المكاشفة الأميركية والابتزاز التركي

لم يعد الأتراك يمتلكون رفاهية اللعب على الحبال بين قطبي الحرب الباردة. يغازلون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كلما أرادوا الضغط على الرئيس الأميركي دونالد ترامب والعكس صحيح.
الخميس 2019/06/13
لا بد من الاختيار بين موسكو وواشنطن

تحوّل التهديد اللفظي إلى واقع. أُنزِل الطيارون الأتراك من المقاتلات الأميركية (أف- 35) وأُوقفوا عن التدريب. شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية (أس- 400) أو شراء المقاتلات الأميركية. لا يمكن لتركيا الجمع بين الصفقتين.

ويقال وراء الأكمة ما وراءها. وما وراء قرار الكونغرس الأميركي بفرض عقوبات على أنقرة بسبب صفقة الصواريخ الروسية، رسالة واحدة فحواها باختصار: انتهى عصر الابتزاز التركي، ومن ليس معنا فهو ضدنا حتى لو كان عضوا في حلف الناتو. اللعب بنا سيؤدي إلى عقوبات تضر بالبشر والحجر.

لم يعد الأتراك يمتلكون رفاهية اللعب على الحبال بين قطبي الحرب الباردة. يغازلون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كلما أرادوا الضغط على الرئيس الأميركي دونالد ترامب والعكس صحيح. لا بد من الاختيار بين موسكو وواشنطن.

يحق للرئيس دونالد ترامب أن يضع يده بيد الروس، ولكن لا يحق للرئيس التركي رجب طيب أردوغان فعل ذلك. مكاشفة وقحة من الأميركيين ولكنها منطقية لسببين.

الأول هو أن تعاون وتنسيق واشنطن وموسكو في سوريا لم يكنا ضد أنقرة، في حين أن موسكو وجدت في أنقرة حصان طروادة الذي تسللت عبره إلى حلف دول أصدقاء سوريا، وحلف الناتو. باعت تركيا فصائل المعارضة السورية الواحدة تلو الأخرى مقابل احتلالها عفرين وبعض أجزاء من الشمال الغربي لسوريا، وباعت أمن الحدود الجنوبية لحلف الناتو مقابل منظومة الدفاع الروسية أس- 400.

تعلن المكاشفة الأميركية عن فتح جبهة جديدة لترامب في المنطقة. قد يبدو هذا سيئًا إذا كان يريد حشد الحلفاء على الجبهة الإيرانية، ولكن من يضمن أن لا تمارس أنقرة ابتزازها للولايات المتحدة على هذه الجبهة أيضا

السبب الثاني لوضع تركيا على قائمة الأعداء المحتملين للولايات المتحدة، هو أن ابتزاز أردوغان للغرب بلغ ذروته، وضاق الأميركيون والأوربيون به ذرعا. مرة يبتزهم لأغراض انتخابية دعائية، وأخرى لتنفيذ أجندة ما في السياسة الخارجية. أما أن يصل الأمر إلى حدود الأمن القومي لهذه الدول، فقد بلغ السيل الزبى.

اختبرت تركيا غضب واشنطن قبل أشهر في قضية القس الأميركي أندرو برونسون. انهارت الليرة التركية تحت وطأة العقوبات الأميركية وراح أردوغان يستجدي العفو والمغفرة. لن تكون العقوبات بسبب صفقة الصواريخ الروسية أخف من سابقتها، ولن يصمد اقتصاد أردوغان في وجهها أيضا.

لا يخشى أردوغان العقوبات الاقتصادية فقط في الرد الأميركي على ابتزازه الوقح، وإنما يخشى أيضا دعمَهم ودعم الأوروبيين من خلفهم للمعارضة التركية ضد حكمه وحزبه. هذا الدعم الذي ساهم بخسارة أردوغان للانتخابات البلدية الأخيرة في مدن عدة على رأسها إسطنبول وأنقرة.

صحيح أن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، حزب أردوغان، تحايل على نتائج البلديات، وحصل على حكم القضاء بإعادة الانتخابات في إسطنبول، إلا أن العداء لواشنطن وبروكسل يمكن أن يجدد خسارته للمدينة، ويراكم خسارته في ملفات كثيرة أخرى لن يساعده فيها قضاء مسيّس.

تعلن المكاشفة الأميركية عن فتح جبهة جديدة لترامب في المنطقة. قد يبدو هذا سيئًا إذا كان يريد حشد الحلفاء على الجبهة الإيرانية، ولكن من يضمن أن لا تمارس أنقرة ابتزازها للولايات المتحدة على هذه الجبهة أيضا، فلطالما كانت أنقرة البوابة الخلفية التي تهرب عبرها طهران من عقوبات واشنطن على برنامجها النووي.

8