المصري عزت قرني: الجمال يمثل الثمرة الأعلى للحياة

الباحث المصري يجيب في كتابه الجديد: الجمال ليس شيئا ولا هو جوهر وإذا أردت فهمه عليك أن تفهم القبح.
الخميس 2021/10/14
لكل منا رؤيته للجمال (لوحة للفنانة زينب جبوري)

يفضل الناس الجمال على القبح معتبرين إياه السمة الأهم في الحياة، سمة ترافق الإنسان في يومياته بداية من وقوفه أمام مرآة صباحية إلى رؤاه عن ذاته والعالم وأهم أفكاره الوجودية، الجميع يسعون إلى بلوغ الجمال والتقاطه. لكن نتساءل هنا ما هو الجمال؟ وهل هو واحد؟ وما هي أهم خصائصه؟ أسئلة يجيب عليها الباحث المصري عزت قرني في كتاب جديد.

يشكل كتاب “الجمال والجميل.. من الجمال إلى الجميل” إحدى أبرز حلقات المشروع الفلسفي المستقل لأستاذ الفلسفة عزت قرني الذي أطلق عليه “مجموعة إنشاء الفلسفة المصرية”، حيث يعتمد جوهريا على نتائج ما تم تقديمه في الكتب السابقة من المشروع، وهي “الفلسفة المصرية: شروط التأسيس”، “مستقبل الفلسفة في مصر”، “تأسيس الحرية” الذي عرض أصوليات مبحث الوجود والتأسيس العام لكيان الإنسان وتجربته في العالم، “طبيعة الحرية” الذي عرض نظرية الذهن مؤسسة على الكتاب السابق، “الذات والاعتقاد ونظرية الفعل”، “غايات الإنسان وفكرة الخير” و”الإنسان.. التكوين الأساسي والظواهر الكبرى”.

يدرس الكتاب موضوع الجمال والجميل على نحو تفصيلي منظم، وذلك من حيث إدراكه وتذوقه وتقديره، وينطلق بداية من تحديد الخطوط العريضة لنظرية مصرية في ما كان يسمى بـ”القيم” وذلك تحت عنوان “نظرية المقدرات”، أي أمور هي موضع تقدير عام عند بني الإنسان، وما ذلك إلا لأن الجمال هو غاية وهو أيضا مقدر بل أهم ما يقدره البشر، ولكن الجمال إنما هو تصور ذهني، فهو مجرد بالتالي. ولعل الموقف المركزي الذي يقدمه قرني هنا هو نقل الاهتمام والتركيز من تصور الجمال وهو أمر تجريدي، إلى كيان الجميل وهو المتعين في التجربة بالضرورة.

ثمرة الحياة

في محاولته للتعريف بمفهوم المقدرات قال قرني إن “كل مقدرات الشخص المعين، والمجتمع والثقافة أيضا، تدخل في باب الاعتقادات القوية، وبالمقابل فإن الاعتقادات الراسخة تدخل ضمن عائلة المقدرات التي أعلاها الجمال فـ’الكمال والخير والقوة والدوام’، كما نشير أيضا إلى مفهوم المقدر ليس أحادي الجانب، بل فيه جوانب وعناصر وجدانية وتفكيرية وخلقية ووظيفية وحيوية وغير ذلك، وهو ما يشكل مصدرا للالتباس في شأن مضمون كل مقدر، إن لم يكن غموضه، وخاصة أن المقدر المعين يعبر عنه بكلمة معينة من كلمات اللغة المشتركة، لكنه من الصعب كثيرا، وأحيانا يكون من المستحيل أن يتوصل المستمع أو القارئ إلى مكنون المعنى الذي تعبر عنه كلمات ‘بديع’، أو ‘جميل’، أو ‘عظيم’ أو ‘شريف’ التي يلقى بها القائل إلى السامع، حتى لقد يكون هو وحده من يدري ما يقصده بها حقا”.

