المسرح الحديث يفجّر العُلبة التقليدية ويحضّ على التحرّر والتغيير

السخرية والتمرد والجنون.. ملامح عروض مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.
الثلاثاء 2019/09/10
"أفيون" عرض سوري- ألماني عن الحوار والتصادم بين الثقافات والحضارات

تأتي العروض الممثلة لأربعين دولة عربية وأجنبية في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي حافلة بظواهر وثيمات مشتركة، تشكل ملامح عامة لهذه المسرحيات المتمردة، التي تأخذ على عاتقها مسؤولية إحداث أثر لافت وحالة حراك في المشهد المسرحي الراهن.

القاهرة – عبر سلسلة من العروض الطليعية الجريئة، المتحللة من قيود العُلبة المسرحية التقليدية، يفتتح مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي “دورته الـ26، الثلاثاء، على أعمال مبتكرة جديدة، تمثل مصر والدول العربية والأفريقية والأجنبية المشاركة، والولايات المتحدة “ضيف الشرف”.

وتحفل هذه العروض بسمات متطورة في الأفكار والأداء والآليات القائمة على التكنولوجيا، والمزج بين الفنون المختلفة وعناصر الإمتاع والإبهار المتعددة.

وتشترك مسرحيات المهرجان، الذي يمتد حتى 19 سبتمبر الجاري في أبجديات يمكن تعيينها أوليا، من أبرزها انتهاج السخرية وسيلة للنقد والإضحاك، والحضّ على الثورة والتحرّر والتغيير، والتسلّح بالعشق والحلم والجنون في مواجهة عالم مادي صارم، تحكمه القسوة ويسوده العنف والقهر والتلوّث والدمار.

جل عروض المهرجان تحفل بسمات متطورة في الأفكار والأداء والآليات القائمة على التكنولوجيا والمزج بين الفنون المختلفة

ومن أبرز إيجابيات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي، اتساع دائرة العروض المشاركة فيه، لتشمل دول العالم المختلفة بتياراتها واتجاهاتها المتنوعة، الأمر الذي يجعله على رأس الفعاليات المسرحية، والفنية عموما في مصر والوطن العربي، منذ انطلاقته الأولى في عام 1988، ككرنفال دولي برعاية وزارة الثقافة المصرية، يهدف إلى استقبال أحدث العروض المسرحية، وعقد المؤتمرات العلمية والورشات المتخصّصة، وتكريم الشخصيات المسرحية النابغة حول العالم.

وعلى الرغم من انتماء العروض المشاركة في “التجريبي 2019” إلى مسارح أربعين دولة عربية وأجنبية، منها: مصر، سوريا، الإمارات، تونس، المغرب، العراق، الكويت، ألمانيا، الولايات المتحدة، كوسوفو، البرازيل، سويسرا، الكونغو، جنوب أفريقيا، وغيرها، فإن القراءة الأولية لأبرز العروض المشاركة من خلال معطياتها المضمونية والفنية المتاحة، تقود إلى صفات وخصائص تقرّبها من بعضها البعض، في إطار لغة الفن المشتركة.

رغبات إنسانية

Thumbnail

يغوص العرض السوري “اعترافات زوجية” لفرقة المسرح القومي السوري، من إخراج مأمون خطيب، في أعماق الرغبات الإنسانية الدفينة، وعلى رأسها التحرّر، وتحقيق الذات، والتمرّد على القيود، ويتّخذ من العلاقات الزوجية مدخلا لاستعراض الحقوق والواجبات المنوطة بالذكور والإناث في المجتمع.

وتفتح المسرحية، لمؤلفها الفرنسي إريك إيمانويل شميت، الباب واسعا لتأويلات وذرائع للكشف عن الضغائن والمشاعر المتوارية في الصدور. ويشكّل الكلام وسيلة لفضح ما هو مستتر لدى الإنسان، انطلاقا من مقولة سقراط “تكلم لكي أراك”.

ويسلك المسرح مسارا حديثًا بتحوّله إلى عيادة نفسية في العرض الإماراتي “الساعة الرابعة” لفرقة جمعية الشارقة للفنون الشعبية والمسرح، من إخراج إبراهيم البيرق، حيث تعاني جميع الشخصيات من مرض الوسواس القهري بأنواع مختلفة، ومن خلال جلسات العلاج والحكي في عيادة الطبيب، تتشابك قصصهم وخطوط حياتهم، ويختلط الواقع بالخيال وتتبلور الرغبة العامة في “الانفلات”.

وفي الإطار التجديدي الثوري، يأتي العرض السوري – الألماني “أفيون”، لشركة حركة للرقص، حاملا رؤية أسامة الحفيري الفنية التي تفلسف الصراعات بين البشر من خلال تساؤلات الوجود وعلاقات التحاور والتصادم بين الثقافات والحضارات، ويحمل “الإدمان” معنى رمزيا للجوء الإنسان إلى العزلة والوحدة حال تقطُّع الأواصر بينه وبين الآخرين، في إطار من السخرية ومزج الجد بالهزل والحقيقة بالمجاز والتعقّل بالجنون.

ويفجّر العرض العراقي “سندباد”، للفرقة الوطنية للتمثيل، من إخراج أحمد عبدالأمير، العُلبة المسرحية التقليدية بأداء إيمائي صامت، ينتمي إلى فن “مايم خيال الظل”، وهو عرض تجريبي يستخدم التقنيات الرقمية وبرمجيات الكمبيوتر الحديثة والمونتاج الصوري والفيديوي والمؤثرات والأداء التفاعلي الإيمائي لإنتاج المشاهد الظلية.

