الكاتب كالمؤرخ .. والفرق بينهما هو الوجدان

الأدب نشاط إنساني يملك القدرة على دمج أبعاد الزمن الثلاثة ما يسمح له بأن يتقاسم مع التاريخ الوجهة نفسها، ولكن بتوخي مسار مغاير.
الخميس 2019/06/13
الروائي والمؤرخ متشابهان ومختلفان (لوحة للفنان بسيم الريس)

يعيب بعض النقاد على كتاب الرواية المعاصرين اعتمادهم على الذاكرة، القريبة، لتعرية واقع ما في مرحلة سابقة، والبعيدة، للحفر والتنقيب عن أحداث ضاربة في القدم، لأن الارتداد إلى الماضي في رأيهم هو من عمل المؤرخ وحده، وينصحون باستشراف المستقبل وفتح أبواب الحلم أمام القارئ، وهي أحكام تبدو ناقصة.

بغض النظر عن اختلاف الأدوات المستعملة في كل من الأدب السردي والتاريخ، على قلتها، فإن الأحكام التي يطلقها النقاد على كتاب الرواية المعاصرين الذين يعتمدون على الذاكرة أو التاريخ، تنبني على مفهومنا للزمن، هذا المفهوم الذي يتميز بذاتيته، أي أنه ينساب في استقلال تام عن الإرادة البشرية؛ وإن أدرجناه في حركته الطبيعية على سلّم الكون، كنهر طويل يجري من مَدبّ إلى مَصبّ، فإننا نلاحظ خُلوّه من البعدين اللذين يسندهما الإنسان إليه، ونعني بهما الماضي والمستقبل، كما بيّن ريمون آرون في كتاب “مدخل إلى فلسفة التاريخ”.

الأديب والمؤرخ

يحيل التاريخ غالبا إلى الماضي ويسرد ما جرى من أحداث ووقائع ومآس، بينما الزمن يبني جسورا بين الماضي والحاضر والمستقبل، لا انفصال بينها إلا بما يضعه الإنسان لضبط تطور مراحل وجوده في الكون.

ولئن كان المؤرخون يعملون على استعادة الأحداث التاريخية ومحاولة تحديد الترتيب الذي تمت وفْقَه، من خلال دراسة الذاكرة الجمعية أو الفردية بطريقة منهجية، فإن كتاب الرواية يسعون للكشف عن المسار الذهني والفكري والروحي للإنسان من خلال حضوره في الزمن على اختلاف أبعاده، الموضوعة إن شئنا. فالكاتب، كالمؤرخ، ينقل ما يراه بعينيه، ولكنه بخلاف المؤرخ، ينقل أيضا ما يحسه بوجدانه.

يقول ألبير كامو “فكر الإنسان هو نوستالجياه”، أي حنينه إلى زمن مضى وولّى، لا للإقامة فيه كما أوضحنا في مقالتنا السابقة عن طوباوية الردة، بل للاستئناس ببعض جوانبه في ربط السابق باللاحق، واستلهام ما يفيد لصياغة عمل فكري أو فني.

الكاتب الجاد لا يهرب من الواقع حين يرتد إلى الذاكرة، بل يسعى لتعرية الواقع وفضح الدجل بأنواعه

 كذلك الأدب، فهو يقوم في معظمه على ما اختزنته الذاكرة من أحداث وتجارب ومشاهدات، وعلى الآثار التي تركها الإنسان خلفه بوجه عام، فمادته هي الذاكرة الإنسانية. ويلتقي في هذا بالتاريخ الذي يجمّع هو أيضا ما تركه الإنسان منذ غابر الأزمنة، من آثار مكتوبة أو منحوتة أو مشيّدة.

ولكن إذا كان التاريخ يمثل ذاكرة خطية لمختلف الأنشطة التي أنجزها البشر رجالا ونساء، فإن الأدب يكتسي صبغة التذكير الآلي، أو الدوري على الأقل، لهذه الذاكرة التي تعاش، وتستعاد، وتستطعم، لكي يجد فيها المرء مذاقا كباقي الطعم في طرف اللسان، ويغذي به جانب النوستالجيا فيه. وسواء أقرّ بذلك أم لم يقر، يظل الأديب لسان الإنسانية، لأن أعماله تكتسي شكلا آخر من التسجيل أو الأرشيف، ما يكسبه هو أيضا صبغة تاريخية في وجه من الوجوه.

ذلك أن التنافذ بين الجنسين قائم، فالأدباء ينهلون من التاريخ ما يجعل عملهم متماسكا مقنعا إذا ما ارتدوا إلى حقبة ماضية لا يلمون تمام الإلمام بأطوارها، ليس لتجنب الوقوع في خلط التواريخ والمعارك وأبطالها فحسب، وإنما أيضا لتجنب تصوير ما لم يكن موجودا، أو تشويه ما كان متداولا في المجتمعات المعنيّة من أطعمة وألبسة وعادات وتقاليد وصنائع وفنون.

