انفتاح سياسي مصري على جنوب السودان لا يخلو من نكهة عسكرية

الاهتمام الموسمي بدول حوض النيل يربك الدبلوماسية المصرية.
الأحد 2020/11/29
ملف سد النهضة يفرض إيقاعه على زيارة السيسي

زيارة الرئيس المصري إلى جنوب السودان تثير تساؤلات عن هدفها في ظل الأزمة الداخلية لإثيوبيا، وهل أن مصر تريد استغلال تلك الأزمة لتسجيل نقاط على حساب أديس أبابا، خاصة في ظل حديث متصاعد عن نية القاهرة بناء قاعدة عسكرية هناك.. لكن المصريين يقولون إن القاهرة بدأت بتنويع شراكاتها الأفريقية على قاعدة كسب الدعم لموقفها من قضية سد النهضة.

القاهرة - فرضت أزمة سد النهضة الإثيوبي على مصر توسيع مجال الحركة السياسية مع الدول الأفريقية، أملا في إعادة الاعتبار إلى هذه الدائرة الحيوية، التي أدى الغياب عنها كثيرا إلى تكبد خسائر فادحة، وتعريض الأمن القومي إلى تآكل من جهة الجنوب، بعد قيام دول منافسة لمصر بتكريس وجودها في دول تمثل عمقا استراتيجيا لها.

وأكدت الزيارة الأولى التي قام بها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لدولة جنوب السودان، السبت، الأهمية التي توليها القاهرة لها، وتأثيرها في قضايا المياه، والأمن الإقليمي بكل ما ينطوي عليه من مكونات متشابكة.

وأشار المتحدث باسم الرئاسة المصرية، السفير بسام راضي، إلى أنه تمت مناقشة أهم الملفات المطروحة على الساحة الإقليمية، خاصةً منطقتي حوض النيل والقرن الأفريقي، وعكست المحادثات تفاهماً متبادلاً بين الجانبين إزاء سبل التعامل مع تلك الملفات، بما يكفل تعزيز القدرات الأفريقية على مواجهة التحديات.

وجاء لقاء السيسي مع رئيس جنوب السودان سيلفا كير ميارديت في جوبا، عقب سلسلة زيارات متبادلة لمسؤولين كبار من البلدين خلال الأسابيع الماضية، بدا خلالها التفاهم الأمني كبيرا، وعبرت مصر عن تقديرها من خلال حزمة مساعدات في مجالات مختلفة، صاحبتها دعاية توحي بأن العلاقة مع جوبا تشهد تطورات نوعية.

ويقول مراقبون لـ”العرب”، إن القاهرة بدأت تتخلى عن الاهتمام الموسمي بالدول الأفريقية، وتعيد صياغة التوجهات بما يعزز دورها مع دول حوض النيل، حيث تسبب سد النهضة في أزمة مستعصية، جزء منها نجم عن إهمال التفاعل مع دول القارة.

ويضيف هؤلاء أن السياسة المصرية تتخذ منحى أفقيا ورأسيا، وتتجه إلى تنويع وتعميق العلاقات، وإيجاد شبكة مصالح عملية تستند عليها، فلم تعد حملات العلاقات العامة مفيدة، وتأكدت القاهرة بأنه ما لم تكن هناك أطر محددة لن تستطيع تحسين موقفها في أي من الأزمات التي تحيط بها من ناحية الجنوب.

وبدأت مصر تعيد صياغة منظومة علاقتها مع السودان، سياسيا وأمنيا واقتصاديا، وشهدت العلاقات المشتركة انفراجا في الآونة الأخيرة، عكسته اتفاقيات متباينة، وعززته مناورة عسكرية جرت بينهما مؤخرا في قاعدة “مروي” بشمال السودان.

واستبعدت مصادر مصرية، تحدثت إليها “العرب”، أن تكون زيارة السيسي إلى جوبا لها علاقة مباشرة بما راج بغزارة في وسائل إعلام إثيوبية حول تشييد قاعدة عسكرية مصرية في دولة جنوب السودان، تستهدف منها التعامل بخشونة مع أديس أبابا.

وأكدت أن التعاون العسكري بين القاهرة وجوبا مطلوب في هذه الأجواء، وليس بالضرورة أن يكون موجها ضد إثيوبيا أو غيرها، فمنطقة شرق أفريقيا ذات أهمية حيوية للبلدين، وتموج بصراعات مسلحة ممتدة، وتسللت إليها قوى غاشمة.

