الملء الثاني لسد النهضة يكشف عن فقر في المعلومات التقنية لدى المصريين

إثيوبيا انتهت من الملء ولم يحدث أي تأثير كارثي في مستويات نهر النيل.
الخميس 2021/07/22
منسوب النيل لا ينخفض بالتصريحات

القاهرة – أحدث إعلان إثيوبيا انتهاء مرحلة الملء الثاني لسد النهضة مبكرا ارتباكا في حسابات مصر، كما كشف عن فقر في المعلومات التقنية لديها، وهو أمر غطت عليه التصريحات التي كشفت عن مبالغة سياسية قامت بها القاهرة بعد أن هيأت مواقفها الكثيرة المجتمع الدولي والمواطنين لمرحلة حادة من فقر المياه، لكن لا شيء من ذلك قد تحقق.

وارتاحت دوائر مصرية لإخفاق إثيوبيا في تحقيق الملء الثاني كاملا دون أن تدرك هذه الدوائر أن هذه النتيجة تظهر إخفاقا معلوماتيا فنيا لدى الخبراء المصريين، حيث روج الإعلام المحلي أن مرحلة الملء الثاني سوف تصطحب معها قنبلة مائية قابلة للانفجار في أي وقت.

ونزعت إثيوبيا فتيل الأزمة مع مصر، ثم السودان، تدريجيا لأسباب تتعلق بكثافة الفيضان هذا العام وعدم القدرة على استكمال تعلية جدار السد، وهذا ليس صدفة فقد أعلن وزير الري سيلشي بيكلي أن الملء الثاني سيتوقف عند ارتفاع 573 مترا.

عباس شراقي: مصر قد تقبل بالتوافق مع أثيوبيا حول ما يلحقها من ضرر جراء ملء السد
عباس شراقي: مصر قد تقبل بالتوافق مع أثيوبيا حول ما يلحقها من ضرر جراء ملء السد

وقال بيكلي في الثالث من يونيو الماضي إن سد النهضة وصل آنذاك إلى ارتفاع 565.4 متر، وأن العمل جار للوصول بعد عشرين يوما إلى مستوى 573 مترا.

وكان من المقرر، وفق تصريحات سابقة لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد وكذلك لوزير الري، أن تتمّ تعلية سد النهضة حتى مستوى 595 مترا تمهيدا للبدء في الملء الثاني لبحيرة السد بسعة 13.5 مليار متر مكعب، لكن جرى التوقف عند 574 مترا الآن عقب مرور المياه من الممر الأوسط، ويتبقى تركيب التوربينات ليتسنى توليد الكهرباء.

وتوحي هذه التفاصيل الإثيوبية بوجود فجوة في المعلومات المتداولة لدى شريحة كبيرة من المصريين الذين لم تهتم حكومتهم بوضع الحقائق والأرقام الصحيحة أمامهم، واقتنعوا بأن القاهرة على وشك الدخول في مرحلة خطرة من الجفاف وتدمير مساحة كبيرة من الأراضي الزراعية بعد تضخيم الملء الثاني وتصويره ككارثة محدقة وعدم استبعاد التعامل بخشونة مع إثيوبيا.

وقال أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة عباس شراقي إن الحكومة الإثيوبية تحدثت عن مشكلات في استكمال بناء خرسانة السد بسبب تعقيدات في التمويل وتزايد الفوضى الأمنية التي ترتب عليها قطع الطرق في منطقة بني شنقول التي يقام عليها السد، قبل أن تتوقف عملية استكمال تشييد الخرسانة إجباريا إثر بدء الفيضان.

وأوضح شراقي في تصريح لـ”العرب” أن مصر يمكن أن تقبل بما سيلحقها من ضرر وإن تمكنت إثيوبيا من تخزين السعة كاملة بشرط أن يكون ذلك في إطار التوافق على كافة بنود الملء والتشغيل وليس بشكل انفرادي، فقد تقدم إثيوبيا مستقبلا على تخزين كميات كبيرة تشكل خطرا داهما على الأمن المائي المصري.

وأرسل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في خطابه أثناء افتتاحه المؤتمر الأول لبرنامج “حياة كريمة” في الخامس عشر من يوليو الحالي إشارة واضحة للمواطنين تفيد بعدم القلق من التعامل مع الأزمة، ولم يقدم معلومات تفصيلية لتعزيز دواعي الاطمئنان والثقة.

ويؤكد مراقبون أن عدم الإفصاح عن تفاصيل التطمين يقلل من الأهمية السياسية للخطاب الموجه إلى المجتمع الدولي، وهو ما يفسر تكرار بعض المسؤولين ربط اللجوء إلى الخشونة بعبارات من نوع “وقوع الضرر” أو “نقص قطرة مياه واحدة” دون الإشارة إلى أن ذلك لن يحدث حاليا وفقا للمعلومات الفنية.

وكانت القاهرة تنتظر أن تقدم أديس أبابا بنفسها المعلومات الفنية رسميا لاستغلالها كاعتراف منها بعدم قدرتها على إتمام الملء الثاني وجرها لتضمين معلومات أخرى ضمن اتفاق ملزم، لكن إثيوبيا انتبهت إلى ذلك وأعلنت الانتهاء من الملء الثاني بطريقتها.

وكشفت مصادر مصرية لـ”العرب” أن الأقمار الاصطناعية التي تتابع تطورات المياه في بحيرة سد النهضة متاحة للجميع ولم تعد هناك أسرار خافية على القاهرة أو غيرها ممن يتابعون الصور المتعلقة بتطورات السد ويجري بثها كل بضعة أيام.

Thumbnail

وأوضحت أن المشكلة ليست في شح المعلومات بل في توظيفها؛ فقد رفع المسؤولون في مصر سقف مطالبهم وبالغوا أحيانا في تصوير الأضرار الناجمة عن الملء الثاني للوصول إلى اتفاق ملزم وحث مجلس الأمن على التدخل للضغط على إثيوبيا لأن الانتهاء من الملء الثاني بأي نسبة يعني نجاح إثيوبيا في فرض إرادتها السياسية.

ولم تهتم أديس أبابا بالكمية التي نجحت في تخزينها، ولم تفصح عمّا إذا كانت كبيرة أم صغيرة، بقدر اهتمامها بتنفيذ إرادتها المنفردة وتحقيق أهدافها ووعودها المعلنة في الداخل، ومحو فكرة تعمدها حدوث أضرار لكل من مصر والسودان، وبالتالي نزع هذه الورقة التي تستخدمها القاهرة في خطابها حيال المجتمع الدولي وتحريضه ضد إثيوبيا.

وألمحت مصادر سودانية إلى أن الحصيلة المنقوصة التي وصل إليها الملء الثاني متعمدة وجاءت نتيجة جهود قامت بها الولايات المتحدة ومبعوثها إلى القرن الأفريقي جيفري فيلتمان الأسابيع الماضية، بغرض تغليب مسألة عدم وقوع أضرار مباشرة على مصر والسودان وتحقيق هدف إثيوبيا في الملء المنفرد.

وتبدو هذه النتيجة مرضية لجميع الأطراف وتفتح نافذة للشروع في المفاوضات خلال الفترة المقبلة تحت مظلة الاتحاد الأفريقي وربما مشاركة محدودة من جانب قوى دولية، وتؤجل الحديث عن حل عسكري مرفوض أصلا من قوى كبرى، وتمنح دولتي المصب فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة الحسابات مثلما تمنح إثيوبيا فرصة لترتيب أوضاعها المثيرة للقلق في الداخل.

1