المساواة بين الجنسين قضية خلافية تؤرق الكنيسة الكاثولوكية

تقاليد مسيحية متشددة تقصي المرأة من المناصب الكنسية العليا.
الثلاثاء 2021/02/23
مطالب بإصلاحات أوسع

تواصل حركات كنسية نسوية ضغوطها على بابا الفاتيكان فرنسيس الأول من أجل المزيد من المساواة بين الجنسين داخل الكنيسة الكاثولوكية. وتصطدم هذه المطالب المتجددة منذ سنوات بعقبات ترجع إلى تقاليد مسيحية متشددة تمنع المرأة من تقلد المناصب الكنسية العليا.

برلين - منذ توليه زمام الكنيسة الكاثولوكية في روما قاد البابا فرنسيس مسارا إصلاحيا لم يتجرأ أحد من قبله على الخوض فيه، خاصة في ما يتعلق بحقوق ومهام النساء داخل الكنيسة بعد أن أسند لهن مؤخرا أدوارا داخل الكنيسة كانت لعقود حكرا على الرجال، ما أثار حفيظة التيار الكنسي المحافظ الذي اعتبر الخطوة مخالفة للتقليد المسيحي.

ويسعى البابا فرنسيس من خلال هذه الإصلاحات إلى الاستجابة لتيار كنسي كبير يطالب بالمزيد من المساواة بين النساء والرجال داخل الكنيسة، إلا أن تلك الخطوات لم تقلل من حماسة المدافعين عن المساواة بين الجنسين داخل الكنيسة الذين يطالبون بخطوة أكبر ويضغطون باتجاه ذلك عبر مبادرات سلمية تزداد زخمنا يوما بعد يوم.

وعلقت مبادرة “ماريا 0.2” الكاثوليكية الإصلاحية الأحد أطروحات على أبواب الكنائس في العديد من الأماكن بألمانيا وذلك على غرار ما فعله الإصلاحي الكاثوليكي الألماني مارتن لوثر.

وجاء في الأطروحات “في كنيستنا من حق كل الناس الوصول إلى كل المناصب”.

البابا منح النساء حق الوصول إلى أكثر الأماكن قداسة، لكنه يعارض أن يصبحن قساوسة

وتعمل الحركة النسوية من أجل المساواة بين النساء والرجال كما أنها تناهض الانتهاك الجنسي وإساءة استغلال السلطة والعزوبة الإجبارية وتنادي بأخلاق جنسية أكثر انفتاحا.

وكانت الحركة هزت الكنيسة الكاثوليكية في 2019 بإضراب كنسي، فيما ذكرت تقارير إعلامية مطلع فبراير الجاري أن مجمع الفاتيكان لعقيدة الإيمان ينظر في أمر المبادرة.

وانطلقت شرارة احتجاجات الحركة النسوية اعتراضا على إحجام راينر ماريا فولكي كاردينال كولونيا عن اتخاذ موقف حيال تقرير بشأن حالة انتهاك.

وأعربت الإصلاحيات عن اعتقادهن في أنهن حصلن على تأكيد لعملهن بعد ورود تقارير عن متابعة الفاتيكان، وقالت ليزا كوتر المشاركة في تأسيس الحركة “هذا تكريم (للحركة) ويبدو أننا نكأنا جرحا قديما”.

وكان الإصلاحي مارتن لوثر قد استهل حركته بتعليق أطروحاته الـ95 على أبواب الكنيسة في عام 1517، ما فتح الطريق لاحقا إلى قسم الكنيسة إلى كنيسة كاثوليكية وأخرى إنجيلية.

وقال ماتياس كوب المتحدث باسم مؤتمر الأساقفة الألمان إنه يفهم الانزعاج الذي يشعر به الكثير من المؤمنين في الكنيسة “ولذلك نحن نعرف أن هناك حاجة إلى تغييرات، ولهذا أطلق مؤتمر الأساقفة الألمان المسار السينودسي”.

والمسار السينودسي هو سلسلة من مؤتمرات الكنيسة الكاثوليكية في ألمانيا لمناقشة مجموعة من المسائل اللاهوتية والتنظيمية المعاصرة، فضلاً عن ردود الفعل المحتملة على أزمة سوء المعاملة. ويهتم المسار السينودسي أيضا بأمور من بينها الأخلاق الجنسية الكاثوليكية وموقف النساء داخل الكنيسة.

