المدن الإسبانية تئن تحت وطأة تدفق السياح

إسبان يعربون عن تذمرهم من التدفق الهائل للسياح على مدنهم التي باتت تشكو من الزحام والفوضى، ويؤكدون أن ازدهار السياحة أصبح يؤدي إلى "فقدان الهوية".
الأحد 2019/09/01
زحمة السياح نعمة ونقمة

مدريد - يعيش أنطونيو بيريز مشكلة الازدحام الناجمة عن السياحة في العاصمة الإسبانية مدريد بكل تفاصيلها. ويقوم بيريز من منزله في حي مالاسانا الراقي الذي يتوق الجميع للسكن فيه، بإصدار مجلة “سوموس مالاسانا” (نحن مالاسانا) الإلكترونية، لكنه يمر بأيام يكون من الصعب خلالها الشعور بالسعادة تجاه مكان عمله.

وقال الصحافي “بالنسبة لبعض السياح، فإن مدريد ليست أكثر من متنزه ترفيهي”. وبوصفه من مواليد مدريد، فهو على دراية بالجوانب السلبية للسياحة، إذ قال “هناك بعض الشوارع التي لم أعد أذهب إليها مثل كوريديرا دي سان بابلو وفيونكارال”، مضيفا “إن السبب هو أنها غالبا ما تكون مكتظة بالسياح جدا لدرجة لا يمكن للمرء السير وسطهم”.

وبسبب الرحلات الجوية الرخيصة وأسعار المساكن التي في متناول الجميع، يزداد تدفق السياح على العديد من الأماكن الجذابة، أما الأشخاص الذين يعيشون في هذه الأماكن، مثل بيريز، فقد بدأوا يعبرون عن آرائهم بصراحة وعلانية، ويعتقد بيريز أن ازدهار السياحة يؤدي إلى “فقدان الهوية”.

والأشخاص الذين عاشوا في الحي لسنوات يرحلون عنه، فالإيجارات ترتفع ويتغير وجه المنطقة بسرعة، فالمنشآت التي تطلق على نفسها اسم حانات تاباس التي تقدم الوجبات الخفيفة والمقبلات مع المشروبات، تنتشر في كل مكان، لكنها ليست حانات تاباس حقيقية فهي فقط هناك لإرضاء السياح.

عدد السياح الهائل القادمين إلى أسبانيا يعني أنه يتعين عليهم غالبا الوقوف في طوابير طويلة لرؤية المعالم الجذابة

وأشار بيريز إلى أن السكان المحليين بدأوا في الاستنفار، كما تحتج اتحادات الأحياء المحلية في منطقتي سول وليتراس على الإيجارات السياحية، رافعة شعارات مثل “بيوتنا ليست فنادق”.

وحيثما يعيش بيريز، تم إطلاق مبادرة جديدة أطلق عليها سموس مالاسانا (نحن مالاسانا) موجهة إلى السياسيين والعامة، شعارها الرئيسي “ساحاتنا ليست حانات وشوارعنا ليست سلات للنفايات وزوايا شوارعنا ليست مراحيض”.

وتدرك عدة مدن في جميع أنحاء أوروبا، مثل أمستردام والبندقية ودوبروفنيك، أن جاذبيتها للسياح يمكن أن تكون نقمة ونعمة في نفس الوقت.

وإسبانيا واحدة من العديد من البلدان التي تجذب أعدادا متزايدة من السياح، ففي عام 2018 وحده توافد على البلاد 82.6 مليون زائر.

وبالنسبة للسائحين، فإن عددهم الهائل يعني أنه يتعين عليهم غالبا الوقوف في طوابير طويلة لرؤية المعالم المحلية الجذابة، ويجب أن يتناولوا طعاما متوسط الجودة في الحانات والمطاعم. وأصبحت برشلونة مشهورة بشكل خاص، حيث أدت الرحلات البحرية إلى ارتفاع كبير في أعداد الزوار.

وأعرب دانيل باردو، وهو خبير تشغيل أجهزة عرض الأفلام السينمائية ومتحدث باسم جمعية المناطق من أجل السياحة المستدامة، عن استيائه إزاء “اكتظاظ الأماكن العامة”.

وقال إنه أصبح من المستحيل ببساطة الجلوس بهدوء في ميدان أو على مقعد في متنزه، مشيرا إلى أن السياح لا يبدون اهتماما بمثل هذه الأمور. وأضاف باردو أنها قضية “استغلال المدينة وسكانها من جانب لاعبين اقتصاديين”، متابعا أنه يريد أن يرى خضوع هؤلاء اللاعبين للمساءلة، ويعتقد أنه ينبغي عليهم المساهمة ماليا في تكلفة “التنظيف والسلامة والنقل العام” ودفع “رواتب عادلة” في السياحة، وذكر أن “الربحية العالية” في مجال السياحة يجب خفضها.

كما يلقي باردو (42 عاما) باللائمة على سلطات السياحة في الترويج بلا هوادة لبرشلونة كوجهة لقضاء العطلات، ولجأ إلى محاولة إقناع السياح بعدم القدوم، وقال “المجيء إلى برشلونة ليس فكرة جيدة”، مضيفا “ستجدون أن المدينة مكتظة تماما والجولات السياحية غير جيدة للغاية”.

والكثير من الأشخاص مازالوا يرون هذا الأمر من منظور مختلف، ولكن البعض بدأوا يشتكون من برشلونة، فقد ارتفعت الأسعار بشكل كبير، فعلى سبيل المثال، بلغت تكلفة زيارات لبعض المباني الشهيرة التي صممها المهندس المعماري أنتوني جاودي الآن ما يصل إلى 28 دولارا للفرد.

زحام برا وبحرا
زحام برا وبحرا

وليست المدن الكبرى فقط هي التي تئن تحت وطأة تدفق السياح، فقد شهدت مدينة بامبلونا شمال إسبانيا ارتفاعا كبيرا في أعداد الزوار.

وبالنسبة للمرشدة السياحية كريستينا دوريا، فإن هذا الوضع يدفعها أحيانا إلى درجة الشعور بالاستياء عندما يتعين عليها التجول في المدينة القديمة مع مجموعة من 50 سائحا يسيرون الواحد وراء الآخر في طابور. وتعيش دوريا أيضا هناك وتقول “لم تتبق لنا مساحة كبيرة”.

وفي مدينة كاتالان في إقليم جيرونا، يعاني المرشد السياحي كويم بويرتو من نفس المشكلة. وكان الحل الذي توصل إليه هو خفض مجموعاته إلى “20 ، و25 شخصا كحد أقصى”، غير أن الشركات السياحية لا ترغب في ذلك، نظرا لأن ذلك يعني أنه يتعين عليها تعيين مرشدين اثنين لمجموعات أكبر، الأمر الذي من شأنه أن يرفع تكاليف سعر الرحلة.

وللتصدي لمشكلة الاكتظاظ، اتخذت جيرونا بالفعل إجراء واحدا تمثل في منع الحافلات السياحية من دخول البلدة القديمة، ومن ثم يتعين على السياح الآن السير على الأقدام لمدة 15 دقيقة للوصول إلى هناك من أقرب محطة للحافلات.

وهل هذا هو الحل الصحيح؟ وأشار بويرتو إلى أنه قد يكون هناك أيضا أشخاص أكبر سنا وأقل قدرة على التنقل يرغبون في زيارة جيرونا، وقد اضطر مؤخرا إلى نقل سائحين وزنهما كبير للغاية في سيارته إلى المدينة.

16