الناجون من الوباء.. ناجون بأجسادهم فقط

وباء كورونا أربك النمط المعتاد لحياة البشر بشدة وهو ما سيقود إلى بلورة أفكار جديدة قد تتشكِّل على أساسها شخصياتنا بمرور الوقت.
السبت 2021/01/23
العالم انقلب رأسا على عقب

كيف ستتغير المجتمعات في أعقاب وباء كوفيد – 19؟ لا أحد يعرف الإجابة حتى الآن، بل لا أحد يعرف حتى الأسئلة الصحيحة التي يجب طرحها. لقد أصيبت البشرية جمعاء بجائحة كورونا، لكن اختلفت الإصابة بين جسديّة ونفسية. ستنقل العدوى وباء الفايروس إلى كامل الجيل العالمي الذي شهده، ومنه سوف يورّث إلى الأجيال اللاحقة.

لندن- قابلت المجتمعات على مدار التاريخ العديد من الأوبئة التي زلزلت وهم السيطرة البشرية على الكوكب. أثرت الأوبئة في الأفراد الذين اختبروا الأزمة مباشرة، مثلنا حاليا مع وباء كورونا، فتغيّرت جوانب كبيرة من شخصياتهم. ثم يمتد تأثير الأوبئة عبر الأجيال ليصل إلى جيلٍ قد لا يعرف عن الوباء الذي أصاب أسلافهم إلا اسمه، كحالنا اليوم مع وباء الطاعون مثلا.

كانت للأوبئة السابقة مثل الموت الأسود (وباء الطاعون) أو جائحة إنفلونزا عام 1918 تداعيات هائلة على العالم بعد ذلك. وستشهد آثار جائحة الفايروس التاجي أيضا تغييرات لا تعد ولا تحصى، من تعديلات العادات الشخصية إلى التحولات العالمية. وإنما أيّ هذه التغييرات سيكون له تأثير دائم وأيّها قد لا نراه مرة أخرى؟ للإجابة على ذلك، نحتاج إلى النظر في الكيفية التي بدأنا بها بالفعل في التكيّف.

تتوج أزمة كورونا أزمات العقدين الماضيين، إذ جعلت هذه الأزمات العالم لا يمكن التنبؤ بما سيكون له في المستقبل. ويؤكد الخبراء أن ما ينتظر المجتمعات الآن هو “طريق صخري مليء بالعوائق التي تتطلب تفكيرا جديدا ومبتكرا للتنقل قبل الاستقرار في توازن جديد”، ولكن لن يحدث ذلك إلا بعد التكيف مع الدروس المستفادة.

ويؤكد التأثير العابر للأجيال أن الناجين من الوباء ينجون بدنيا فقط، لكنّهم يصابون بآثاره النفسية والاجتماعية. ولأن المجتمع ليس إلا اجتماع عدد من الأفراد، فتغيّر الفرد يتبعه تغيّر في المجتمع بكامله.

حرب الكل ضد الكل

بعض المعتقدات مجرد فقاعات
بعض المعتقدات مجرد فقاعات 

أفرز وباء كورونا ذاته ثلاث جوائح، مضارها نفسية واجتماعية، سترافق البشر حتى بعد انتهاء الوباء. تتمثل الجائحة الأولى بوباء الخوف وهو رد فعل للتعامل مع التهديدات المتصورة.

تصاب المجتمعات بحالة خوف من المجهول مع كل وباء، لخّصها الفيلسوف توماس هوبز، بأنها “حرب الكل ضد الكل”. هذه الحرب لا يحكمها المنطق أو العقل، ولن تضع أوزارها إلا حين يعلن الوباء استسلامه.

وحرب “الكل ضد الكل” هذه، ليست عقلانية ولا منطق فيها؛ لأنّ في أوقات الأوبئة تسقط العقلانية عن كل شيء، ويجلس المنطق في المقعد الخلفي وتمسك اللاعقلانية بعجلة القيادة. يظهر الخوف مما هو غامض ومعتم وغير معرّف، ويكتشف الناس أن ثقتهم بالانتصار على الطبيعة وعلى الموت، أو على الأقل تعريفه بوضوح، بدأت تهتز.

ومن تجليَّات حالة الخروج من العقلانية إلى اللامنطق رجوع الناس إلى التراث الشعبي طلبا للإجابات. العلم الحديث الذي وثق فيه الأفراد لسنوات طويلة قد أظهر الوباء نقطة ضعف قاتلة فيه. فيتحول العلم من درع فولاذي يحتمي به الأفراد إلى فقاعة ضخمة، ثم لا تلبث تلك الفقاعة أن تنفجر وتتبدد. حينها يعود الناس إلى وصفات أجدادهم وأمثال السابقين، يلتمسون فيها الأمل.