ونجحت تركيا في أن تضع قدميها في الصومال وعينها على إثيوبيا، ومن الطبيعي أن تفكر القاهرة في الحفاظ على أمنها القومي من خلال توسيع آفاق التعاون مع الدول التي تبدي استعدادا لذلك، لأن الفترة القادمة قد تشهد تحولات كبيرة، خاصة إذا انفرط عقد الحروب الداخلية، وأصبح عابرا للحدود بما يفوق ما عرفته دول المنطقة.

أوساط مصرية تنفي أن تكون زيارة السيسي إلى جوبا تهدف لتشييد قاعدة عسكرية مصرية بجنوب السودان، تستهدف منها إثيوبيا

وتخشى دوائر إقليمية أن تؤدي الأزمة التي تعيشها إثيوبيا جراء حرب تيغراي إلى مزيد من الفوضى والتغير في حسابات المنطقة، وبالتالي تسهم في خروج مارد الاقتتال الأهلي من قمقمه المحلي إلى الفضاء المجاور.

وتعاني دولة جنوب السودان من مشكلات اقتصادية وسياسية وأمنية كبيرة، أفضت إلى دخولها في عداد الدول “الفاشلة”، وتعرض بعض المسؤولين فيها إلى عقوبات من قبل مجلس الأمن، ولوّح بتوسيع نطاقها ما لم تتوقف الحرب الأهلية.

ودخل نظام الحكم في جوبا حزام الترهل بعد الحصول على الاستقلال بسنوات قليلة، ودخلت البلاد في أتون حرب أهلية وعرة، بدأت ملامحها تهدأ عقب التفاهم بين الرئيس سيلفا كير ونائبه الأول رياك مشار، على تنفيذ اتفاق السلام بينهما مؤخرا.

ويسهم استقرار الحكم في جنوب السودان في فتح أمل جديد أمام القاهرة في هذه الظروف لتطوير التعاون في مجال المياه، والاستعداد لمواجهة مراحل أكثر صعوبة، حيث فتحت بعض أزمات المياه العيون على إمكانية اندلاع حروب بسببها.

وبات السودان قريبا من مصر في ملف سد النهضة أكثر من أي وقت مضى، بل أبدى تشددا في موقفه حيال الطريقة التي تدير بها أديس أبابا عملية المفاوضات، ما أثار ارتياحا لدى القاهرة، لأنها ضمنت أن الخرطوم تسير معها في الطريق نفسه.

ويشير متابعون إلى أهمية الخطوط المتوازية التي تتبناها مصر حاليا، وتعبر في محتواها النهائي عن تغير لافت في السياسة الخارجية التي ظلت متجمدة فترة من الوقت، وهو ما جعلها غير قادرة على مواكبة التطورات المتلاحقة في المنطقة.

ويتزايد التفكير في إحياء مشروع قناة جونقلي، بين مصر والسودان وجنوب السودان، الذي توقف عام 1983، بسبب اندلاع الحرب الأهلية بين شمال وجنوب السودان (قبل تقرير المصير ثم الانفصال)، بعد قيام شركتين فرنسيتين مكلفتين من الحكومتين المصرية والسودانية بحفر نحو 260 كيلومترا من أصل 360.

وتحتاح إعادة تنفيذ هذا المشروع مشاورات حثيثة بين الدول الثلاث لتعظيم إيرادات المياه الواردة من النيل الأبيض، وتشكل نحو 15 في المئة من إجمالي وارد المياه لكل من مصر والسودان، فضلا عن زراعة مساحات كبيرة من الأراضي الخصبة.

وتقع قناة جونقلي في نهر الجبل بجنوب السودان الذي يفقد نصف مياهه بسبب التبخر، لكن استئناف المشروع يحتاج إلى دراسات اجتماعية وبيئية جديدة لمنطقة القناة، وحسم ملف العلاقة المائية بين الخرطوم وجوبا.

واستطلعت القاهرة الموقف تجاه هذه المهمة ووجدت تجاوبا من جانب الخرطوم وجوبا، الأمر الذي جعلها تفكر جديا في العودة إلى مشروع جونقلي تحسبا لخيارات سيئة، في ظل مرحلة صعبة تعيشها أديس أبابا بعد اندلاع الحرب في تيغراي.

اقرأ أيضاً: القاهرة وجوبا تؤكدان أهمية التوصل لاتفاق متوازن حول سد النهضة

6