الكتابات المشتركة تنوّع إبداعي أم وسيلة جديدة للتسويق

النصوص الأدبية الثنائية تثير الجدل في الساحات الثقافية العربية.
الأربعاء 2021/01/27
هل يمكن لكاتبين تأليف نص واحد (لوحة للفنان بسيم الريس)

عادت ظاهرة الكتابة الثنائية للمشروعات الإبداعية لتطل من جيد على الساحة الثقافية، في ظل سوق كتب مزدحمة تموج بنوعيات غريبة في كافة ألوان الكتابة. وبدا الأمر متعمدا من بعض دور النشر العربية، لكنه ليس جديدا، بل كان ولا يزال مثار جدل بين الرافضين له والمشجعين عليه.

تتعمد بعض دور النشر العربية طرح روايات ومجموعات قصصية مشتركة، يكتبها كاتبان لكل منهما شعبيته وجمهوره، بهدف جذب أكبر عدد من القراء، وتحقيق مبيعات عالية.

لم يكن غريبا أن تشهد بعض العواصم العربية نماذج ثنائية الإبداع خلال الآونة الأخيرة، ففي القاهرة صدرت رواية بوليسية مؤخرا بعنوان “السائرون” كتبها أحمد الزيني ومحمد علام، وتناولت أجواء تخص جائحة كورونا.

رواية تغوص فى قاع النفس البشرية
 رواية تغوص فى قاع النفس البشرية 

وقبلها أصدر الروائي الإماراتي محمد سيف الأفخم والروائية اللبنانية سونيا بوماد، رواية مشتركة بعنوان “أنا الآخر” لاقت رواجا وحققت مبيعات كبيرة.

كانت اللفتة الجديدة قد وجدت لها أقداما راسخة في الكثير من الأقطار العربية إثر ما يعرف بالربيع العربي، وما صاحب ذلك من انتعاش نسبي في قراءة الأدب، وخاصة الرواية.

تكررت نماذج الثنائيات، مثلما هو الحال مع اللبنانيين نزار دندش ونرمين الخنسا، حيث قدما معا رواية بعنوان “يوميات آدم وحواء”، ثم قدم نزار دندش مع نضال دكاش، رواية أخرى بعنوان “ربيع المطلقات”.

وقدم الأديبان العراقيان سلام نوري وصبيحة شبر، رواية بعنوان “الزمن الحافي”، أثارت اهتمام الأوساط الثقافية وتقبلها الجمهور.

جدل صاخب

يبدو أن الكتابة الثنائية كانت ولا تزال مقبولة في المجموعات القصصية أكثر منها في الرواية، لذا كان من المقبول أن يحتفي جمهور القراءة في مصر بمجموعة قصصية، حملت اسم “دويتو” للكاتبين المصريين هشام الخشن ورشا سمير.

شريف بكر: هناك نماذج عالمية ناجحة لكتاب مثلوا ثنائيات معروفة
شريف بكر: هناك نماذج عالمية ناجحة لكتاب مثلوا ثنائيات معروفة

لم تكن هناك مشكلة في طرح مجموعات قصصية ثلاثية التأليف مثل “الأجيال الثلاثة” التي ضمت قصصا للأديب المصري الراحل عبدالرحمن الخميسي، وابنه الكاتب أحمد الخميسي، وآنا أحمد الخميسي من الجيل الثالث.

اختلف تعاطي الأوساط الثقافية مع الكتابات المذكورة، حيث رآها البعض فرصة جيدة للتنوع والتكثيف الإبداعي ومحاولة لإرضاء أذواق مختلفة ومتنوعة لدى الجمهور، وتكسر الشعور بما يسميه البعض بأنانية الكتابة الإبداعية، وممارسة نوع جديد من التجريب، وهو العمل السردي المشترك.

وهناك مَن اعتبرها افتعالا لثيمة مستغربة وغير معتادة، تغازل السوق التجارية، ولا تستهدف إضافة قيمة جمالية من خلال الجمع بين جمهور كاتبين معا لضمان تسويق العمل المطبوع، ما يمثل تشويها متعمدا للإبداع.

في تصور المساندين للفكرة، تبدو ثنائية أو تعدد كتّاب العمل الواحد توجها معروفا ومعمولا به في الكثير من دول العالم، ومثل هذا التوجه يعبر عن إمكانية تلاقي أصحاب الطاقات الإبداعية على أرضيات مشتركة، ليصبح المستفيد الحقيقي في النهاية هو القارئ الذي سيجد أمامه منتجا مختلفا تماما، وهو وحده مَن سيُقرر وقتها جدواه وجودته.

يؤكد الناشر شريف بكر، صاحب ومدير دار “العربي” للنشر في القاهرة، أن الظاهرة مزدهرة في الكثير من مجالات الكتابة على مستوى العالم، وهناك نماذج ناجحة لكتّاب كثر مثلوا ثنائيات معروفة، وتوجد نماذج غير موفقة.

