المعلومات المتناقضة حول كورونا تحير الناس وتربكهم

غوتيريش يعتبر أن الأسوأ لم يأت بعدُ، وترامب يتنبأ بأسبوع يموت فيه كثيرون.
الاثنين 2020/04/06
ارتباك الساسة طاول كل شيء

مرت أشهر على تفشي فايروس كورونا في مختلف دول العالم، إلا أن المواقف والتقارير العلمية أو السياسية بقيت متضاربة بشأن العلاج من الوباء أو التوقي منه، حيث لم يقدم العلماء أيّ معلومات قد تفيد في التعامل مع الوباء؛ حتى بات الناس يشكون أن في الأمر مؤامرة عليهم. حيرة تتطلب طرح الكثير من الأسئلة حول كورونا، والوقاية منه، واحتمالات علاجه، وما قد يترتب عنه مستقبلا من آثار اجتماعية واقتصادية وثقافية.

تونس – يفوق عدد ما كتب عن كورونا من كلمات، خلال أشهر ثلاثة، عدد كل ما كتب حول أي موضوع، في المئة عام الأخيرة، خاصة إذا ما أحصينا أيضا تعليقات ومساهمات رواد المواقع الاجتماعية والمنتديات.

إجراء عملية بحث سريع على محرك غوغل عن كلمة كورونا باللغة الإنجليزية، يعطينا في أقل من ثانية ما يقارب 3 مليارات نتيجة، بين خبر ومقال وصورة. أما الكلمة نفسها باللغة العربية سينتج عنها ما يقارب 400 مليون نتيجة.

هناك حتما أكثر من مئة لغة تُنشر بها الأخبار في العالم، من بينها لغات يفوق ما ينشر بها ما باللغة الإنجليزية، مثل الصينية والإسبانية.

هذا جزء من الصورة فقط. هناك بالتأكيد عدد أكبر من المساهمات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

99 في المئة مما ينشر من مادة إعلامية، بات مخصصا للحديث عن وباء كورونا ومتابعة أخباره. مواقع أونلاين عديدة أضافت إلى صفحاتها أدوات تتابع أرقام انتشار كورونا بالتفصيل؛ عدد الذين توفوا وعدد الإصابات وعدد من شُفي، في كل زاوية من زوايا الأرض.

أسئلة حارقة

المناعة هي عامل الحسم في التغلب على الفايروس
المناعة هي عامل الحسم في التغلب على الفايروس

تتضمن العينة التي تساهم في نشر المعلومات حول الإنترنت، رؤساء حكومات، وملوكا، ووزراء، ومدراء عامين، وأكاديميين، وعلماء، وسياسيين، وإعلاميين، ومثقفين وعينات من مختلف فئات الشعب والطبقات، بما فيهم المنجمون والدجالون.

دعونا الآن نضع قائمة من الأسئلة حول كورونا، والوقاية منه، واحتمالات علاجه، وما قد يترتب عليه مستقبلا من آثار اجتماعية واقتصادية وثقافية.

بالتأكيد، مثلها مثل أي موضوع يعرض للاستفتاء، ستأتي الردود متضاربة، وهذا متوقع ومقبول. ولكن، الغريب في أمر كورونا، أن تبقى الآراء متضاربة بعد ثلاثة أشهر من الإعلان عن المرض والتعرف على الفايروس.

لنترك الجوانب العلمية للعلماء، الذين لم يقدموا حتى تلك اللحظة أيّ معلومات قد تفيد الناس في التعامل مع الوباء؛ مثال على ذلك استخدام الكمامات، حتى بات الناس يشكون أن في الأمر مؤامرة عليهم!

هناك نقص حاد جدا في أعداد الكمامات، حتى إن اقتصر استخدامها على العاملين في القطاع الصحي، خاصة إذا علمنا أن الكمامة تستبدل عدة مرات في اليوم ولا يعاد استخدامها.

خلال ثلاثة أشهر أكد العلماء، أن فايروس كورونا لا ينتقل عبر الهواء، بل ينتقل بالملامسة المباشرة، أو عبر الرذاذ المتطاير من شخص مصاب، خلال السعال أو العطس، وبنيت على أساس هذه الحقيقة، توجيهات وتعليمات للناس للالتزام بها.

العلماء لم يقدموا أيّ معلومات قد تفيد في التعامل مع الوباء؛ حتى بات الناس يشكون أن في الأمر مؤامرة عليهم

التعليمات تقول بضرورة غسل اليدين، واستخدام مطهرات تحتوي نسبة كحول لا تقل عن 60 في المئة، وعدم الملامسة، والاحتفاظ بمسافة أمان تفصل بين الأشخاص، لا تقل عن متر ونصف.

