الفن التشكيلي يبدأ من البيئة المحلية وأحلام الناس

الفنان التشكيلي البحريني علي الفردان: الحركة التشكيلية العربية في تطور ملحوظ.
الثلاثاء 2021/02/09
عالم يمكن الغوص فيه بحرية

يبقى الرهان الصعب أمام الكثير من الفنانين العرب أن يتمكنوا من التوغل عميقا في بيئاتهم المحلية، ويستنبطوا منها أعمالا تربط بين المحلية والرسالة الكونية للفن. ويمرّ الارتقاء إلى العالمية من المحلية بالضرورة، بعد أن يمنح البعد المحلي، فكريا وثقافيا وحتى شكليا ولونيا، خصوصية لأي رسام يسعى إلى ترسيخ بصمة خاصة تميّزه عن الآلاف من المشتغلين في الرسم. ولا يختلف الرسام البحريني علي الفردان مع هذا الرهان الصعب في الغوص عميقا في محليته للخروج إلى فضاءات أوسع بروح متفرّدة.

المنامة - فنان متفرد صاحب رؤية فنية خاصة، مسكون بتراث وطنه، ومفرداته وطبيعته من بحاره وشواطئه، كما أنه مشغول كذلك بأحلام الناس. يسافر بخياله مع الغواصين في مياه الخليج، ويجول في البيئة المحيطة به، فتتنوع موضوعات لوحاته، وتتوزع أعماله الفنية على مدارس فنية مختلفة.

ذلك هو الفنان التشكيلي البحريني علي الفردان، المولعُ بالفن منذ صغره. والذي وجد في شقيقه الأكبر ملهما له، ليدخل إلى عوالم الفن مدعوما بمحيطه العائلي في بداياته.

مسيرة فنية

يذكر الفردان أنه إضافة إلى عائلته فقد رُزق بحب ودعم معلميه في المدرسة لموهبته، ومساعدتهم له في المشاركة بالمعارض والمسابقات طوال فترة دراسته، فامتلك عبر مشاركاته تلك أدواته الفنية مبكرا. وصارت لوحاته تقتنيها شخصيات بارزة ما شجعه على المضي قدما في مشواره الفني القائم على التواصل المستمر مع عناصر بيئته المحلية والاستلهام منها.

وحين عمل مصورا تلفزيونيا، انقطع الفنان عن ممارسته للفنون التشكيلية، واستمرت فترة انقطاعه قرابة عقدين من الزمان. لكنه عاد إلى المشهد التشكيلي البحريني من جديد بفضل ابنته الكبرى التي تعمل مهندسة ديكور وفنانة تشكيلية.

علي الفردان: يستلهم أعماله من الطبيعة البحرينية، محملا لوحاته بأبعاد ثقافية

وهكذا فإن الفردان، مدين في مسيرته الفنية الثرية والغنية بالحضور والنجاحات لشقيقه الأكبر ولمدرسيه وأخيرا لابنته الكبرى التي أحيت فيه الحنين إلى الريشة والرسم من جديد، ليقدم أعمالا مختلفة عبر ألوان مشحونة.

ويرى الفنان أن بداياته الفنية في المشهد التشكيلي ببلاده، كانت عبر مشاركته مع مجموعة من الفنانين التشكيليين البحرينيين، في الرسم بالشوارع والحدائق العامة، لكنه يعتبر أن بدايته الحقيقية كانت عبر معرضه الأول الذي أقامه في العام 2016، والذي احتوى على عشرين لوحة فنية تنتمي إلى المدرسة الواقعية.

ويتطرق الفردان إلى أهمية معرضه الثاني في تجربته، وهو الذي أقامه في العام 2017، وانتمت جل الأعمال التي عرضت فيه إلى المدرسة التجريدية، حيث عرض الفنان ما يقارب خمسين لوحة فنية دارت جلها حول معاناة الغوص في مياه الخليج، وما يعانيه الغواصون من متاعب روحية وجسدية خلال رحلات الغوص بحثا عن اللؤلؤ. كما يذكر معرضه الثالث الذي أقامه في العام 2018، والذي حمل عنوان “العذراء”، وضم عشرين لوحة فنية، تناولت المرأة وروحها وقوتها الخفية. وهي الأعمال التي كشفت عن اهتمام الفردان بالمرأة وقضاياها، وحضورها بقوة في أعماله.

هكذا فإن الفنان لا يستكين إلى موضوع بعينه أو إلى أسلوب واحد، إذ ينوع اشتغاله في مدارس مختلفة ويجرب في كل مرة نمطا جديدا، لكن يبقى هاجسه هو الارتباط الوثيق ببيئته ومحيطه، حيث يستلهم جل أعماله من الطبيعة البحرينية ومن ملامح الحياة البشرية فيها، محمّلا لوحاته بأبعاد ثقافية من خلال الخط العربي، واجتماعية وتراثية من خلال العمل على شخصيات من كبار السن والطقوس الاجتماعية كشرب القهوة وغيرها من التفاصيل.

 إلى جانب عروضه الفردية شارك الفردان في معارض فنية أخرى متعددة في ملتقيات ومعارض جماعية في مملكة البحرين، كما عرض أعماله في تظاهرات عربية ودولية في مصر والأردن، والمجر، وغيرها من الدول.

الفن في تطور

ملامح الحياة
ملامح الحياة 

يصف الفردان علاقته بلوحاته وفرشاته وألوانه، بالعلاقة القوية، وشعوره بـ”إحساس غريب” حين يمارس الرسم، ويجد نفسه وكأنه يعيش في عالم آخر يستطيع الغوص فيه بحرية، والتعبير عمّا يجول بداخله من خواطر، ومشاعر، وأفكار، بكل راحة.

ويشير إلى أنه من خلال تلك الأدوات (اللوحة والريشة والألوان) يكون قادرا على توصيل رسائله إلى كل الناس.

 ويضيف الفردان بأن أجمل شعور يعيشه هو حين يقف شخص ما أمام لوحته ويقرأها ويتفهم ما تحمله من رسائل ومضامين، وقتها يشعر بأن رسالته قد وصلت، وأنه أجاد في التعبير وأن أفكاره ورؤاه بلغت إلى المتلقي بشكل جيد.

ولأنه فنان مهموم بوطنه، ومجتمعه المحيط به، وبأحلام الناس وقضاياهم، فقد كان رئيسا لفريق مكون من 60 فنانا، كانوا يعملون جميعا على تكريم الكوادر الطبية العاملة في مكافحة جائحة كورونا المستجد (كوفيد – 19). وكان من نتاج عمل ذلك الفريق إبداع 200 لوحة فنية تجسد عطاء ونضال الطواقم الطبية بالمستشفيات البحرينية وبطولاتهم.

وكما هو مسكون بتراث وطنه وبيئته، ومشغول بأحلام الناس، فهو مهتم أيضا بالمشهد التشكيلي البحريني والعربي، وهو يرى أن الحركة التشكيلية العربية تسير في تطور ملحوظ، وأن شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، لهما فضل كبير في ذلك التطور.

ويلفت الفردان إلى أن هناك مشكلات عدة يواجهها الفنان التشكيلي العربي، أولها عدم قدرته على توفير نفقات حياته من عائدات ممارسته للفنون التشكيلية. مبينا الفرق بين واقع الفن التشكيلي في العالم العربي وفي العالم الغربي، ففي الغرب، كما يبين الفنان، امتلك الناس ثقافة اقتناء الأعمال الفنية، ويجيدون تقدير قيمتها المادية، وهي ثقافة لا تزال غائبة عن المجتمعات العربية.

 
14