إدراك الجمال حسب الباحث عزت قرني يأتي غامضا مختلطا في البداية

وأضاف أن تصور الجمال أو معنى الجمال ومن ثم مفهومه يحتل مكانة بارزة في حياة الذهن، لأنه من أهم المقدرات من حيث تجربة الإعجاب والتمتع، وهو يرتبط إلى درجة عالية، وعلى الخصوص بتقدير المرئيات من تكوينات وأشكال ومناظر وألوان وحركات وأداءات بأنواعها، بل امتد وصف الجميل لينال غير المحسوسات في طرائق التعبير العادية، فيقال أحيانا عن غير تدقيق في لغتنا العربية وفي غيرها “نفس جميلة” و”فكرة جميلة” إلى غير ذلك، ليصل الأمر إلى قول انتشر ترديده في العقود الأخيرة ولأهداف معينة، وهو “أن الله جميل يحب الجمال” وإن لم يظهر الجمال بين أسماء الله الحسنى.

وترتبط التعبيرات المتواترة عن الجمال بينه وبين النساء والحب والزهور والترف والفن بصفة خاصة، وكثير من الأديان القديمة وضعت له أربابا، ومن الأناث بصفة خاصة، فهناك “حاتحور” المرية، و”أفروديتي” اليونانية، إلى غير ذلك. ويمكن القول إن عامل الجمال بأعم ما لهذه الكلمة من معنى يختلط مع كل إدراك حسي إلى درجة أو أخرى، عند الإنسان مؤكدا، وفي سائر الأعمار ومنذ الحالة الجنينية على ما تدل تجارب تأثير أنواع الموسيقى على الجنين في بطن أمه، وربما أيضا عند بعض فصائل الكائنات الحية كما عند الطيور مثلا.

ورأى قرني أن إدراك الجمال يأتي غامضا مختلطا في البداية، ثم يتحدد شيئا فشيئا، وأنه يصبح أكثر وأكثر قرينا بارزا لقمة الحياة، ألا وهي الازدهار. بل إنه يلوح لنا أحيانا وكأن الجمال هو الثمرة الأعلى للحياة، وإن لم يصلح وحده مقوما لها تقوم عليه، لكنها تنتجه وقد تستهدفه ضمنا. ولماذا لا نذكر هنا هذا الافتراض الذي يظهر عجيبا: أليس للشيء الجميل هو نفسه “نظام عصبي” وقد يكون ساكنا أو ديناميكيا؟ وفي هاتين الكلمتين الأخيرتين يجتمع مفهوما النظام والجهاز العصبي اللذان هما من أهم مداخل محاولات فهمنا لظهور مفهوم الجمال نفسه.

وأشار الباحث إلى أن الجمال ليس بشيء، ولا هو جوهر، وإنما هو مجموعة من الصفات والكيفيات والعلاقات تتوافق معا في تعينها في الشيء المعين، وهو الموجود تصوريا من قبل صلته بصفة الجمال، وحين تدخل هذه الصفات والكيفيات تصوريا وليس زمانيا على الشيء المعين، فإنه يتصف بصفة الجمال أو يصبح من الممكن للمدرك المقدر أن ينسب إليه صفة الجمال.

ولا يجب أن يفهم من هذا الكلام أن هناك شيئين؛ الشيء المعين من جانب والجمال من جانب، ولا أن الشيء يكون بتمامه أولا، في الزمان، ثم يدخل عليه الجمال من بعد ذلك كالضيف الزائر أو كالزينة المضافة على الوجه أو الثوب، إنما المقصود هو محض التمييز التصوري بين الشيء من حيث هو كيان معين، وليكن مثلا زهرة أو منظرا طبيعيا أو جسدا إنسانيا أو فرسا أو لوحة تصويرية أو نحتا وما شابه، وبينه هو نفسه لكن من حيث “تقديره” بأنه جميل لوجود سمات فيه رأى أو قدّر المدرك أنها تجعله يبدو جميلا.

تصور الجمال أو معنى الجمال ومن ثم مفهومه يحتل مكانة بارزة في حياة الذهن لأنه من أهم المقدرات

وتابع قرني أن الخطر الحقيقي الذي يعوق الفهم السليم لظاهرة الجمال، أي وجود أشياء نسميها أو نصفها بالجميلة، هو “تشيؤ” الجمال، أي توهم وجود شيء خارجي في العالم أو موجود ما ذي وجود موضوعي على نحو أو آخر، وهو ما قد ينزلق إليه الفكر بسبب وضع أداة التعريف قبل الاسم، ولسهولة الانتقال من الكلمة إلى صيغة الاسم إلى تصور وجود ما يقابلها في عالم الوقائع.

