الميليشيات الشيعية قلقة من هيمنة القوّات الأميركية على الأجواء العراقية

مقتل سليماني والمهندس إنذار مبكر لقادة الميليشيات.
الخميس 2021/04/08
عين الصقر لا تخطئ هدفها

أشدّ ما تخشاه الميليشيات الشيعية العراقية من الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن هو أن يفضي إلى صيغة للإبقاء على عدد محدود من القوات الأميركية على الأراضي العراقية، بحيث يبدو الوجود العسكري الأميركي على الأرض رمزيا لكنه شديد التأثير في الأجواء، إذ يكفي عدد محدود نسبيا من الأفراد والطائرات المتطوّرة لفرض هيمنة على الأجواء العراقية ومراقبة تحركّ القوات على الأرض بدقّة وضربها عندما تقتضي الحاجة ذلك.

بغداد - صعّدت الأحزاب والفصائل الشيعية العراقية المسلّحة، مع انطلاق جولة جديدة من الحوار الاستراتيجي الأميركي العراقي، من ضغوطها السياسية والميدانية على حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي لإجبارها على تحويل الحوار إلى مفاوضات مع الولايات المتّحدة على سحب ما بقي من قواتّها داخل الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من أنّ الأرقام المعلنة بشكل رسمي تحصر عدد القوات الأميركية في العراق بـ2500 فرد بعد سحب حوالي 2700 من مجموع القوات التي كانت موجودة هناك ضمن التحالف الدولي الذي تشكّل لمحاربة تنظيم داعش، إلاّ إنّ ذلك العدد المتبقي رغم محدوديته النسبية وقابليته لمزيد من التراجع في ضوء ما سيسفر عنه الحوار الأميركي العراقي، يشكّل هاجسا لكبار قادة الميليشيات الشيعية العراقية ذات الارتباط الوثيق بالحرس الثوري الإيراني والمنضوي أغلبها ضمن الحشد الشعبي.

ويعرف هؤلاء القادة ذوو الخبرة القتالية بأنّ القوّة التي تريد واشنطن الإبقاء عليها في العراق ستكون كافية لتضييق الخناق على الحشد والحدّ من تحرّكاته وربما ضرب مواقعه وتصيّد قادته كلّما اقتضى الأمر، لأنّها لن تكون قوات مقاتلة على الأرض بل نخبة من سلاح الطيران مدجّجة بترسانة متطوّرة من الطائرات النفاثة والمروحيات والطائرات المسيّرة الكفيلة ببسط هيمنة تامّة على الأجواء العراقية.

وعكست القلقَ من الهيمنة الأميركية على الأجواء العراقية تصريحات نواب بالبرلمان العراقي الذي سبق له أن أصدر أوائل العام الماضي قرارا ينص على وجوب إخراج القوات الأجنبية من العراق وذلك بدفع من الكتل السياسية الشيعية وعلى رأسها تحالف الفتح ممثّل ميليشيات الحشد الشعبي في مجلس النوّاب.

وقال النائب عن التحالف وعضو لجنة الأمن والدفاع النيابية كريم عليوي إنّ "أحد أهم أركان السيادة لأي بلد في العالم هو السيطرة الكاملة على أجوائه، وهو الأمر الذي ما زال غير موجود حتى اليوم في العراق نتيجة لسيطرة طيران التحالف الذي تقوده الولايات المتّحدة على الأجواء العراقية".

مصطفى كامل: القوة الأميركية في العراق محدودة، لكنها مؤثرة وفعالة

وأضاف متحّدثا لموقع السومرية الإخباري أنّ "كل ما قامت به واشنطن هو تسليم العراق عددا من طائرات آف 16 بمميزات ضعيفة وذخيرة أقل ولا نعلم إن كانت تلك الطائرات يسيطر العراق عليها بشكل كامل أو أن الجيش الأميركي قام بخديعة هنا أو هناك لضمان متابعته لحركة تلك الطائرات كنوع من أنواع التجسس".

وللميليشيات العراقية كما لإيران تجربة سلبية مع الطيران الأميركي الذي سبق له أنّ وجّه ضربات مؤلمة لقوات الحشد الشعبي ألحقت بها خسائر مادية وبشرية جسيمة. لكنّ أكثر تلك الضربات إيلاما لإيران والميليشيات التابعة لها تلك التي استهدفت مطلع العام الماضي موكب قائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبومهدي المهندس قرب مطار بغداد الدولي وقتلتهما على الفور مع مجموعة من مرافقيهما.