تظهر الأبحاث النفسية حول الأحداث الكارثية أن معظم الناس يتعافون. لكن الأمر السيء، أن 10 إلى 15 في المئة من البشر حول العالم تكون لديهم رؤية سلبية حيث يصرون على أن الحياة لن تعود إلى طبيعتها

يزداد التدين وتزداد ممارسة الشعائر الدينية. يقتنع الناس بصورةٍ ما بأنهم بحاجة إلى الدين. يظل الفرد متمسكا بمنظومة القيم، غير أنه مع طول المدة وارتفاع مستوى الخطورة وتفشي الوباء وزيادة الضغط النفسي يرتبك الفرد، ويشكّ في معتقداته وقيمه. ويبدأ البعض – خاصة في الأوبئة التي ترتبط بالقدرات الغيبية – في التساؤل لماذا يبعث لنا الإله ما يؤلمنا ونحن نؤمن به؟ مَن المَلوم في ما يحدث؟ وتظهر تناقضات لدى الأفراد بين الرغبة في الاحتماء بالقيم والدين والمعتقدات الشعبية، وبين شكوكهم في قدراتهم على النجاة.

في أوقات الأوبئة تعادي المجتمعات بعضها بعضا، ويمكن أن تعادي الدول بعضها بعضا بعد الأوبئة. الحكومات ليست إلا أفرادا من المجتمع، والمجتمعات في حالة الأوبئة تميل إلى الإيمان بنظرية المؤامرة.

أفرزت جائحة كورونا وباء ثانيا هو وباء الوصم والأخلاق: إن وصمة العار وكره الأجانب جانبان للأثر المجتمعي في تفشي الأوبئة المعدية. ولفهم ذلك علينا الإشارة إلى مفهوم في علم النفس يسمى “جهاز المناعة السلوكي”. هذا المفهوم يعتمد على فكرة أن جهاز المناعة البيولوجي لدى البشر ليس كافيا لمساعدتهم على تجنب العدوى، لذلك يبدأ الخوف من الأشخاص المهاجرين في الظهور.

أما الوباء الثالث فهو وباء الفعل ورد الفعل التكيّفي. في جميع أنحاء العالم، ظهرت ثقافة ردود أفعال تجاه فايروس كورونا للتعامل مع القيود المفروضة على الحياة اليومية، والعزل الممل للحجر الصحي، والبقاء في المنزل.

أربك الوباء النمط المعتاد لحياة البشر بشدة، وهو ما قد يقود بمرور الوقت إلى بلورة أفكار جديدة، حول ماهية ما يجدر بنا اعتباره طبيعيا أو معتادا أو خارجا عن المألوف.

لكن الدراسات التي أجريت على مدى العقود القليلة الماضية، قادت إلى بلورة إجماع بين العلماء، مفاده بأن الثبات النسبي للخصال الشخصية، لا يعني أنها تبقى دون تغيير طوال الوقت، إذ إنها تواصل التطور باستمرار طيلة حياة المرء، وتتفاعل كذلك مع ما تشهده حياته من أحداث مهمة. بعبارة أخرى، يمكن القول نظريا إن ثمة احتمالا – ولو كان ضئيلا – بأن هناك منّا من تغيرت شخصيته بفعل فترة الإغلاق.

تتوج أزمة كورونا أزمات العقدين الماضيين، إذ جعلت هذه الأزمات العالم لا يمكن التنبؤ بما سيكون له في المستقبل. ويؤكد الخبراء أن ما ينتظر المجتمعات الآن هو “طريق صخري مليء بالعوائق

من جهة أخرى، ربما تكون الشهور الطويلة التي غيرنا فيها عاداتنا ونمط حياتنا خلال تطبيق تدابير الإغلاق، قد أحدثت تغيرات في سلوكياتنا، ستستمر لوقت طويل، حتى بعد أن تنتهي أزمة الوباء الحالي. وتقول ويبك بليدورن، من مختبر تغيير الشخصية بجامعة كاليفورنيا -دافيز، إن الوضع الراهن “ربما يؤدي إلى ظهور معايير جديدة، قد تتشكِّل على أساسها شخصياتنا بمرور الوقت”.

وعلى الرغم من صعوبة العثور على جانب مشرق في مأساة تفشي هذا الفايروس التاجي، فإن الأمر لا يخلو من إيجابيات قد تحدث ثورة في العادات الصحية والاجتماعية غير المرغوب فيها، وتزيد من الاهتمام بالنظافة الشاملة، وتساهم في عودة روح التضامن الإنساني والعمل الجماعي.

ورغم ذلك تشير الدراسات إلى أن البشر أظهروا قدرة لافتة على التكيف ومواجهة الشدائد، رغم المخاوف التي شعر بها الكثيرون في هذا الشأن، خلال المراحل الأولى من تفشي الوباء.

