الكتاب الديني في العالم العربي يعيش خريفه

تكرار الأفكار والتشدد وراء تراجع المبيعات وإغلاق دور النشر الدينية.
الجمعة 2021/02/26
الكتب الدينية المكررة ما عادت تستهوي القراء

طال الكساد المتصاعد في سوق الكتاب العربي الكُتب الدينية وكتب التراث المعروفة، حيث شهدت مبيعاتها الفترة الماضية تراجعا واضحا، وهو ما دفع مؤسسات ودور نشر كبيرة إلى تحجيم مطبوعاتها من تلك الكُتب التي لم تعد تلقى الرواج الذي كانت تلقاه سابقا لأسباب عديدة.

يقول مثقفون إن أحد أسباب تراجع مبيعات الكتب الدينية والإقبال عليها، تراجع حيوية تيار الإسلام السياسي في المشهد العام في بعض الدول العربية، وهو ما انعكس سلبا على توزيع هذه الكتب، فقد كانت ذروة الزخم الذي شهدته وقت صعود جماعة الإخوان المسلمين للحكم في مصر.

ويذكر موزع كتب دينية في القاهرة، لـ“العرب”، أن هناك كُتبا دينية معروفة ومتداولة في السوق المصري كانت مبيعات كل منها السنوية تتجاوز عشرة آلاف نسخة، مثل “رياض الصالحين” للإمام النووي و“تحفة العروس” لمحمود الإستانبولي و“ففروا إلى الله” لأبي ذر القلموني، فضلا عن مختصرات صحيحي البخاري ومُسلم وغيرها، لكن مبيعاتها تراجعت إلى بضع مئات من النسخ خلال 2020.

تراجع كبير

الكتب الدينية تملأ الرفوف ولا تغني العقول
الكتب الدينية تملأ الرفوف ولا تغني العقول

يلاحظ ناشرون عرب انخفاض الطلب من جمهور القراءة على الكتاب الديني في الآونة الأخيرة بصورة تتجاوز التراجع الحادث في الكتب الأدبية والفكرية ومجالات الثقافة الأخرى.

وتكشف مصادر بسوق النشر أن عددا من دور النشر المتخصصة في طباعة الكتب الدينية في القاهرة والخرطوم أغلقت طوعيا خلال الأسابيع الأخيرة تأثرا بهبوط الطلب على كتبها.

ويعد بعض أصحاب دور النشر لدراسة السوق وبحث إمكانية النشر في مجالات أخرى تشمل كتب الأطفال والتنمية البشرية لتعويض التراجع في مبيعات الكتب الدينية.

ووضعت بعض دور النشر العامة جداول لأولويات الطباعة والنشر لديها خلال الفترة المقبلة، وأبرز تغيراتها إخراج الكتب التي تتناول موضوعات دينية من قوائم الكتب ذات الأولوية.

ويؤكد أصحاب دور نشر أن تراجع مبيعات الكتب الدينية لم يحدث نتيجة انتشار كورونا وما تبع ذلك من تباطؤ ملحوظ في سوق الكتاب فقط، بل توجد عوامل أخرى عديدة ساهمت في انصراف جمهور القراءة بعيدا عن الكتاب الديني.

ويدلل هؤلاء على تصورهم بأنه مع التسليم بوجود تأثر بالغ لمبيعات الكتب بشكل عام منذ ظهور وباء كورونا المستجد مطلع العام الماضي، إلا أن هناك كتبا فكرية متنوعة وروايات وكتابات أدبية حققت رواجا كبيرا في الأسواق، ما بدا وكأنه خصم من حصص الكتاب الديني في الأسواق.

ويفسر رضا عوض مدير دار “رؤية” للنشر بالقاهرة الأمر بأن تراجع الإقبال على الكتاب الديني في معظم البلدان العربية جاء نتيجة إلغاء وتجميد الكثير من المعارض العربية الكبرى.

ويقول في تصريح خاص لـ“العرب”، إن جانبا كبيرا من مبيعات الكتب الدينية كان يتم خلال معارض الكتاب المعروفة في العواصم العربية مثل معرض القاهرة الدولي للكتاب والشارقة والمنامة والرياض.

ويضيف أن قطاعا كبيرا من ناشري الكتب الدينية كانوا يستغلون فعاليات هذه المعارض في استهداف الجمهور العام والبيع بصورة مباشرة، وهي طريقة تتناسب مع كُتب قديمة لا تحتاج لحفلات توقيع أو ندوات مناقشة مثلما هو الأمر في باقي مجالات الثقافة.

تراجع الإقبال على الكتاب الديني في معظم البلدان العربية جاء نتيجة إلغاء المعارض وتكلس الأفكار وتراجع التشدد

ويشير إلى أن ما يتم بيعه من الكتب الدينية لا يتعدى الكتب التقليدية التي يمكن للجميع طباعتها وبيعها باعتبارها مشاعة للجميع، لا حقوق نشر لها، والتي يُطلق عليها كتب التراث.

