الكاتب المغربي مراد الخطيبي: هناك استسهال للترجمة الأدبية

الخطيبي يرى أنه لا بد من الاشتغال على مشروع في الترجمة من أجل معرفة ما يكتبه الآخرون.
الجمعة 2021/03/05
الترجمة ما زالت محصورة في الجهد الفردي

الرباط - قدم الكاتب المغربي مراد الخطيبي مؤخرا مؤلفا بعنوان “الترجمة الأدبية.. الممكن والمأمول”، وفي ما يلي حديث معه حول خصوصيات هذا النوع من الترجمة، والصعوبات التي تواجه المشتغلين به، كما وقف عند المساهمة المغربية في حركة الترجمة الأدبية في العالم العربي وسبل النهوض بها.

ويقر الخطيبي بأنه يحاول في هذا المؤلف التطرق إلى مجموعة من المشاكل والصعوبات التي تواجه المترجمين في عملية الترجمة، وأيضا الحلول المقترحة من طرفهم لتذليل هذه الصعوبات. كما يتناول قيمة الترجمة وقدرتها على نفض الغبار عن بعض الكتب الإبداعية التي طالها النسيان، وبالتالي بعثها إلى الحياة من جديد وإعادة طرح ما جاء فيها للنقاش والتداول سواء على مستوى سماتها الفنية أو الفكرية والثقافية.

يطرح المؤلف، كذلك، سؤال الإبداع في الترجمة، وما إذا كان بإمكان الترجمة، بتعبير الفيلسوف الفرنسي موريس بلانشو، أن ترقى إلى مستوى الكتابة الإبداعية؟

ويرى أن نظريات الترجمة ساهمت بشكل فعال في اقتراح مجموعة من الآليات والإستراتيجيات الترجمية، والتي أثبتت الدراسات العلمية قيمتها وفاعليتها. وهناك الكثير من المترجمين يستعملون هذه الإستراتيجيات دون إدراك أو وعي، نظرا إلى افتقارهم ربما إما لتكوين أكاديمي في مجال الترجمة، أو ربما لعدم اطلاعهم على النظريات الترجمية بشكل عام.

الترجمة تبقى عملية ممكنة
الترجمة تبقى عملية ممكنة

وللقيام بعملية نقدية لعملية الترجمة ومحاولة الإجابة عن إشكالية الترجمة بين الممكن والمأمول، يضم كتاب الخطيبي مجموعة من الدراسات تتوزع بين ترجمة الشعر وترجمة الرواية وترجمة شعر “الهايكو”.

ولأن ارتباطا قويا يجمع بين الفلسفة والأدب فإن الكتاب اقترح في البداية فصلا نظريا يبسط بعض الإضاءات ويقدم بعض الأسئلة حول الترجمة بين الطرح الفلسفي والتأويل الثيولوجي من خلال قراءة في مشروعي الفيلسوفين المغربيين عبدالسلام بنعبد العالي وطه عبدالرحمن.

وحول خصوصية الترجمة الأدبية يقول الخطيبي “تبقى الترجمة، على الرغم من هذه الصعوبات والحواجز عملية ممكنة كما يقول المفكر المغربي عبدالسلام بنعبد العالي، الذي يؤكد أيضا على أنها ليست ‘انتقالا من محتوى دلالي قار نحو شكل من التعبير مخالف، وإنما هي نمو وتخصيب للمعنى بفعل لغة تكشف، بفضل عملية التخالف الباطنية، عن إمكانيات جديدة'”.

ويؤكد الكاتب أن الترجمة الأدبية التي تشكل محور هذا المؤلف تعتبر من أهم وأصعب أنواع الترجمة لأن إشكالياتها تتجاوز في بعض الأحيان المبنى والمعنى والوقع أو الأثر لتصبح عملية الترجمة ذات رهانات أقوى، لأن الكتابة الإبداعية تنحاز إلى ما هو جمالي وفني تحديدا، ويصبح رهان المترجم كيفية المحافظة على العناصر الجمالية الموجودة في النص الأصلي مع مراعاة الخصوصيات الثقافية للغة المترجم منها واللغة المترجم إليها.

ويتابع الخطيبي “ينبغي التأكيد على أن الترجمة الأدبية تنكب على جميع الأجناس الأدبية من شعر ورواية وقصة ومسرح من لغة معينة إلى لغة أخرى. وتكمن صعوبة الترجمة الأدبية في أن المترجم لا يتعامل مع نص عام بل مع نص إبداعي له مبدئيا مقومات فنية متمثلة في جنوحه أحيانا إلى الرمزية، والاستعارة وإلى الغموض أحيانا أخرى. فالفيلسوف الألماني نيتشه مثلا يحدد صعوبة الترجمة من لغة إلى أخرى، ومن ضمنها الترجمة الأدبية بطبيعة الحال، في الإيقاع الأسلوبي، وهذا الإيقاع يختلف بالتأكيد من لغة إلى أخرى”.

وفي رأيه تتحدد الترجمة الأدبية ضمن عدة مستويات وأنساق وتعترضها عدة صعوبات وتحديات أهمها على الخصوص المحور الثقافي والمحور اللغوي ومستوى بناء النص المراد ترجمته. وهذه المستويات كلها متقاربة ومتشابكة ولا يمكن الفصل بينها، فهي أساسية باعتبارها خصوصيات للنص الأصلي وأيضا باعتبارها إشكالات ينبغي أخذها بعين الاعتبار مجتمعة في عملية الترجمة وإلا فستصير الترجمة مثل ترجمة نص عام ليس إلا.

