الملايين من الطلاب في مصر في مهب طموحات لا تستقيم مع الإمكانيات

سقوط منظومة الامتحانات الرقمية يحرج الحكومة المصرية أمام الشارع.
الثلاثاء 2021/03/02
ضحية سياسات حكومية مرتبكة

القاهرة – وضعت الحكومة المصرية نفسها في مواجهة جديدة مع الشارع، بعدما سقطت منصة الامتحانات الإلكترونية أمام مئات الآلاف من الطلاب في الثانوية العامة (البكالوريا)، ما وسع دائرة الرفض للسياسة التعليمية التي تريد تطبيقها.

عكس التعاطي الرسمي مع الأزمة حالة ارتباك حكومي في البحث عن مخرج يرضي الناس، حيث قررت وزارة التربية والتعليم نجاح كل الطلاب الذين فشلوا في الدخول على منصة الامتحانات، ما نسف فكرة التقييم العادل التي تروج لها وتدافع من خلالها عن تمسكها بالامتحانات الرقمية، في حين تحركت لمساواة المتميزين بمن لم يتم تقييمهم أصلا.

وبلغ الأمر حد مطالبة كثيرين بإقالة طارق شوقي وزير التربية والتعليم، لأنه من تعهد باتخاذ الإجراءات التي تحول دون سقوط منصة الامتحانات، لكن غالبية الطلاب لم تتمكن من الدخول عليها.

جمال زهران: إخفاق الحكومة في التعامل بحنكة وواقعية مع الملفات الجماهيرية
جمال زهران: إخفاق الحكومة في التعامل بحنكة وواقعية مع الملفات الجماهيرية

واتهم شوقي في تصريحات صحافية أطرافا، لم يحددهم، وصفهم بالمتآمرين، يحاولون تعطيل مسيرة التطوير، في محاولة لتبرئة ساحته وإيهام الشارع بأنه نجح في المهمة.

وما يثير شكوك البعض في توجهات ونوايا الحكومة وإنجازاتها على الأرض، أن وزارة الاتصالات أعلنت قبل أيام أن الشركة المصرية للاتصالات حصلت على المركز الأول أفريقيا في كفاءة وسرعة الإنترنت.

واحتفى بهذا “الإنجاز” مجلس النواب ووسائل إعلام رسمية، ما دفع الغاضبين على سقوط منصة الامتحانات للتساؤل: ولماذا أخفق الطلاب في الامتحان الإلكتروني ولدى مصر أضخم شبكة إنترنت بالقارة؟

وقال شريف محمد، وهو صحافي وأب لطالب بالبكالوريا، لـ”العرب”، إن غضب الناس له مبرراته، فالآلاف من الأسر وافقت على مضض على نزول أبنائها إلى لجان الامتحانات وسط جائحة كورونا، لكن الأسئلة نفسها غابت عن الحضور.

ولم يكن أمام الأهالي سوى القيام بثورة إلكترونية على شبكات التواصل الاجتماعي كي تستفيق الحكومة وتفهم حقيقة أنها تريد تطبيق نظام أكبر من إمكانياتها بدافع الطموح.

ومنذ إطلاق مشروع التقييم الرقمي من جانب الرئيس عبدالفتاح السيسي قبل ثلاث سنوات، هناك فجوة بين الحكومة والأهالي، فوزارة التعليم تحاول إقناع رأس الدولة بوجود مقاومة مجتمعية غير مبررة لإقرار سياسة عصرية، في حين يتمسك الناس بالواقعية، لأنهم لن يسمحوا بتحويل أبنائهم لحقول تجارب في بيئة ملغمة بالمشكلات وتفتقد الحد الأدنى من الإمكانيات.

وسبق أن سقط نظام الامتحانات خلال الثلاث سنوات الماضية، وفي كل مرة تقول الحكومة إن ذلك لن يتكرر، ما جعل الناس تفقد ثقتها في الخطاب الموجه إليها بشأن قضية تمس الملايين من الطلاب، وتضع مستقبلهم بيد مسؤولين ليست لديهم حلول واقعية تحول دون الأزمة.