وفي رأيه إن الجمال هو تصور ذهني ومفهوم، كما أنه مصطلح تعميمي نتيجة لاستقواء عدد من الأشياء التي وصفت بنفس الصفة، أي أن المقصود دائما بالجمال هو سمة ما هو جميل، ثم تتبعه كيفية معينة في الإدراك وصفه في التقدير. وعليه فإنه يصعب أن نقبل أن يكون للجمال مضمون معين، لأن المضمون يكون من حيث الأساس، وبالمعنى القوي للكيانات، والأفضل أن نستخدم مصطلحا أقل قوة من مثل “دلالة” أو حتى “معنى”، وهما المستعملان للكلمات الدالة على تصورات في الأذهان على كيانات الأعيان. إن الشيء الخارجي هو صاحب المضمون لأن له خصائص موضوعية مادية، سواء أكان منظرا طبيعيا أو جسم حيوان، أو هيئة إنسان أو لوحة أو لحنا وما إلى ذلك، فيجتمع في موقف تقدير ما هو جميل، أو “التقدير الجمالي” بهذا المعنى وبه وحده، ما هو موضوعي وما هو ذاتي معا في رباط وثيق.

ولفت قرني إلى كيان الجميل موضحا أن الجميل هو شيء وصف الجمال، أي تم تقديره على أنه جميل عند مدرك ما أو عدد من المدركين.

وهنا نعود إلى موضوع الجمال نفسه، لأنه لا جمال إلا من خلال توسط، والجميل هو الوسيط الذي يجعل مفهوم الجمال يظهر أمامنا. وأنه من غير المناسب أن نتصور أن الجمال صفة أو سمة أو كيفية منفصلة عن الشيء ومتميزة عنه، وأنها تأتي إليه أو تحل فيه أو تدخل عليه، بسبب استقلالها عنه ووجودها السابق عليه، وإنما الأمر أن الجمال صفة في التقدير تُخلع ذهنيا وتصوريا على الشيء لوجود سمات موضوعية في ذلك الشيء، وتؤهله لأن يدرك المدرك له كيفية معينة في إدراكها، أي تلك السمات، هي التي يسميها “الجمال”. وعلى هذا فإن “الجميل شيء” هو مختلف كيانا عن صفة الجميل التي ستسبغ عليه، وقد ترفع عنه تلك الصفة، لأن سمات الجمال لم تعد موجودة أو قائمة في الشيء، فلا يعود جميلا، أي لا يعود موصوفا بتقدير الجمال.

وأوضح أن الجميل عموما قد يكون شيئا مثل الوجه وتلك اللوحة، وقد يكون حركة أو أداء أو حدثا، مثل الرقصة واللحن والموسيقى والمنظر الطبيعي “سواء كان متحركا كمنظر الغروب المعين، أو ساكنا، لأن كل ما في الطبيعة الخارجية ونتوهم أنه ساكن، إنما يتم إدراكه في إطار حركة كل الظواهر الطبيعية من حوله؛ فنحن لا ندرك جبل الثلج بمفرده وإنما في إطار درجة الضوء المعينة الناتجة عن حركة الأرض بإزاء الشمس في اللحظة المعينة وفي إطار حركة السحاب وما إلى ذلك”. ومن المفهوم أننا مع الجميل ننتقل من سمة الجمال إلى الموسوم بالجمال، ومن الصفة في التقدير إلى الموصوف الخارجي أي الجميل.

الجمال والقبح

Thumbnail

رأى قرني أن هناك مرجعية وجودية للجمال تتمثل في أنه لا يكون إلا في جميل، أي في شيء متعين، وأن هذا المتعين مركب بالضرورة، وبالتالي فإنه نتيجة لعلاقات، كما أنه لا يمكن أن يكون منعزلا عن بقية أشياء العالم بل هو بالضرورة على صلات شتى مع غيره، وهذا كله يدعو للانتباه إلى أمرين يستحقان الاعتبار: الأول هو أن كل جميل لا يمكن أن يدرك منعزلا عن أشياء غيره، وبالأخص عما يكون “محيطا” له بصفة عامة، ويشكل “خلفية” قريبة منه أو ملاصقة له بصفة خاصة، ولذلك “المحيط” ولتلك “خلفية” تأثيران مهمان، إن لم يكن على وجود الجميل، فعلى الأقل على نوعية وكيفية إدارك المدرك له، والثاني أن جمال الجميل يتأثر إلى درجة ملحوظة بعلاقات وتناسبات الامتلاء والفراغات داخل تكوين الجميل، وهو تأثير يظهر في شكل الجميل كما يؤثر على كيفية الإدراك له.

