم، حتى الشاعر اليوناني هوميروس مشكوك في أمره، وكذلك الحال مع شخوص ملحمته الإلياذة والأوديسة وأخيل وأوديس.

هذا التوق إلى التقديس، لم يختف عند إنسان القرن العشرين والحادي والعشرين، ولم تستطع التكنولوجيا التغلب على الأسطورة.. من منا لا تبهره عروض السحر.

الإنسان كائن عاقل وكائن خرافي في آن واحد، كائن يميل إلى الرمز.. أليست الأحرف، والأرقام، والأعلام، والشعارات، والنصب، والأزلام، دليلا على نزوع البشر إلى الرمز والتبسيط والانتقاء؟

أسماء رموز

مئات الصور التقطت لفظائع الحرب الفيتنامية، واحدة فقط من بينها، تظهر طفلة عارية في التاسعة من العمر، هاربة على الطريق تصرخ ألما وفزعا بعد هجوم بالنابالم على بلدتها، حازت جائزة “بوليتزر”، وتحوّلت إلى أيقونة، أيقونة تدين فظائع الحروب.

أرنستو تشي جيفارا، إرهابي في نظر البعض، وبطل في نظر آخرين، تحوّلت صورة له، بسيطة ومختزلة، إلى أيقونة دون سائر الصور. الصورة أصبحت أهم من الشخص الذي تشير إليه، ستجدها على القمصان ومعلقة على الحيطان في الحانات والمقاهي، أيقونة للتمرد والحرية.

أعمال فنية كبيرة لفنانين كبار، تجاوزت قيمتها الفنية، حدث ذلك في الأدب وفي المسرح وفي الرسم.. أوديب، بطل سوفوكليس، تحوّل إلى أيقونة في علم النفس، ودونكيشوت، بطل سرفانتس، أصبح رمزا للمريض النفسي الذي يختلق أعداء وهميين يقاتلهم، وزوربا، تحوّل إلى رمز لحب الحياة.

ثورة يوليو 1830 الفرنسية اختارت لوحة للفنان أوجين ديلاكروا بعنوان “الحرية تقود الشعب” أيقونة لها.. امرأة عارية الصدر، متمردة تبدو عليها ملامح الفخر، ترفع راية الحرية وتقود الناس نحو النصر. المرأة هنا تجسيد استعاري وتصوير لإلهة الحرية، وترمز إلى الصواب والعقل والحرية والأمة والوطن والقيم المدنية ضد كل أشكال الدكتاتورية، تحوّلت إلى شعار وطني للجمهورية الفرنسية، يظهر وجهها على شعار الحكومة الرسمي، كما أن وجهها مصكوك على العملات المعدنية ومنقوش على الطوابع البريدية الفرنسية، وتستخدم على الوثائق الحكومية.

رسم ديلاكروا اللوحة كمساهمة شخصيّة مِنه في الثورة، فعوضا عن حمل البندقية حمل الفرشاة ورسم لوحة هي الأشهر والأكثر تعبيرا عن الثورة، قائلا “إن لم أقاتل من أجل وطني، على الأقل سأرسم له”.

بابلو بيكاسو، الإسباني، مسحورا بسحر الأقنعة الأفريقية، بدأ مغامرته التكعيبية، لتبلغ قمة النضج مع المهمة التي أُسندت إليه عام 1937، لتزيين جناح إسبانيا في معرض باريس الدولي. المهمة بدأت بلوحة، لتتحوّل إلى أيقونة شاهدة ليس فقط على مجزرة طالت بلدة إسبانية صغيرة بل على مآسي عصر.

في صبيحة يوم السادس والعشرين من شهر أبريل 1937، استيقظت إسبانيا على حادثة تعرف باسم “يوم السوق”، مسرحها بلدة صغيرة في إقليم الباسك، تعرف باسم “جورنيكا”. في ذلك اليوم تحوّلت المدينة إلى ركام، عندما تعرضت لقصف من قبل طائرات هتلر.

لم يكن في البلدة مقاتلون، الرجال غادروها إلى جبهات القتال، فقط كان فيها نساء وأطفال وشيوخ، لم ينج منهم أحد.. أراد هتلر اختبار القوة التدميرية لنوع من القنابل الحارقة على السكان الأحياء.. هكذا ولدت اللوحة، هكذا ولدت الأيقونة.. وهكذا اختزل بيكاسو العذاب في لوحة.

البعد الإنساني في اللوحة يتعدى ما حدث في بلدة جورنيكا، فقد أنجزها بيكاسو وذكريات الحرب الأهلية الإسبانية والمجازر التي ارتكبها الجنرال فرانشيسكو فرانكو لا تفارق مخيلته. ومن سخرية الأقدار أن بيكاسو الذي غادر إسبانيا إلى فرنسا، مصرّحا بأنه لن يعود إلى بلاده إلاّ بعد رحيل فرانكو، توفي عام 1973، قبل وفاة فرانكو بعامين.

غدا سيحتفل العالم بالذكرى السنوية لإلغاء العبودية، في انتظار يوم يحتفل فيه بذكرى انتهاء الحروب والقمع والدكتاتوريات، لترتاح أرواح فنانين كبار قدموا لنا أعمالا فنية حولتها الشعوب إلى أيقونات.

16