ويشعر الخبراء بالتفاؤل إزاء ما يتحلى به البشر من قدرة جماعية، على التكيف مع طبيعة الوضع الناجم عن تواصل رفع إجراءات الإغلاق. وتقول بليدورن “لا أعتقد أن الناس بحاجة إلى الشعور بالقلق إزاء مسألة تغير صفاتهم وعودتهم إلى ما كانت عليه قبل فترة الإغلاق. أتوقع أن يحدث هذا التغير لدى غالبية الناس، تدريجيا وبشكل طبيعي”. غير أن نصيحتها الأساسية في هذا الشأن، تتمثل في ضرورة ألا نتعجل العودة إلى الطرق القديمة، التي اعتدنا أن نعيش حياتنا من خلالها.

تفاءلوا

كورونا

يوصي الخبراء بتطوير الموقف المتفائل لدى البشر. ويوضحون “لقد عانت البشرية من هذه الأنواع من الأوبئة عدة مرات، لكنها نجحت في التغلب عليها.. هذا الوباء أيضا سوف يمرّ”.

لا شك أن الأوبئة كالحروب، تغيِّر العادات اليومية للأفراد، تمحو عاداتٍ وتخلق أخرى. وتضع الإنسان في مواجهة عقائده وأفكاره، فتهتز الثوابت ويثبت ما كان مستحيلا. وأكد علماء علم النفس الاجتماعي تلك الحقيقة، حتى أنهم بدأوا في العمل عليها منذ سنوات. ولاحظوا أن المجتمعات تشهد حدوث أنماط معينة في السلوك

وفي النفسيّة الجماعية وقت تفشي الأوبئة. تلك الأنماط تكاثرت إلى درجة أنها صارت فرعا علميا يحمل اسمه الخاص “علم نفس الأوبئة” (Epidemic Psychology) أو “سيكولوجيا الأوبئة”.

يقول ستيفن تايلور أستاذ الطب النفسي بجامعة كولومبيا البريطانية “في ذروة الإغلاق في أوائل عام 2020، شكك الكثير من الناس في أن الحياة ستعود إلى طبيعتها، وتكهن البعض بعالم كئيب في ما بعد الوباء. قلة هم على ما يبدو اعتقدوا أن الحياة ستكون هي نفسها”.

وتظهر الأبحاث النفسية حول الأحداث الكارثية أن معظم الناس يتعافون. لكن الأمر السيء، أن 10 إلى 15 في المئة من البشر حول العالم تكون لديهم رؤية سلبية حيث يصرون على أن الحياة لن تعود إلى طبيعتها. ورغم أن التفاعلات الشخصية خالية من القناعة وتبدو كأنها شيء من الماضي، لكنها ستعود في النهاية.

وتظهر دراسة مرجعية أجرتها عام 2015، جوليان هولت – لونستاد، باحثة علم النفس في جامعة بريجهام يونج الأميركية، وزملاؤها، وارتكزت على عمل تحليل بعدي لنتائج عدد من دراسات سابقة حول آثار العزلة الاجتماعية المزمنة، أنه “في ما يتعلق بالآثار السلبية التي قد يسببها التباعد الاجتماعي، وتجاوبا مع جائحة فايروس كورونا، سيظل الأمر بمنزلة سؤال مفتوح”.

العقلانية تسقط عن كل شيء، في أوقات الأوبئة ويجلس المنطق في المقعد الخلفي وتمسك اللاعقلانية بعجلة القيادة

 مضيفة أن لديها في هذا الصدد فرضيتين تتنافسان، فهي قلقة من أن يؤدي ذلك إلى تفاقم الأمور بالنسبة إلى أولئك الذين يعانون فعليّا من مشاعر العزلة والوحدة، ولكنها تشدد – في الوقت ذاته – على أنه قد يكون نقطةَ تحفيز لآخرين على التواصل المجتمعي، مفسرة ذلك بأن الاحتمال الأكثر تفاؤلا هو أن الوعي المتزايد بطبيعة الوباء سيدفع الناس إلى البقاء على اتصال واتخاذ إجراءات أخرى إيجابية.

وبشكل عام، يتمتع البشر بمرونة نفسية كبيرة، فقد عانى بعض الأفراد من مواقف وظروف حياة أسوأ بكثير ممّا يعتري البشرية الآن، على الرغم من صعوبة الوضع الآن بلا شك، ومع ذلك استطاعوا التغلب على الأمر والعودة إلى ما كانت عليه طبيعتهم السوية قبل مرورهم بالأزمة.

ويشير خبراء في هذا السياق إلى دراسة حالة سجناء أميركيين خلال حرب فيتنام، إذ جرى عقابهم بالحبس في زنازين صغيرة شديدة الصعوبة تسمى “أقفاص النمر”، وأحيانا في أحواض من الماء حتى أذقانهم ولمدد طويلة. كانت إحدى المقاربات التى تنبأت بصحتهم النفسية على المدى الطويل هي مدى الشعور بالتفاؤل: فالسجناء الذين اعتقدوا أنه بغض النظر عن مدى سوء الأمور، سيبقون على قيد الحياة وستفوز بلدهم بالحرب في النهاية، أضحوا بصحة نفسية أفضل في وقت لاحق من حياتهم.

20