الميلودي شغموم كاتب اختار عزلة الإبداع

الروائي الميلودي شغموم يعتبر واحدا من مؤسسي صرح السرد المغربي الحديث له قدرة كبيرة على أن يولد مع كل نص جديد بفضل صياغته لملامح المراحل.
الأربعاء 2020/10/28
كل كلام بقدر ما يكشف يستر

من واجب الدول الوقوف إلى جانب مبدعيها في اللحظات الصعبة، حيث العناية بهم هي عناية بإرث ثقافي وإبداعي قبل كل شيء. وهذا ما دعا إليه اتحاد كتاب المغرب في ما يخص الروائي المغربي الميلودي شغموم الذي تعرض أخيرا إلى وعكة صحية. نتوقف هنا عند ملامح من آراء الكاتب ورؤاه حول الكتابة والفن والثقافة.

الميلودي شغموم من الأسماء الروائية البارزة في المشهد الروائي المغربي منذ بداية السبعينات، وهو حاليا يمرّ بصعوبات صحّية مقلقة، حيث أعلنت اللجنة التحضيرية للمؤتمر الاستثنائي لاتحاد كتاب المغرب، أنّها تتابِع بقلق “الحالة الصحية للكاتب المغربيّ الذي نُقِل إلى إحدى مصحّات الرّباط، حيث يقيم، إثر وعكة ألمَّت به”، متمنية أن تكون عابرة، وأن تنتهي بـ”عودته السريعة إلى إسهامه المعهود في إثراء المشهد الثقافيّ المغربيّ”.

يقول الإعلامي شكري البكري، حول الوضع الصحي لشغموم، “هل تعرف خطأك صديقي؟ خطؤك أنك ظللت منزوياً لإبداعك، زاهداً في أغراضهم. إنه خطأ فادح صديقي في زمن الادّعاء والزيف. فلا لوبيات لك اليوم ولا قوة ضاغطة.. وإلا لقاموا بما يلزَمُ غيرَ تدبيجِ سيرتك الذاتية والإبداعية، ترى ما معنى أن تكون كاتباً حقيقياً هنا؟ لا شيء دون لوبيات وقوات ضاغطة”.

وقد التمست اللجنة التحضيرية للمؤتمر الاستثنائي لاتحاد كتاب المغرب، في بلاغ لها، توصلت “العرب” للحصول على نسخة منه، مِن “الجهات الرسمية المسؤولة عن الثقافة في البلاد، وكل مَن له غيرة على هذا القطاع الحيويّ، توفير شروط العناية الصحية التي تليق بالوضع الاعتباريّ للميلودي شغموم، ومكانته الأدبية والفكرية المرموقة، حتى يَعبر هذه المحنة بسلام”.

بعيدا عن الضوء

إبداع

كل نص أدبي مناسبة لدى الكاتب الميلودي شغموم، لخلق حفل تنكّري يلبس فيه، ويلبس شخوصه العديد من الأقنعة، فنحن نعيش الحياة فإننا لا نكف عن تغيير الأقنعة وتبادلها، فبعض هذه الأقنعة للصدق أو الكذب، للترائي أو التخفي، للعدوانية أو طلب السلامة، للشجاعة أو الجبن، للأمان أو الخوف.. إلخ. لكنها جميعها للتنكر، لإخفاء شيء وإظهار شيء آخر، هكذا يرى الميلودي شغموم الروائي والقاص، الحياة الناس والأشياء.

في لقاءاته يعجبه الرجوع إلى الطفولة بما تختزنه من ذكريات وأماكن وبشر وغيرها، فمنذ غادر بلدته الرهادة وهو ضال، كما يقول، “تركت هناك طفولتي إضافة إلى طفولة والدي الذي خرج مرغما بدوره من مكان ما في سوس وظل تائها بين الأمكنة إلى أن وجد له موقعا في المعاريف وتبنته عائلة فأصبح ابنا ولكن دون طفولة بدوره”.