وأضاف كوب أن “الاحتجاج هو وسيلة مشروعة بالتأكيد غير أننا لا نستطيع تغيير الكنيسة بين عشية وضحاها لكن يجب علينا أن نفعل هذا بحوار جيد مفعم بالثقة”، لكنه أكد أن الكنيسة في ألمانيا لن تسلك طريقا خاصا بعيدا عن روما إذا تعلق الأمر بقضايا تهم الكنيسة على الصعيد العالمي.

مهام دون المطلوب

نضال نسوي لا يهدأ
نضال نسوي لا يهدأ

سمح البابا فرنسيس للنساء بتولي مهام أوسع، وذلك بتغيير قانون الكنيسة ليمكّن صراحة النساء من القيام بالمزيد من المهام أثناء القداس، ومنحهن حق الوصول إلى أكثر الأماكن قداسة على المذبح، لكن مع الاستمرار في التأكيد على أنه لا يمكنهن أن يصبحن قساوسة.

وقام البابا بتعديل القانون لإضفاء الطابع الرسمي على ما هو شائع في أجزاء كثيرة من العالم، مثل أن تعمل المرأة كمحاضرة، أو قارئة للإنجيل، أو العمل على المذبح. وكانت هذه الأدوار والمهام في السابق حكرا رسميا على الرجال.

وقال البابا فرنسيس إنه أجرى التعديل لزيادة الاعتراف بـ”المساهمة الثمينة” التي تقدمها النساء في الكنيسة. غير أنه في المقابل شدد على استمرار احتفاظ الرجال بالخدمات الكهنوتية.

ويأتي التغيير في وقت لا يزال فيه البابا يواجه ضغطا من أجل السماح للنساء بأن يصبحن قساوسة يؤدين العديد من الوظائف نفسها مثل الكهنة، بينها رئاسة حفلات الزفاف والتعميد والجنازات، وهي وظائف لا تزال حكرا على الرجال.

ويضغط العلمانيون الكاثوليك، وفي مقدمتهم النساء، من أجل التغيير داخل الكنيسة بغرض السماح للنساء بتولي أدوار كهنوتية، في عملية يشار إليها باسم الطريق السينودسي، بينما يقاوم الأساقفة المحافظون ذلك خوفا من الشقاق والتعارض مع روما.

واستبعدت الكنيسة الكاثوليكية ترسيم كهنة من النساء على مدى السنوات الماضية، ناهيك عن تعيينهن في مناصب الأساقفة.

ودافع البابا فرنسيس عن ضرورة فتح المناصب الكنسية أمام النساء. وفي عام 2016 قام بتعيين أول مديرة لمتاحف الفاتيكان على الإطلاق، وفي وقت سابق من العام منح امرأة منصبا دبلوماسيا رفيعا في أمانة الدولة بالفاتيكان، لكن النساء يشعرن بخيبة الأمل لأن البابا لم يفعل المزيد لفصل إدارة الكنيسة عن الكهنوت الذي لا يزال مخصصا تماما في الكنيسة الكاثوليكية للرجال.

لكن موضوع سيامة نساء كهنة يبقى غير مطروح. وهذه الفكرة يدعمها عدد كبير من الأساقفة التقدميين في ألمانيا.

وذكّر البابا فرنسيس بكلمات البابا البولندي يوحنا بولس الثاني حين قال إنه في ما يتعلق بالخدمات الكهنوتية “ليس للكنيسة سلطة بأي شكل من الأشكال لمنح السيامة الكهنوتية للنساء” مضيفا “أما بالنسبة إلى الخدمات غير الكهنوتية فالأمر ممكن، ويبدو اليوم تخطّي هذا التحفّظ مناسبًا”.

وفي أبريل الماضي أعلن البابا فرنسيس عن إنشاء لجنة جديدة للنظر في احتمال سيامة نساء شمامسة، حيث لم تتمكن لجنة سابقة شكلت في 2016 من البت في هذه المسألة بعدما نظرت في دور النساء الشمامسة عند بدء المسيحية.

ورغم الإصلاحات التي أدخلها البابا فرنسيس على القوانين الكنسية لا تزال مسألة مكانة المرأة في الدين الكاثوليكي محل نقاش في روما حيث تنظم محاضرات دولية تحمل عنوان “لماذا للنساء وزن؟”، والهدف منها فضح عدم المساواة بين الجنسين داخل الكنيسة.

المرأة في المسيحية

موضوع سيامة نساء كهنة لا يزال غير مطروح، وهذه الفكرة يدعمها عدد كبير من الأساقفة التقدميين في ألمانيا
موضوع سيامة نساء كهنة لا يزال غير مطروح، وهذه الفكرة يدعمها عدد كبير من الأساقفة التقدميين في ألمانيا

يقول عالم الاجتماع جوسلين تريكو المتخصص في المسائل الجندرية في الدين الكاثوليكي بجامعة باريس “يوجد تاريخيّا انعدام مساواة بين الرجل والمرأة في الحياة الدينية”.