السياسيون عملوا بهذه التعليمات، وفرضوا بناء عليها حجرا صحيا، التزم الناس به.

أقفلت المطاعم والحانات والفنادق والمقاهي، وألغيت الحفلات، وأكره الناس على عدم تشييع موتاهم إلى مثواهم الأخير، انقلب العالم رأسا على عقب. لتأتي اليوم معلومات تبين أن كل ما اتخذ من إجراءات بني على معلومات منقوصة، أهمها أن الفايروس ينتقل بالهواء عبر التنفس.

وأن بإمكانه البقاء نشطا في الجو لمدة تصل إلى أيام، وليس بضع ساعات كما قيل لنا بداية.

هذا يعني بالضرورة، أن الكمامة التي قيل لنا أيضا أننا لا نحتاجها، أصبحت ضرورية جدا للوقاية من العدوى، ومن هنا بدأت حرب الكمامات، التي اتهم فيها، أندرياس جايزل، وزير داخلية ولاية العاصمة الألمانية برلين، مسؤولين أميركيين في تايلاند بمصادرة كمامات وجه طبية، متهما الولايات المتحدة بـ”القرصنة العصرية” واستخدام “أساليب الغرب المتوحش”.

بعد فترة من الاستخفاف بدور الكمامات للوقاية من الفايروسات، أكد مدير معهد الأمراض المعدية، أنطوني فاوتشي، وهو عضو في خلية الأزمة بالبيت الأبيض، أنه لم يعد هناك شك في أن الفايروس ينتقل في الهواء “عندما يتبادل الناس الحديث، وليس عند السعال أو العطس فحسب”.

ونتيجة لتصريحات مستشاره هذا نصح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الأميركيين بتغطية وجوههم خارج بيوتهم.

وبدّلت دول غربيّة عدّة من بينها ألمانيا وفرنسا مواقفها، وباتت تشجّع حتّى على استخدام الأقنعة المصنوعة في المنازل، رغم أنها كانت تشدّد سابقا على أنّ العاملين في مجال الصحة وحدهم من يحتاجون إلى تغطية وجوههم. وكان طبيعيا أن يثير هذا التحوّل قلق السكان ويربكهم.

تبدل الخطاب

حرب الكمامات تستعير
حرب الكمامات تستعير 

مع تجاوز عدد الإصابات المؤكدة بالفايروس على الأراضي الأميركية الـ300 ألف، تحول الرئيس الأميركي إلى عراف فجأة، وحذر من أن الولايات المتحدة تدخل “مرحلة ستكون مروّعة فعلا”؛ هذا الأسبوع “سيكون أقسى أسبوع على الأرجح (…) وسيموت كثيرون”.

أدخل ترامب البلاد بهذه التصريحات في حالة خوف وذعر، لذلك يستعد الأميركيون للأسوأ؛ يبنون مستشفيات ميدانية من لوس أنجلس إلى ميامي، تضم آلاف الأسرة الإضافية المخصصة للإنعاش، إلى جانب الاستعانة بسفن طبية عملاقة رست في نيويورك. لا شيء مؤكدا في الحرب على كورونا، بداية من طرق العدوى، ومرورا بطرق العلاج، وانتهاء بالآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على الوباء.

الشيء الوحيد المؤكد، هو أن المناعة هي عامل الحسم في التغلب على الفايروس. عقود من العادات الغذائية السيئة، تسببت في وباء من البدانة والسكري ومشكلات صحية أخرى مرتبطة بذلك، جعلت البشر أكثر عرضة للإصابة بالفايروسات.

ولا ننسى أيضا التلوث البيئي الذي ساهم هو الآخر في خفض مناعة البشر، وإساءة استخدام المضادات الحيوية، ليس فقط بالتناول المباشر، بل أيضا عن طريق تناول اللحوم والأسماك والدواجن التي تعالج بالمضادات الحيوية.

تأذى الاقتصاد العالمي بسبب الوباء وتبعاته. في جميع أنحاء العالم، يدفع العمال الثمن جراء تفشي الفايروس.

وخلّف الخوف من المرض والعزلة وفقدان العمل عواقب نفسية، ليرتفع الطلب على الأخصائيين النفسانيين، ويزداد الاتصال بخطوط الهاتف، لمن تراودهم فكرة الانتحار.