كذلك المؤرخون، فهم يستفيدون من معالجة الأدباء ومقاربتهم للواقع المعاصر، مثلما يستفيدون مما دوّن أسلافهم في رحلاتهم ومذكراتهم. وقد ذكر كريستوف شارل، أستاذ التاريخ بالسوربون، كيف تَمثّل عدد من الكتاب الأوروبيين مختلف التيارات الفكرية في بداية القرن الماضي، وصاغوها بشكل فني لعب دورا كبيرا في التخفيف من معاناة بعض الناس وتشكيل الوعي لدى آخرين، وكيف استفاد المؤرخون في مقارباتهم من الآثار الأدبية ليجعلوا أعمالهم طريفة جذابة، بعيدا عن رتابة التاريخ المعهودة.

العالم وتحولاته

مزج نوستالجيا الماضي بنقد الحاضر واستشراف المستقبل
مزج نوستالجيا الماضي بنقد الحاضر واستشراف المستقبل

مجمل القول إن “كل معطى هو ذاكرة قبل كل شيء، والقول الأدبي أكثر من أي قول آخر”، كما يؤكد شارل بون، أستاذ الأدب المعاصر بجامعة ليون؛ فالكتابة في مفهومها الجوهري هي ذاكرة، تحفظ الآثار، وتتحدّى الموت. ولكن، إذا كان أغلب الكتاب يلتفتون إلى الوراء، فإن عددا منهم لم يكتفوا بكتابة ما اختزنته الذاكرة، بل تساءلوا عن وظيفتها، وحدودها، وسلطتها، وقدرتها على تغيير قدرات الخلق لديهم أو هيكلتها، ليجعلوا للأدب وظيفة استكشافية، تتيح لهم توسيع حقل الذاكرة بوصفها مرتبطة باللغة ارتباطَ الصور بالكلمات، وفتح حدودها وحتى تجديدها.

بينما سعى آخرون إلى الاستناد إلى الحاضر لمقاربة المستقبل، وتصور ما سوف يكون عليه الغد، من خلال نصوص استباقية، لا تزال شحيحة ولكنها موجودة.

وترجع ندرتها إما إلى عدم قدرة بعض الكتاب على تصور ما سوف يأتي في عالم لا يني يشهد تحولات جذرية حتى على مستوى الخطاب ولغة التواصل ونمط العيش؛ وإما لقناعة بعضهم الآخر بأننا لا يمكن أن نستبق عصرا قادما ونحن نفتقر إلى أسباب الإقامة في الحاضر، فما البال بمستقبل لن نكون طرفا فاعلا فيه.

والسؤال الذي يطرح نفسه “كيف يبني الكاتب علاقته بالتاريخ؟”. والجواب هو أن يمزج نوستالجيا الماضي بنقد الحاضر واستشراف المستقبل، سواء في شكل آمال يحلم بأن تتحقق، أو فرضيات يتصور أنها قد تتجسد، لأن الأدب نشاط إنساني يملك القدرة على دمج أبعاد الزمن الثلاثة، ما يسمح له بأن يتقاسم مع التاريخ الوجهة نفسها، ولكن بتوخي مسار مغاير.

 فمن جهة البعد الثالث مثلا، أي ما يخص تعليق الآمال على المستقبل، يهيئنا التاريخ المعاصر للآتي عبر فرضيات تصاغ انطلاقا من المخاوف التي يغذيها الواقع الراهن وعدم الرضا عما طُرح من حلول للمشاكل الاجتماعية القائمة التي تسحق البشر، وتصاغ أيضا من منطلق مخاوف عودة التجارب السابقة في مظاهرها السلبية. بينما يقترح الأدب أفقا للإنسانية، من خلال التساؤل عن جوهر البشر، ذكورًا وإناثًا، مُسقطا حلمهم على المستقبل للهروب من الواقع الذي يبقى هدفا للنقد الدائم.

وعودة إلى نصيحة النقاد أعلاه، نقول إن الكاتب الجاد لا يهرب من الواقع حين يرتد إلى الذاكرة، بل يسعى لتعرية الواقع وفضح الدجل بأنواعه، وتقديم نوع من السلوان للمعذبين والقلقين والرازحين تحت وطأة المعيش اليومي، أملا في تشكيل وعي جماعي جديد، ولو أن ذلك المسعى يزداد اليوم صعوبة في عالم لا يني يتعقد، بشكل يستعصي أحيانا على إدراك تحولاته.

15