بالنسبة إلى شغموم، الأشياء التي نحكيها، كتابيا أو شفاهيا، عن أنفسنا وعن الآخرين، لا يمكن أن تكون قد وقعت بالفعل كما ننقلها، لا نستطيع أن نرويها كما وقعت حقا، بسبب شروط المشاهدة وعمل الذاكرة وإكراهات الوقت وطبيعة الإبداع ذاته، ولكنها واقعية، وحقيقية، بصيغ أخرى في الفن والأدب: كل كلام بقدر ما يكشف يستر، بقدر ما يزيّن يشوه، يصدق ويكذب مثلما يفعل المحامي الشاطر، وهو يدافع عن المجرم، أو الطبيب الماهر، وهو يعالج مريضا حظوظ الشفاء لديه أقل من حظوظ الموت.

يخلص الكاتب إلى أنه لا يوجد عمل سيرة خالص بل هناك أعمال تخيّلية مطعمة من الواقع الذاتي، أما عن ولعه بالسينما فقد عبر به منذ الصبا نحو عوالم الرواية والقصة عند كبره. ولا شك أن تمتعه بالجرأة والتواضع جعله يتحدث عن أمه المناضلة والصبورة، التي كانت تتاجر في الدواجن، وكافحت في التجارة التي لم تلهيها عن رعاية ودعم طفلها في دراسته، فضلا عن خاصيتها الأساسية التي عرفت بها وهي الطرب في الأفراح، ويقول إنه عندما يتهيأ للكتابة يستمع إلى “تعريجة” آلة إيقاع محلية، أمه حتى تطرب أذنه وتتفتّق عبقريته الإبداعية.

يقول إبراهيم إغلان، رئيس شعبة التواصل والوسائطية بالمكتبة الوطنية للمملكة المغربية، “شغموم الذي عرفته، فضولي بالفطرة والمعرفة لا يكلّ من السؤال، مهما كان محرجا للجماعة، وحده يفرك يده اليسرى باليمنى، كي يظل في مأمن من الخيبات المتتالية على البلاد والعباد، وهو يكتب بانتظام وخصام، لا يمكن أن يجفّ خياله ويوزع نصوصه بلا ادعاء، ينشر تواضعه هنا وهناك، ولا يخون كله بل ينتمي إلى الالتباس، بالمعنى النبيل للكلمة، في السياسة والثقافة على حد سواء جدير بالتنقيب عن كينونته، في أفقها المشبع بكل المفارقات الممكنة”. يعترف مهتمون بالشأن الأدبي المغربي أن “الميلودي شغموم أعطى الشيء الكثير للأدب والرواية والفكر داخل وطنه وخارجه، وقضّى جزءا كبيرا من عمره يلقّن أبناء المغاربة المعرفة في المدارس والمدرجات الجامعية، وظل ينتج ويبدع في صمت بعيدا عن الجوائز والصالونات الأدبية، ولم يطلب في يوم من الأيام شيئا”، مشيرين إلى أنه أغنى المدوّنة الروائية والقصصية المغربية بالعشرات من الروايات والكتب، وظل لسنوات طويلة موضوعا للأبحاث الجامعية، ولم يسمح لنفسه في يوم من الأيام بأن يطلب مقابلا لما كان يقوم به.

الإبداع والاعتراف

حصل شغموم على جائزة المغرب للكتاب لعام 2000 في صنف الإبداع، ورأيه أن الجوائز الأدبية قد تكون مسألة رمزية واعترافا مهمّا بالنسبة إليه، لكن الاعتراف الأساسي عنده هو الذي يحظى به نصه السردي من طرف النقاد والباحثين، والجائزة في المجال الأدبي من الممكن أن تكون ثقلا سلبيا على الكاتب، لأن الكثير من الناس أضرت بهم الجوائز أكثر مما خدمتهم.