وصار كثيرون يتعاملون مع ملف التحول الرقمي المراد تعميمه على كل المؤسسات بحالة من الريبة والتشكك في نوايا وإمكانيات الحكومة، لأنها أخفقت في حماية منصة امتحانية تستهدف مليونا و400 ألف طالب في الصفين الأول والثاني الثانوي، فكيف لها أن تنجح في تعميم التكنولوجيا على جميع المجالات؟

وعكست الأزمة وجود فجوة شاسعة بين ثلاثية: السياسات والطموحات والإمكانيات، ما يفسر اتساع دائرة الغضب على الحكومة، فهي ترغب أن تكون مصر دولة رائدة في تطبيق الامتحانات الرقمية ولها سياسة تعليمية تضاهي مثيلاتها في دول غربية متقدمة، ولا تمتلك رؤية ولا إمكانيات تؤهلها لهذه المكانة.

وأكد جمال زهران أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس، لـ”العرب” “أن المشكلة أكبر من مجرد سقوط منصة امتحانية، حيث تكشف الستار عن إخفاق الحكومة في التعامل بحنكة وواقعية مع الملفات الجماهيرية، وهناك دوائر لم تقتنع بعد بأن المشروعات التي تمس صميم حياة ومصير الناس وأولادهم تحتاج لعقلانية في التطبيق بعيدا عن فرض سياسة الأمر الواقع، لأن هذه مخاطرة”.

Thumbnail

ويصعب فصل التذمر من السياسة التعليمية عن ارتباك الحكومة في تحديد الأولويات التي تمكنها من تحقيق التناغم بين الطموحات والإمكانيات، فهي تتمسك بأن يكون تطوير التعليم عبر العقول لا إنفاق المليارات من الجنيهات على الجدران والبنية التحتية، مع أن منظومة الامتحانات الإلكترونية وإن كانت تستهدف تحسين المنتج، بحاجة إلى إمكانيات ضخمة بالمدارس.

وباتت تتكرر نفس النبرة مع كل امتحانات رقمية، بما يكشف حجم التذمر من تركيز الحكومة على قطاعات بعينها وتجاهل تأمين مستقبل أولادها تعليميا، فشريحة كبيرة أعادت فتح ملفي الطرق والكباري والمدن الجديدة التي تشيدها الحكومة بمبالغ فلكية، فيما تصر على عدم توفير بيئة خصبة بالمدارس تضمن نجاح نظام التعليم الرقمي، واتسعت دائرة المقارنة تحت شعار: أيهما أهم؟

ويرى متابعون أن معضلة الحكومة في مصر أنها تريد إقرار سياسة طموحة، لكن خطابها للشارع لم يرتق بعد إلى مرحلة الإقناع، وأمام الإصرار على التطبيق بدافع الطموح لبناء دولة ذات قوام عصري، صارت المقاومة كبيرة.

وأضاف زهران أن خطورة الأزمة الراهنة تكمن في ارتباطها بالخط الأحمر عند الأهالي، أي المساس بمستقبل الأبناء، وهؤلاء يمثلون الاستثمار الأهم لكل أسرة، ولا يمكن أن تقف هذه الفئة مكتوفة الأيدي أمام حكومة تتعامل مع مشروع التعليم كمحور تنمية تسابق الزمن للانتهاء منه.

وتعتقد دوائر سياسية أن المشكلة أعمق من كونها خلافا بين الحكومة والمواطنين على طريقة الامتحانات، ورقية أم إلكترونية، والأبعاد الحقيقية مرتبطة بأنه لأول مرة تقريبا يتم إلصاق اسم السيسي في مشروع قومي يتمسك المستهدفون منه بأنه “مشروع فاشل”، بغض النظر عن النوايا الطيبة للتطوير والتغيير للأفضل، ما وضعه كرئيس في حرج أمام كتلة مجتمعية كبيرة.

Thumbnail

وتخشى أصوات مؤيدة للنظام أن تتأثر المشروعات الطموحة التي يريد السيسي تنفيذها بالغضب الأسري من تجاهل الحكومة التعاطي بحنكة مع ملف التعليم كأولوية يفترض أن تسبق أي مشروعات أخرى، باعتبار أن إنفاق المليارات من الدولارات على قطاع بعينه ورفض توفير نسبة جيدة للتعليم، أمر يثير الشكوك حول أن تطوير المنظومة التعليمية دعاية سياسية فقط.

وخطورة الموقف أنه حتى لو راجعت الحكومة نفسها وتعاملت بواقعية للتوفيق بين السياسات والطموحات والإمكانيات وتراجعت عن استكمال منظومة الامتحانات، فإنها قد تدخل معركة جديدة مع اتهامها بتبديد المال العام في استيراد أجهزة “تابلت” وشراء محتويات إلكترونية وبناء شبكات إنترنت بلا جدوى.

2