بيد أن هذا التعامل الخاص، في رأي الخطيبي، ينبغي أن يرافقه اطلاع ومعرفة من قبل المترجم لأهم النظريات في الترجمة وأهم الحلول التي أتى بها الباحثون من أجل تذليل الصعوبات أمام المترجمين. لهذا فالمترجم مكون أساسي في مدى نجاح عملية الترجمة أو فشلها. وهذا ما يوضحه مثلا الفيلسوف الألماني وولتر بنيامين، الذي يؤكد على أن المترجم الأدبي لا ينقل فقط معلومات وإنما مقومات شعرية وإبداعية، ويجب عليه هو أيضا أن يكون مبدعا لكي يحافظ على قيمتها الجمالية في اللغة الهدف، كما أنه لا يمكن الحديث عن ترجمة معينة دون الرجوع إلى النص الأصلي ومقارنتها به.

وبهذا يساهم المترجم في المجهود الإبداعي الذي قام به الكاتب الأصلي ويعيد إنتاج البنيات والرموز عبر تكييف نص اللغة الهدف مع نص اللغة الأصل. وما يحتاجه في هذا ليس فقط المحافظة على القيمة الأدبية للنص الأصلي وإنما أيضا مقبوليته لدى القارئ المنتمي إلى اللغة الهدف، وهذا يحتاج إلى معرفة عميقة بالتاريخ الأدبي والثقافي للغة الأصل ولغة الوصول معا.

المترجم الأدبي لا ينقل فقط معلومات وإنما مقومات شعرية وإبداعية ويجب عليه هو أيضا أن يكون مبدعا

وإثر سؤاله عن سبب صعوبة فهم الكثير من الأعمال الأدبية العالمية المترجمة إلى اللغة العربية يقر الخطيبي بأن هناك استسهالا لمجال الترجمة وللترجمة الأدبية بدرجة أكبر. ذلك أن البعض يتعامل مع النصوص الأدبية والإبداعية وكأنها نصوص عامة، ويتغافل عن إشكاليات السياق والثقافة وخصوصيات اللغة الأصل واللغة الهدف، بالإضافة إلى إشكالية المحافظة على السمات المجازية والجمالية للنص الأصلي.

ويضيف “هذا الاستسهال ينتج بطبيعة الحال نصوصا مفككة البناء ومبتورة المعنى وفاقدة للروح وكذا للأثر الجمالي الذي يعتبر بطبيعة الحال من الخصائص المهمة للنص الإبداعي، وغالبا ما يتم الاستناد إلى الترجمة الحرفية التي لا تكون دائما إستراتيجية ناجحة”.

أما عن أهمية التكوين الأكاديمي في مجال الترجمة ودور المؤسسات الجامعية المغربية فيه فيلفت الخطيبي إلى أنه قد توجد بعض المبادرات الفردية لبعض الأكاديميين الذي يحفزون طلبتهم على الاشتغال على مشروع ترجمة جماعية لرواية أو لجزء منها مثلا، أو ترجمة مجموعة شعرية أو ترجمة بعض النصوص منها خلال فصل دراسي. وهي مبادرات غالبا ما تأتي من أكاديميين أدباء أو عاشقين عموما للترجمة الأدبية. وبالتالي لا بد من إيلاء الترجمة الأدبية المزيد من الاهتمام من طرف الجامعات المغربية والاشتغال على ترجمة كتب إبداعية خلال السنة الدراسية دون إغفال تدريس أهم النظريات في الترجمة الأدبية.

وفي تقييمه لمساهمة المغاربة في حركة الترجمة الأدبية في العالم العربي، وخصوصا أن الكثيرين يرون أنها عبارة عن مبادرات فردية بالأساس، يقول الكاتب “لا بد من الإشادة بالمساهمة الفعالة التي يقوم بها المترجمون المغاربة في حركة الترجمة الأدبية في العالم العربي. ونؤكد هنا أن الأمر يتعلق بمبادرات فردية تندرج إما ضمن اهتمامات المترجمين بأعمال أدبية معينة وإما ضمن اقتراح من كاتب النص الأصلي أو ضمن اقتراح من الناشر في بعض الأحيان”.

ويشدد على أنه للنهوض بهذه المساهمة لا بد من تجميع هذه الجهود الفردية المتفرقة ضمن مؤسسة عمومية متخصصة في الترجمة تسخر لها الدولة الإمكانيات المادية والبشرية اللازمة، وتضطلع بإعداد برنامج سنوي خاص بترجمة الأعمال التي يتم اختيارها حسب أهميتها وقيمتها الفنية من وإلى اللغة العربية.

ويرى أنه لا بد من الاشتغال على مشروع في الترجمة من أجل معرفة ما يكتبه الآخرون ومن أجل التعريف أيضا بما نكتبه نحن. فالترجمة، كما يقول الأستاذ عبدالسلام بنعبد العالي، تنفخ الحياة في النصوص، وبالتالي لا بد من إعطاء أهمية أكبر للترجمة في المغرب ومن ضمنها الترجمة الأدبية.

14