ويثير العرض الجريء جدلية الوجود والعدم، وتمثّل فيه شخصية “السندباد” السفير المادي والروحي للإنسانية المعذّبة التي تبحث عن التغيير وتحقيق الاستقرار والأمان الروحي، وتتمرّد على الواقع العراقي، الذي هو مرآة صغيرة للواقع العالمي.

وعلى منوال مخالفة المستقرّ السائد يغزل العرض المصري “بهية”، لفرقة فرسان الشرق للتراث، عن رواية نجيب سرور “ياسين وبهية”، من إخراج كريمة بدير، إذ يعيد طرح قصة العشق الأسطورية بين الحبيبين بمعالجة مغايرة، وكذلك يعيد طرح التساؤل الفلكلوري الوارد في المواويل الشعبية “من قتل ياسين؟”، وهنا يحرّك العرض إسقاطات سياسية واجتماعية بالإشارة إلى أن الباشا الإقطاعي المسيطر على الناحية هو الذي قتل ياسين، انتقاما منه، لأنه حرّض أهل القرية على الثورة، وقادهم إلى إحراق قصر الباشا، رمز القسوة والقهر والجبروت.

وإلى عالم الأحلام والجنون والفانتازيا، حيث العرض البرازيلي “دار الأحلام”، من إخراج هينريك سيتشن، وفيه ينطلق ثلاثة رجال (مجاذيب) من الجوعى، في رحلة خيالية بحثا عن الطعام، في الصحراء وقاع البحر والفضاء الخارجي، وتتشكّل الشخوص الإبداعية غير النمطية من الملاعق والأكواب والزجاجات والمناديل والمقالي وغيرها من أدوات المطبخ، التي تنضم إلى خيالاتهم ومغامراتهم المذهلة، فهل كانوا فعلا مجانين، أم أن العقلاء هم المجانين؟

كوميديا الاحتجاج

Thumbnail

في توليفة مسرحية فيها ما هو فني وما هو أخلاقي، يمزج عرض “البخيل” من كوسوفو، من إخراج إلميز نورا، بين السخرية والكوميديا والمبالغة الكاريكاتيرية في رسم الشخصيات، لتصوير هشاشة المال والحب، وللاحتجاج على الشر والبخل والضآلة.

أما العرض الكويتي “جزء من الفانية”، للمخرج عبدالعزيز النصار، فإنه يقدّم من خلال أحداثه الجريئة صورة لاضطهاد السلطات الديكتاتورية وتأثيرها على حياة الإنسان البسيط، وانعكاس هذا الاضطهاد على حياته.

وعلى غير المعتاد في عروض الأداء التعبيري الجسدي، فإن عرض “النظام” من جنوب أفريقيا، من إخراج سيفيمو موتسويري، يسرد عبر الحركات والرقصات والإشارات قصة الفقر، ويترصّد أحوال المجتمعات التي مزّقتها الجريمة والظلم والخيانات، كما يصوّر علاقات الصداقة وقيم المجتمع الجنوب أفريقي اليوم، من خلال خبرات حياتية عاشها ثلاثة من الشباب السود الذين تعرّضوا للاضطهاد والسجن.

ويقتحم المسرح الحديث عصر الآلة والميكنة، حيث يتقصّى العرض المصري “ديستوبيا” للمخرج محمد الخشاب، التناقضات التي يعيشها الإنسان بين سيطرة الآلة وتجمّد المشاعر الإنسانية بين التعبير عن حقيقة المشاعر وصورتها (ديستوبيا)، في حين يخون الإنسان خياله وأفكاره ونفسه من أجل الاستقرار وليس الطموح.

ويتحوّل المسرح من خلال العرض التونسي “دون كيشوت” للمخرج معز العاشوري، إلى ميدان توثيقي لواقعة اجتماعية سياسية، حدثت قبل الثورة التونسية ما بين عامي 2004 و2005، حيث يوثّق العرض حكاية الثنائي؛ عزيز (المخرج المسرحي) وحبيبته عزة (الممثلة)، اللذين تعرضا معا لمراقبة أمنية سرية وهما بصدد إنتاج مسرحية بعنوان “دون كيشوت تونس”.

ويتطرّق المسرح الحديث إلى قضايا مجتمعية ملحّة وحساسة من قبيل الاستغلال الجسدي، كما في العرض المغربي “علاش؟” (لماذا؟) للمخرج عبدالفتاح عشيق، ويصوّر حياة امرأة في جبال المغرب أفنت عمرها في البحث عن لقمة عيش لأطفالها الثلاثة، فوجدت نفسها أمام مجتمع يحرمها أبسط حقوق العيش، بل يتجاوز ذلك إلى الاستغلال الجسدي، والاغتصاب النفسي قبل المادي.

وفي الفلك ذاته يدور العرض السويسري “تحيا الحياة”، من إخراج أندري بيجنات، ويصوّر الصراعات الإنسانية وتحوّلات المجتمع من الريفي إلى الافتراضي، عبر الأغنيات والرقصات والأداء والتمثيل وألعاب السيرك والموسيقى. كما يجدّد العرض الوعي بالتاريخ، وتأكيد أن العالم ليس إلاّ طاقة تندفع إلى الأمام ولا يمكنها التراجع أو التوقّف.

ويشمل برنامج الدورة الـ26 من القاهرة الدولي للمسرح التجريبي كذلك محاضرات عن “التمثيل” و“الأسطورة والواقع” و“علاقة الممثل بالمخرج” و“المسرح الموسيقي”، وورشات عمل حول “التعبير الجسدي” و“الإضاءة” و“المسرح الراقص” وغيرها.

16