المرور من ثقب إبرة

العلم يفرض عليك إن أردت أن تتحدث، على سبيل المثال، عن أفضل أنواع الطعام الذي يستحسن أن يقدم للأطفال في سن معينة، أن تذهب وترى بنفسك ما الذي يناسب هؤلاء الصغار.
الجمعة 2019/03/15
عبث فكري صنعه الكسل

احتفل العالم مطلع مارس الجاري بتجربة شركة إنفوز تكنولوجي الصينية التي نجحت في جعل رجل آلي يُدخل خيطًا في ثقب إبرة، بما يشبه براعة الإنسان في فعل الأمر ذاته.

وذلك الخيط الذي دخل في ثقب الإبرة يبقى يستوقفك وكأنه أبعد من مجرد حدث علمي صناعي، فلتلك الفكرة سحرها عند أهل الشرق.

”أن يدخل الجمل في (ثقْب الإبرة) أيسرُ من أن يدخل الغنيُّ ملكوت الله“ عبارة قالها المسيح في الإنجيل ذات يوم، وكان يتحدث عن باب من أبواب القدس في طريق الجلجلة اسمه “باب ثقب الإبرة”، في استخدام مباشر للكلمات لا يقبل المجاز. باب “ثقب الإبرة” قال عنه المؤرخون إنه كان ضيّقًا جيداً وكان إلى جوار بوابة ضخمة يتم إغلاقها بعد الغروب، وهكذا يصبح من المستحيل على الجمل الذي كان ينقل البضائع الدخول، مثله مثل الغني السمين الذي لن تتسع له البوابة.  تحولت هذه الجملة إلى قاعدة تأويلية لاحقًا في الإسلام بعد ورودها في القرآن في سورة الأعراف على هذا الشكل ”إنّ الذين كذّبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تُفتّح لهم أبوابُ السماء ولا يدخلون الجنّة حتى يلج الجمل في سَمّ الخِياط“، وسم الخياط هو ثقب الإبرة بلغة العرب، والسبب هو جهل المفسرين بضرورة الاطلاع الميداني قبل تقديم أنفسهم كخبراء في اللغة.

ثم جاء بعد أجيال مَن حوّل حادثة الجمل وباب ثقب الإبرة الشهير إلى فلسفة، كما فعل المتصوف الشهير النفري الذي قال “اقعد في ثقب الإبرة ولا تبرح، وإذا دخل الخيط في الإبرة فلا تمسكه وإذا خرج فلا تمدّه”. وصرنا في ورطة أخرى، فلم يكتف بتخيل باب “ثقب الإبرة” بابًا للفردوس والعالم الآخر وحسب، بل حوّله إلى مأزق روحاني.

عبث فكري صنعه الكسل عن البحث، والاكتفاء بالنقل بدلا من التفكير والذهاب إلى الدنيا، الدنيا هي المكان الذي جرت فيه تلك الأحداث.

العلم يفرض عليك إن أردت أن تتحدث، على سبيل المثال، عن أفضل أنواع الطعام الذي يستحسن أن يقدم للأطفال في سن معينة، أن تذهب وترى بنفسك ما الذي يناسب هؤلاء الصغار، في الواقع والبيوت والمدارس والشوارع، لا في الجلسات الروحية، بينما لا يطالب أحد نفسه قبل الحديث عن الدين والعلاقة بالآخر بالبحث العلمي وتحريك العضلات المرتخية على الكراسي. وعلى رجل الدين ألّا يحاول أن يُفحمنا بلحية فوضوية وصوت متمسكن ورقبة ملوية بعد اليوم، وأن يبهر الناس بقدرته على التفكير متسلحًا بالعلم وحده، وإلا فلن يدخل فكره أي ثقب إبرة في الوجود.

24