وتتبارى بعض دور النشر ذات التوجهات السلفية في تقديم طبعات متنوعة ومتفاوتة الجودة والأسعار، وطرحها تحت تصور ضمان وجود طلب دائم عليها، وهو ما اختلف بشكل واضح خلال الشهور الماضية.

ويرى البعض أن الانكماش الاقتصادي الناتج عن الجائحة دفع جمهور القراءة في العالم العربي بشكل كبير لتركيز الشراء على الكتب الجديدة الأكثر تميزا، والقادرة على صناعة قدر غزير من الدهشة، أو التي تقوم بطرح أفكار لم يسبق طرحها من قبل، وهو ما لا يتحقق في الكتب الدينية.

واعتبر هؤلاء أنه من المنطقي في ظل خطاب ديني سائد يعتبر أن شر الأمور محدثتها، وكل جديد يُمثل بدعة، وهو ما يُعد مرذولا بشكل ما.

ويوضح الشاعر المصري محمد رياض لـ“العرب” أن أجيال الثقافة الحديثة تختلف عن باقي الأجيال في جرأة مقاومتها للشائع والسائد من خطابات تكرار الأفكار والطروحات دون تحديث، ما دفعها للصدام الفكري مع ما يُمكن تسميته بالفكر الديني المعاصر.

وما شهدته بعض الأقطار العربية من اضطرابات وتحولات سياسية واجتماعية حادة وصل إلى حد الفوضى والحرب الأهلية في بعض الأحيان نتيجة صعود التيارات الدينية، ساهم في شيوع نظرة شديدة السلبية تجاه كافة الكتب الدينية بشكل عام لدى جيل الشباب، والذي يُمثل الشريحة الأكبر من القراء في الدول العربية.

ويشير رياض إلى أن تيارات الإسلام السياسي بشكل خاص عملت على مدى عقود طويلة على نشر أدبياتها وتصوراتها الدينية المفعمة بالتطرف ومناهضة المدنية من خلال كتب بعينها، ولم تعد هذه الكُتب مُقنعة للأجيال الأحدث التي صارت أكثر اطلاعا.

ويمكن القول إن مطابخ الفكر الديني العربي لم تُخرج على مدى أكثر من عقدين من الزمان مفكرين ورجال دين مستنيرين لديهم شعبية لدى الجمهور، وقادرين على تقديم حلول ما، ولو شكلية، لمعضلات الحياة المعاصرة، ما أدى إلى عدم اكتراث الأجيال الجديدة بالكتب الدينية بالمرة.

تقييد إجرائي

هناك تصور آخر مفاده أن الشروط المفروضة من جانب بعض الحكومات العربية على طباعة الكتب الدينية التي بدأ تطبيقها في ساحات النشر ساهمت في تصحيح مسار النشر الديني وأدت إلى تنظيم أسواق الكتب وعدم السماح لمطابع مجهولة وكيانات غير رسمية بنشر كتب دينية ذات توجهات غريبة تُخالف إجماع المؤسسات الدينية الرسمية وتتبنى خطابا متشددا.

وتلزم بعض هيئات الكتب في العالم العربي دور النشر بإيداع نسخ من الكتب المزمع إصدارها لديها مع تقديم إفادات تؤكد خلوها من أي أفكار تحريض على العنف.

ويتصور البعض من المثقفين أن أفول لمعان الكتاب الديني صار أمرا طبيعيا مع تراجع تأثير التيار الديني في الكثير من البلدان العربية، خاصة مصر بعد ثورة 30 يونيو 2013، وما تبعها من نفور عام من أفكار وأدبيات ومطبوعات التيار الديني التي كان يروج لها.

أجيال الثقافة الحديثة تختلف عن باقي الأجيال في جرأة مقاومتها للشائع والسائد من الخطابات الدينية المكررة

ويلفت هؤلاء إلى أن هزيمة التيار الديني سياسيا واجتماعيا أدت إلى فقدانه أهم مراكز تأثيره وهي المساجد ومحيطاتها، حيث كانت تلك الأماكن بمثابة منافذ بيع مباشرة للكتب الدينية وكتب التراث، فضلا عن كُتب السلفية المتشددة.

ويحكي الأديب المصري يحيى مختار، والذي عمل في مجال توزيع الكتب طوال حقبتي السبعينات والثمانينات في مصر، كيف كان الكتاب الديني محل إقبال غير عادي من الجمهور في تلك الحقبة تزامنا مع ما عرف بتصاعد المد الديني في المجتمعات العربية وعلى رأسها المجتمع المصري.

ويذكر مختار أنه يتذكر كيف كانت مؤسسات الكتب الرسمية تتسابق لنشر وتوزيع الكتب الدينية خلال تلك الفترة وعلى رأسها كتب الداعية الراحل محمد متولي الشعراوي التي كانت تحقق مبيعات خيالية.

ويتابع قائلا “بعض أحاديث الشيخ التلفزيونية كان يتم تدوينها، ثم تتم بعد ذلك طباعتها في كتب وبيعها للجماهير، وفي بعض المرات تجاوزت مبيعات الكتاب الواحد مئة ألف نسخة خلال شهور قليلة”.

14