هو أديب يكتب القصة والرواية لأزيد من خمسة عقود، وفي هذا الصدد يقول إن الوظيفة الأساسية للأدب هي الخلق، أي قيمة فوق الصدق والكذب، حالة يتساوى فيها الهذيان والبرهنة أو التعقل كما يتساوى فيها التذكر والتنكر، ما نسميه الحلم وما نزعم أنه الواقع: منزلة بين المنزلتين قد يكون حدها الأكذب هو الأصدق، لافتا إلى أنه في الأدب، أو الفن، فإننا نكون في مسرح، أو في معبد، أو سيرك، أي نرتدي أقنعة بالضرورة ونخاطب أقنعة، فليس صدفة أن الشخصية، في أصل بعض أنواع الفرجة، هي القناع الذي ترتدي، القناع الذي تتنكر فيه وتتجسد.

لهذا فهو يصرّ على أنه لا يكتب للناس الذين يقرأون الأدب كي يستريحوا، بل يستهدف من لديه شغف وتذوق للرواية كوسيلة للتعلم والتمتع باكتشاف الأشياء، لذلك فالكثير من الروايات وليس رواياتي فحسب تحتاج إلى أكثر من قراءة وإلا فلن يستفيد منها القارئ. وبالنسبة إليه الروائي المجرّب هو الذي يملك أولا أدوات الكتابة الروائية، وثانيا يملك ذوقا معيّنا وله ارتباط معين بذاكرته ووجدانه وكل مبدع محكوم بالتكرار، ليفعل ما يشاء وليتجدد كما يشاء وقد اشتغل على موضوعة الجمال وكتب “تمجيد الذوق والوجدان” ورواية “الأناقة”.

الميلودي شغموم لا يكتب للناس الذين يقرأون الأدب كي يستريحوا، بل يستهدف من لديه شغف بالتعلم والتمتع

ويعتبر الناقد المغربي شعيب حليفي أن الميلودي شغموم واحد من مؤسسي صرح السرد المغربي الحديث، وقدرته كبيرة على أن يولد مع كل نص جديد، بفضل صياغته لملامح المراحل عبر وسمها بفكره وترويضها بجرأته التي تجري في اللغة وفي الدلالات التي يزندها زندا، كما يقول عن نفسه مختصرا مساره المهني، مشيرا إلى أن شغموم يكتب، بمخيلة عابرة للزمن، نصوصا سردية نسجت، ولا تزال، حكايات مغربية لا تعكس ولا تنوب عن أحد، وإنما تؤسس لتخييل يولد حالات من الواقع والتوقع. وأضاف حليفي أن شغموم كاتب روائي فضل الانتماء إلى الإنسان عوض مدرسة أو تيار لافت.

الميلودي شغموم أستاذ جامعيّ باحث تخرَّجَت على يديه أجيال مِن الباحثين في مجال الفلسفة والفكر المعاصِر، الذي اختصّ فيه وأنتج في إطاره مجموعة من المؤلَّفات التي تعتبَر مراجع أساسيّة في موضوعها؛ ومنها “الوحدة والتّعدّد في الفكر العلميّ الحديث”، والمتخيَّل والقدسيّ في التّصوّف الإسلاميّ”، معترفا بأن أعماله الأكاديمية أفادته في العملية الإبداعية خصوصا حينما اشتغلت على الخيال والبناء في الإبداع، إذ أفادتني كثيرا دراستي للفلسفة.

وبرأيه أن فن الرواية قادر أكثر من الشعر والمسرح والسينما والتشكيل على الوقوف عند ما هو جوهري، قار ومشترك، في سؤال “ما المعاصرة؟”، لأن هذا الفن، مهما أوغل في “المحلية” أو “الجهوية” فهو “كوني” بالتعريف: كما يكتب أميركي، من جهة الكونية، أو ياباني، أو غربي، أو جنوب أميركي، يكتب العربي.

وعلى مستوى الكتابة يستعمل العامية المغربية (الدارجة) كونه تربّى على الدارجة المغربية واللغة العربية واللغة الفرنسية، وهي ضرورة للتعبير عن الذاكرة وعن الواقع، تلك اللغات الثلاث يعتبرها شغموم طرقا للتذوق وتقطيع العالم والنظر إليه للاشتغال على أشيائه واستعمالها، ليس فقط بالتسجيل بل بالإبداع، أما العامية المغربية بالنسبة إليه فهي ضرورة تعبيرية وجمالية. وترجمة الحوار من العامية إلى اللغة العربية تسيء إلى النص أكثر مما تفيده.