كل ذلك حصل، والأسوأ لم يأت بعدُ، في البلدان التي تشهد نزاعات، وفق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي كرر دعوته لوقف إطلاق النار في جميع أنحاء العالم للمساعدة في القضاء على الوباء.

وهناك قلق من تفشي الوباء في مناطق تجمّع اللاجئين في مختلف أنحاء العالم، ولاسيما في أفريقيا، وكذلك في أوروبا، حيث تكتظ مخيمات الهاربين من الحرب أو الفقر دون توفير رعاية كافية.

أوروبا، المجهزة بشكل جيد للتعامل مع الوباء، حيث تبلغ نسبة الأطباء فيها 37 طبيبا لكل عشرة آلاف شخص، ضربها كوفيد-19 بشدة ، موديا بحياة أكثر من 35 ألف شخص حتى الآن، فما بالك بأفريقيا التي تعاني من أزمة في الغذاء، وتبلغ فيها نسبة الأطباء للسكان، طبيبا واحدا لكل عشرة آلاف شخص.

تنامي أعداد الوفيات بين لحظة وأخرى
تنامي أعداد الوفيات بين لحظة وأخرى

وتقع قارة أوروبا حاليا في بؤرة تفشي جائحة كورونا الفتاكة، لكن المرض الذي يفتك بالجهاز التنفسي قد توسع أيضا في قارة أفريقيا، حيث لا تزال ذكريات تفشي فايروس إيبولا حاضرة في الأذهان بعدد من بلدان القارة.

دق المنسق الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، ناقوس الخطر مؤكدا أن أفريقيا مصدر قلق خاص لأوروبا، فهم جيران لها، وقد يخرج الوباء عن نطاق السيطرة بسرعة كبيرة.

نفس التحذير كرره وزير التنمية الألماني، جيرد مولر، معربا عن مخاوفه من أن تؤدي جائحة كورونا إلى اندلاع المزيد من العنف وحركات اللجوء في أفريقيا. والأمر أسوأ في دول تعاني من صراعات وحروب.

ملايين الأفراد في الدول النامية فقدوا وظائفهم بالفعل، وهم لا يمتلكون أي تحوّط مالي أو دخل. هناك اضطرابات.

 الجماعات الإرهابية تشن هجمات بقوة بغرض إسقاط حكومات. وستكون عاقبة ذلك الفوضى، حتى الحرب الأهلية وموجات اللجوء. وهذا كله سيمسّ أوروبا، كما يؤكد مولر.

عدد الإصابات عبر العالم تجاوز المليون و250 ألف إصابة، إلا أن هناك من يعتقد أن الرقم الحقيقي أكبر بكثير، وأن ما يصل إلى عشرة ملايين شخص على مستوى العالم ربما أصيبوا بالفايروس، لكن نقص الاختبارات في بعض البلدان لا يكشف عن العدد الحقيقي للمصابين.

هذا ما أكده رئيس الخدمات الطبية في أستراليا، الذي قال إن الكثير من الإصابات لا يتم اكتشافها.

هذا الكلام مخيف ومطمئن في آن واحد؛ إن كان عدد الإصابات 6 ملايين إصابة، حسب التوقع الأدنى، وهو مبني على خمسة أضعاف ما هو معلن، 1.2 مليون حتى صباح أمس، وكان عدد الوفيات 65 ألفا. فإن نسبة الوفيات بين المصابين هي 1 في المئة تقريبا.

وفي حال كان عدد الإصابات عشرة أضعاف ما هو معلن، فإن هذه النسبة ستنخفض إلى النصف، أي نسبة الوفيات لن تتجاوز 0.5 في المئة ممن يتعرضون للإصابة بالفايروس.

هذه القراءة، تم الحديث عنها منذ الأيام الأولى لظهور كورونا، ولأسباب يطول شرحها تجاهلها السياسيون في ما بعد، وفي حال ثبتت صحتها، فإن الإجراءات المتخذة على مستوى دول العالم مبالغ فيها جدا. كان يكفي أن يتم حجر ورعاية من هم في خطر، من كبار السن، ومرضى السكري والقلب وغيرهما من الأمراض التي تضعف مناعة الجسم. الخوف من الإصابة بفايروس كورونا، يهدد الناس بقدر تهديد الفايروس نفسه أو أكثر. الاقتصاد العالمي اليوم مشلول، وإن كان ثلث العالم قادرا على تحمل الثمن، فإن ثلثي العالم سيدفع الثمن.

ينبغي على الحكومات اتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة التي يوصي بها مسؤولو الصحة، ومواصلة العيش كالمعتاد دون الحاجة إلى إثارة الذعر والهلع.

6