صفاء النجار: الرواية رؤية ذاتية للعالم ولا يمكن أن تنبع من نفسين مختلفتين
صفاء النجار: الرواية رؤية ذاتية للعالم ولا يمكن أن تنبع من نفسين مختلفتين

ويقول لـ”العرب”، إن أبرز الثنائيات المعروفة تزدهر في الدول الغربية مثل الولايات المتحدة وبعض الدول الأسكندنافية، حيث تعتمد الفكرة على تميز كل طرف في أمر ما، فهناك مَن يفكر جيدا، ومَن يرسم الأحداث بعناية، ومن يجيد الحبكة، وآخر يتفنن في الكتابة ورسم الشخصيات بدقة، والأمر أشبه بورشات كتابة السيناريو، فكل طرف يُمكن أن يقدم شيئا مختلفا عن الطرف الآخر، والمهم أن يتحقق التكامل المرجو.

وفي بعض الأحيان يحكي شخص ما ربما يكون شاهدا على الأحداث حكاية لها جذور حقيقية، ليكتبها شخص آخر يجيد الكتابة ثم يصدر العمل مشتركا مثلما هو الحال في رواية “السجينة” للمغربية مليكة أوفقير، والتونسية ميشيل فيتوسي.

تجارب مبكرة

الفكرة ليست وليدة الوقت الحالي كما يتصور البعض، فالعالم العربي ذاته، مارس فكرة الكتابة الثنائية مبكرا، وقبلها البعض ورفضها آخرون، ففي الخمسينات من القرن الماضي كتب المصريان توفيق الحكيم وطه حسين عملا مشتركا بعنوان “القصر المسحور” اختلف حوله النقاد ولا يزالون.

وشهدت حقبة الثمانينات تجربة أخرى مهمة عندما كتب الروائي السعودي عبدالرحمن منيف، والفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا رواية شهيرة حملت عنوان “عالم بلا خرائط”.

ويرى الرافضون للفكرة، أن هناك ألوانا من الإبداع لا يُمكن اشتراك شخصين في كتابتها، لأن جودة العمل ذاته قد ترتبط بالأسلوب وباللغة، ووجود إحساسين للكتابة يُربك القارئ حتى لو كان الكاتبان متميزين.

خيري حسن: الكتابة المشتركة تصلح للدراما، لكنها لا تصلح لكتابة رواية أو قصيدة
خيري حسن: الكتابة المشتركة تصلح للدراما، لكنها لا تصلح لكتابة رواية أو قصيدة

توضح الأديبة المصرية صفاء النجار، لـ”العرب”، أن الرواية تحديدا رؤية ذاتية للعالم، ولا يُمكن لمثل هذه الرؤية أن تنبع من نفسين مختلفتين حتى لو كان هناك اتفاق على الخطوط الرئيسية.

وفي اعتقادها أن تجارب الإبداع المشتركة تحتاج إلى معايشة وعلاقات يومية قريبة جدا لصاحبي الإبداع، مثلما هو الحال في الأعمال الفنية للأخوين رحباني، لكن صدور عمل واحد من شخصين بينهما اختلافات ما، ولو شكلية، في غير صالح الجمال المفترض.

وترى أن كل كاتب قد يكتب بطريقة مختلفة عن الآخر، فهناك من يكتبون ويشطبون كثيرا، ومنهم مَن يبدأون رواياتهم من النهاية، وفيهم من يغيرون ما يكتبون كل يوم، وكل هذا يجعل الأمر شديد الصعوبة، خاصة إذا كان النص واحدا.

ويشير الكاتب والناقد المصري خيري حسن، إلى أن كلمة إبداع تحديدا تتناقض مع فكرة تعدد المبدعين، فالعمل الإبداعي عمل لا يصلح معه العمل الجماعي، إلا في ألوان فنية معينة، مثل صناعة الأفلام أو الدراما.

العالم العربي مارس فكرة الكتابة الثنائية مبكرا
العالم العربي مارس فكرة الكتابة الثنائية مبكرا

ويلفت لـ”العرب”، إلى أن الإبداع الكتابي ظاهرة فردية في المقام الأول، لأن الكتابة حالة مكتملة ومختصة بصاحبها فقط، وتكرارها لا يجزم بنفعها، فربما يكون لها مردود تجاري على مستوى تسويق الكتب، لكن بلا شك فهي تُشوه معايير تقييم المستوى الفني، “فالظاهرة تخرج من تحت دائرة الإبداع الروائي وتدخل تحت أي مسمي آخر”.

ويضيف حسن “الفكرة ربما تصلح لكتابة سيناريو، لكنها لا تصلح لكتابة رواية، وقد تصلح للدراما، لكنها لا تصلح للقصيدة، وهي فى ظني استلهام أو تقليد ما دون إلمام كاف بأن ما يصلح لمجتمع ما قد لا يصلح لآخر”.

ويذكر أحد الكتّاب الذين شاركوا في كتابة مجموعة قصصية مشتركة، اعتذر عن نشر اسمه، لـ”العرب”، أن التجربة تختلف من حالة إلى أخرى، ومن فن أدبي إلى آخر، ونجاحها أو فشلها منوط بالمشاركين فيها وسماتهم الشخصية.

وفي بعض الأحيان تثار خلافات بسيطة بشأن نقد كل طرف للآخر، ما يُضفي على النص النهائي حالة من الارتباك التي يلحظها القارئ بسهولة، وقد يكون الاتفاق على تقسيم العمل فتكون الفكرة بكافة تفاصيلها من نصيب شخص، والكتابة من نصيب الآخر.

15