وعلى هذه الخلفية نظرت الميليشيات الشيعية بارتياب لجولة الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن، معتبرة أنّ الغاية من ورائها التوصّل مع حكومة الكاظمي لصيغة تمكّن الولايات المتّحدة من الإبقاء على العدد الذي ترغب فيه من القوات على الأراضي العراقية.

ووجّه قادة تلك الميليشيات تهديدات صريحة باستهداف القوات الأميركية إذا لم يتمّ سحبها من العراق بشكل كامل، وذلك تحت يافطة "مقاومة الاحتلال الأميركي".

وقال الصحافي العراقي مصطفى كامل لـ"العرب" إنّ "هناك عاملين يتحكمان بقضية الموقف من التواجد العسكري الأميركي، وكلاهما لا علاقة له بالمقاومة ضد الاحتلال التي تدّعيها ميليشيات الحشد الشعبي".

ويتمثّل أول العاملين حسب كامل بـ"مستوى وطبيعة علاقة طهران مع واشنطن، فالمؤكد أنّ الفصائل الولائية العاملة في العراق تضع المصلحة الإيرانية أولا وأخيرا ولا تتصرف إلاّ على وفق الإملاءات الإيرانية".

وهددت فصائل عراقية مسلحة الأربعاء بتوجيه "ضربات كبيرة ودقيقة" للقوات الأميركية في البلاد، إذا لم تعلن بغداد وواشنطن موعدا واضحا لانسحاب تلك القوات.

وجاء ذلك في بيان لما يسمى بـ"الهيئة التنسيقية للمقاومة العراقية" التي تضم فصائل شيعية مسلحة مرتبطة بإيران، وعلى رأسها كتائب حزب الله العراقي وعصائب أهل الحق وكتائب سيد الشهداء وحركة النجباء.

أما ثاني العوامل المتحكّمة في موقف القوى الشيعية العراقية الموالية لإيران من قضية الوجود العسكري الأميركي على الأراضي العراقية، فيتمثل وفق مصطفى كامل في "محاولة تسويق الميليشيات لصورة المقاوم داخليا بعد أن أفلست كليا أمام العراقيين الذين تمارس ضدهم تلك الميليشيات كل أشكال الإرهاب والقمع اغتيالا وخطفا وسرقة للمال العام وغير ذلك".

فصائل عراقية مسلحة هدّدت بتوجيه "ضربات كبيرة ودقيقة" للقوات الأميركية في البلاد

واعتبر الصحافي العراقي أن تلك "الميليشيات التي كانت تعمل بغطاء أميركي وتمارس مهام التجسس ضد فصائل المقاومة العراقية تحاول تبييض صفحتها بدعاية مضادة".

ويرتبط هذا الجانب الدعائي، وفق كامل، "بالاستعداد لمرحلة الانتخابات المرتقبة بعد ستة أشهر وهي انتخابات تعمل الميليشيات على الهيمنة على نتائجها من خلال تشكيلات سياسية بأسماء مختلفة".

وأشار إلى أنّ "الولايات المتحدة تنبّهت إلى هذه اللعبة لذلك سحبت معظم قواتها من الأراضي العراقية وأبقت على وجود محدود العدد لكنّه مؤثر وفعال جدا يتعلق بالقوات الجوية من خلال الطائرات المقاتلة والطائرات المسيرة من جهة وبالسيطرة على الأجواء العراقية من جهة أخرى، ولذلك هي غير معنية كثيرا بالصراخ الذي يتعالى من زعماء الميليشيات حول وجودها في العراق، خصوصا أن هذا التواجد يتركّز في قواعد بعيدة ومؤمّنة بشكل جيد، وهي خارج المدى الفعلي لألاعيب الميليشيات".

أما قرار مجلس النواب العراقي الذي أصدره في أعقاب مقتل قاسم سليماني وأبومهدي المهندس بشأن إنهاء الوجود العسكري وأحاله إلى الحكومة لإقراره، فهو في نظر كامل "قرار استعراضي وغير حقيقي، فقرارات البرلمان غير ملزمة للحكومة ولو كانت الفصائل جادة في إنهاء الوجود العسكري الأميركي المغطّى باتفاقيات رسمية لأنهت تلك الاتفاقيات وأصدرت قانونا وليس قرارا يقضي بإنهاء وجود تلك القوات.  وهذا تحايل واضح يؤكد الجانب الدعائي الذي تستخدمه الميليشيات حسب مقتضيات الحاجة الإيرانية”.

3