  • بطاقة الكاتب

نذكر أن الميلودي شغموم ولد عام 1947 بالمعاريف بمدينة ابن أحمد، تابع دراسته العليا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط. حصل على دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة سنة 1982 ثم على دكتوراه الدولة من نفس الكلية. اشتغل بالتدريس بالمحمدية.

يعمل حاليا أستاذا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس. وقد نال الميلودي شغموم عضويّة الاتحاد في العام 1972، و”يُعَدّ مِن أبرز الكُتّاب الذين أرسوا دعائم الكتابة السّرديّة بالمغرب، فكتب في مجال القصّة القصيرة ‘أشياء تتحرّك’، و’سفر الطّاعة’، وكتب في المجال الروائي أعمالا كثيرة، منها ‘الضلع والجزيرة’، و’الأبله والمنسية وياسمين’، و’عين الفرس’، و’مسالك الزيتون’، و’شجر الخلاطة’، و’خميل المضاجع’؛ ممّا يجعله كاتبا م

الكاتب بصم بأعماله المتميّزة الأدب المغربيّ المعاصِر
الكاتب بصم بأعماله المتميّزة الأدب المغربيّ المعاصِر

غربيّا كبيرا، بصَم بأعمالِه المتميّزة موضوعا وأسلوبا، الأدب المغربيّ المعاصِر، والثّقافة المغربيّة عامّة”.

إصدارات الروائي والناقد الميلودي شغموم كثيرة وتتراوح بين القصة والرواية والدراسات النقدية والأبحاث الأكاديمية والمقالات الصحافية، إذ بدأ النشر في العام 1972 وعندها كان أستاذا للغة الفرنسية في السلك الأول، وما لا يتسامح معه الميلودي شغموم هم المتطفلون على عالم الرواية ولو كانوا ينتمون إلى أسوار الجامعات ويكتبون أشياء لا علاقة لها بالسرد الروائي، ومعنـى ذلك أنه يرى بعين الإهمال تلك التجارب الروائية التي لا تملك بذرة الإبداع بل اهتمامه منصب على الكتاب الجوالين بين الشعر والقصة والرواية فهؤلاء يستحقون كامل التشجيع والاهتمام حتى تتوسع قاعدة الأدب الرصين المثقل بمفردات الإبداع والابتكار.

قبل مرضه لم يضيّع أي فرصة للتأكيد أن قلمه لا يزال سيالا بحبر الإبداع وموعد عشاق القصة القصيرة بأعمال قصصية في موقعه الخاص بالإنترنت، وأنه يحاول المزاوجة بين الرواية والقصة، وهو يؤكد جازما أنه إذا أرادت الرواية المغربية أن تضيف شيئا إلى المشهد الإبداعي فينبغي أن تملك صنعة الرواية، حيث يجب الاشتغال على الإنسان المغربي كيف يكافح لتحقيق إنسانيته من أجل الحب والكرامة والسعادة.

ورغم تنويهه بفاعلية الدرس النقدي المغربي ومصداقيته عربيا، إلا أنه بالنسبة إليه العملية النقدية غير المبنية على قراءات موسّعة في النص الروائي الأوروبي الذي تأسست عليه النظريات الأدبية إضافة إلى عدم التعمق كثيرا في النص الروائي العربي عبارة عن تمرين نقدي فقط تخلق ناقدا يملك الأدوات دون ذوق أدبي، الذي يعتبر مفتاح الممارسة النقدية وبابا مشرعا نحو تكوين جمالي لدى القارئ، وتفاؤله بالنسبة إلى القراءة والكتابة كبير بإمكاننا أن نبدع أدبا متقدما وأن نشجع على نشره وقراءته، من خلال “كتاب الجيب” كتجربة قد تؤتي أكلها.

 

15