النهضة.. الصيد في الماء العكر

لن ينسى التونسيون من وقف معهم في هذه المحنة ومن خذلهم، وسيكون الموعد في أول انتخابات مقبلة لتحصد النهضة ما زرعته في هذه الأيام العصيبة.
الخميس 2020/03/26
النهضة سعت منذ توليها زمام الحكم إلى تعزيز قبضتها على السلطة

لا يذكر تاريخ تونس الحديث ولو وقفة حاسمة تُحسب لحركة النهضة الإسلامية في صف الوحدة الوطنية وتغليب المصلحة العامة في مثل هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد.

ففي جلّ الأزمات التي عصفت بتونس منذ نهاية التسعينات وإلى اليوم، خيّرت الحركة الإسلامية الاصطفاف بعيدا عن نداء الواجب، تتصيّد الفرص لاستغلال الظرف على أكمل وجه لتحقيق أهداف سياسية ضيّقة.

وها هي اليوم تقف في المكان ذاته حيال أزمة تفشي فايروس كورونا، تتحين الفرصة للركوب على الحدث وتسجيل نقاط في حرب تخوضها الدولة لتقرير المصير.

فلا يمكن إدراج لامبالاة رئيس الحركة راشد الغنوشي لدعوات رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ، المتكررة من أجل تمكينه من صلاحيات دستورية استثنائية تسهّل عمل الحكومة في مجابهة تفشي الفايروس، إلا في خانة إرباك مؤسسات الدولة وتعطيل عمل الحكومة التي تسابق عقارب الساعة لاحتواء الوضع وتفادي سيناريوهات أكثر تطرّفا.

تعيش تونس لحظة فارقة من تاريخها الحديث ومفصلية ستحدد ملامح مستقبل البلاد في قادم الأيام، ولذلك تستوجب هذه المرحلة الحرجة والدقيقة توحيد ورصّ الصفوف لدعم جهود الدولة لمكافحة هذا الوباء الذي يهدد الإنسانية جمعاء، بعيدا عن المناكفات والحسابات السياسية.

وعلى الرغم من أن الظرف الحالي يقتضي تعالي كل الأطراف عن الحسابات الحزبية والشخصية، إلا أن حركة النهضة تسعى إلى افتعال الأزمات بين أروقة الحكم وتكبيل السلطة التنفيذية.

والتاريخ سيشهد بموقف الحركة الذي خذل التونسيين ولم يرتق إلى مستوى هذا الحدث الجلل، ولكن ذلك ليس بغريب على تيار إسلامي تشبّع من مدرسة الإخوان المسلمين.

وليست المرة الأولى التي تخذل فيها الحركة تطلّعات التونسيين، فبعد ثورة يناير 2011 التي اقتلعت النظام السابق، أوكلت للحركة مهمة قيادة البلاد إلى مرفأ الأمان وبناء ديمقراطية حديثة تعيد الاعتبار للفئات المهمّشة وتحارب الفاسد.

ولكن النهضة لم تكن في مستوى تلك اللحظة الفارقة بتعاملها آنذاك مع السلطة بمنطق الغنيمة، حصيلة ثلاث سنوات من حكم الترويكا أثقلت كاهل الدولة التونسية المنهك اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا.

فالحركة سعت منذ توليها زمام الحكم إلى تعزيز قبضتها على السلطة واحتكارها لصلاحيات الرئاسات الثلاث التي كانت تحت إمرة راشد الغنوشي.

وإلى اليوم تدفع الدولة من دمائها ثمن فتح الحركة الإسلامية الطريق أمام التنظيمات الجهادية للتمركز في تونس كقاعدة في المنطقة لأنشطتها الإرهابية والتغطية على حركة تسفير الجهاديين إلى بؤر التوتر عن طريق جمعيات دينية مشبوهة تربطها علاقات بدول تدعم تيارات الإسلام السياسي كتركيا وقطر.

لن ينسى التونسيون من وقف معهم في هذه المحنة ومن خذلهم، وسيكون الموعد في أول انتخابات مقبلة لتحصد النهضة ما زرعته في هذه الأيام العصيبة.

النهاية باتت قريبة.. فالحركة تعيش اليوم على وقع أزمة حقيقية وخلافات قادتها خرجت إلى العلن ونزيف الاستقالات لن يتوقف طالما يمعن راشد الغنوشي في سياسة الإقصاء والتفرد بسلطة القرار.

إن السياسة مواقف تظهر عند الشدائد.. ستنتصر تونس على هذا الوباء وستنقشع هذه الغيمة السوداء حاملة معها أشباه السياسيين والانتهازيين.

8