الجميل لا يمكن أن يدرك منعزلا عن أشياء غيره فهو مجموعة من الصفات والكيفيات والعلاقات تتوافق معا

وأكد أن على كل من يتكلم عن الجمال أن تكون عنده فكرة واضحة ولو بعض الشيء عن القبح، وإن كان هذا لا يعني الكلام عن الأمرين على نفس الشكل، وهو يقابل ما حدث عند كتابتنا عن فكرة الخير من جهة ونظرية الشر من جهة أخرى، ومع ذلك فإن تعريفنا للقبح سيكون على نفس نسق تعريفنا للجمال، لكن بالضد:، فالقبح هو سوء التكوين المنفر الباعث على التقزز.

و”سوء التكوين” يشير إلى الأساس الموضوعي القائم في الشيء الذي نسميه قبيحا، و”المنفر” هو نتيجة الإدراك والتقدير، و”باعث على التقزز” يشير إلى أثر إدراك القبيح في ذهن المدرك، لقد رأينا أن الجمال تكامل وتآلف بين العناصر وتواؤم وتوافق، بينما القبح يكون اللاتكامل والتنافر بين العناصر بما يؤدي إلى التشوه، وبينما الجمال اتجاه نحو الكمال، فإن القبح يقع في النقص وفيه هبوط وتدن وسقوط. إن سوء التكوين والتشوه والنقص من أهم عناصر الموضوعية في تكوين القبيح.

ولما كان الجمال يتوجه إلى الوجدان خاصة من خلال الحواس، تطرق قرني إلى تأثيره الوجداني موضحا أن المعتاد أن يظهر الجمال أمامنا فجأة ونادرا ما ننتظر قدومه في توقيت محدد، ولا شك أن عامل المفاجأة يزيد من حدة تأثير الإدراك الجمالي، ويقال أحيانا في هذا الصدد إن المرء “حبس أنفاسه” عند إدراك الجمال مرئيا كان أم مسموعا، وهو ما يؤدي إلى أن “يترك كل ما بيده” ليتفرغ لرؤية الجميل وسماعه، ويحدث في أثناء هذا كله لمحات من الاحترام العالي، ولا نقول “التوقير” الذي يليق بالعظيم والسامي الذي نتصاغر أمامه وقد نخشع.

وأكد أن الحرمان من الجمال يمكن أن تكون له نتائج سلبية منوعة، وعلى الدراسات الخاصة أن تقوم بفحص الأمر، وكذلك فحص الحالة المقابلة المتصلة بالإشباع والشبع والتشبع، ونعتقد مبدئيا أن منحنى التشبع ينطبق هنا كما ينطبق في حالات إنسانية أخرى. والأقوال الشعبية تعادل بين قوة المال وقوة الجمال، حين تقول عن المرأة البائسة في عيون الناس إنها “بلا مال ولا جمال”، مما يدل على أهمية الحرمان من الجمال. إن الجمال لا ينشئ في وجداننا مشاعر من قبيل الانشراح والبهجة والسرور وما شابه، وحسب، بل إن له قوة إيحاء عظيمة، كما يملأنا عادة بالتفاؤل والأمل في الحياة عموما.

يذكر أن الكتاب جاء في فصل تمهيدي وستة فصول، تناول التمهيد نظرية المقدرات، فيما تناول الفصل الأول “تصور الجمال” جذور مفهوم الجمال وتعريف الجمال والجميل ومعاييرهما وشروطهما، وبحث الفصل الثاني “الجميل” في “الجميل” من حيث هو متعين في مادة ومن حيث هو شيء يتجسد أو يظهر في مفهوم الجمال، وتطرق الفصل الثالث “الإدراك الجمالي” للإدراك على مستوى جوانب ثلاثة: الوظيفة الحيوية والظاهرة الذهنية والنشاط الطبيعي، وأيضا التقدير، والشعور، والاستمتاع الجمالي، ليتولى الفصل الرابع “تصنيفات الجميل” عبر معايير الحواس، طبيعة التكوين، صفة الكيان. وتحدث الفصل الخامس عن “علاقات وصلات ومجاورات” الجمال. واختتم الفصل السادس بتأثير الجمال ومكانه في الحياة الإنسانية.

14