ويضيف تريكو “تكليف النساء بمهام ثانوية سهل جدا؛ فلن يجد قس نفسه في إحدى الحالات المذكورة، كما يتمتع بحرية أكبر في التعبير”. ويضيف أن “الراهبات كن في السابق يتمتعن بحرية تنقل أقل من حرية الرهبان”.

ويوضح عالم الاجتماع “هناك حالة خاصة جدا بشأن وضعية الراهبات؛ فهن يأتين من العالم أجمع ويصبحن بذلك منقطعات عن وسطهن الأصلي، وتكوينهن الجامعي عامة ليس عاليا. إضافة إلى ذلك يعشن بالكامل في بيئة الكنيسة ما يجعلهن أكثر ضعفا”.

وفي المسيحية كان النص صريحا في مسألة منع المرأة من تولي المناصب الدينية؛ فقد جاء في العهد الجديد إثر السؤال عن تعلّم المرأة وتعليمها “لتتعلم المرأة بسكوت، في كل خضوع، ولكن لست آذن للمرأة أن تُعلّم ولا تتسلط على الرجل، بل تكون في سكوت، لأن آدم جُبل أولاً ثم حواء، وآدم لم يغوِ، لكن المرأة أُغويت فحصلت في التعدي” (تيماثاوس الأولى، 2، 11 – 14).

واعتُمدت هذه الإجابة لمنع المرأة من الوصول إلى المناصب الكنسية عبر التاريخ المسيحي، وبالنظر إلى التعليل (لأن آدم جُبل أولاً ثم حواء، وآدم لم يغوِ، لكن المرأة أُغويت) نجد أنّ الإنجيل يتابع الموقف التوراتي من المرأة في التأكيد على تبعيتها.

ويأتي أيضا ما جاء في سفر “كورنثوس الأولى” من العهد الجديد “فإن الرجل لا ينبغي أن يغطي رأسَه، لكونه صورة الله ومجده، وأما المرأة فهي مجد الرجل، لأن الرجل ليس من المرأة، بل المرأة من الرجل، ولأن الرجل لم يُخلَق من أجل المرأة، بل المرأة من أجل الرجل” (الإصحاح 11، 7 – 9).

وذهبت الباحثة في الأنثروبولوجيا والأستاذة في جامعة وسكنسون غيردا ليرنر في كتابها الصادر عام 1986 “نشأة النظام البطريركي” إلى أنّ تطور النظام الذكوري بدأ منذ ألفي عام قبل الميلاد، وهو ينبني على فكرة أنّ الرجال والنساء خُلقوا على نحو مختلف، ولهدفين مختلفين، وأنّ الرجال يمتلكون ذهناً مفكّرا وذكاءً وقدرة على القيادة، ومن ثمّ من المقدَّر عليهم أن يمثلوا النظام والحكم، فيما يُنظر إلى النساء على أنهن أقلّ في المستوى الفكري، ولذلك يجب أن يخضعن ويصبحن متكلات على الرجال، لافتة إلى أنه في فترة ألفي سنة من التاريخ المسيحي اعتُنقت هذه الأفكار كأنها أوامر إلهية وأصبحت متضمنة في المنظومة التربوية الغربية على جميع المستويات.

ولا تلقى التفسيرات المحافظة لتعاليم الكتاب المقدس بخصوص حقوق المرأة رواجا لدى طائفة واسعة من المسحيين الذين يدفعون لإعادة النظر في التفسيرات الشائعة.

ويرى هؤلاء أن تحديد الكتاب المقدس أدوارا مختلفة للرجال والنساء ليس تمييزاً بين الجنسين، ويوضحون أن الكتاب المقدس يؤكد أن الله يتوقع من الرجل أن يتولى القيادة في منزله وفي الكنيسة. هل يقلل ذلك من وضع المرأة؟ كلا. هل يعني ذلك أن المرأة أقل ذكاء أو أقل مقدرة أو أنها أقل شأناً في نظر الله؟ كلا بالطبع. ولكن ذلك يعني أنه في عالمنا الخاطئ لا بد أن يوجد نظام وسلطة. وقد وزع الله الأدوار في السلطة من أجل خيرنا. أما التمييز بين الجنسين فهو انتهاك لهذه الأدوار.

12