بايدن "الموحد" أمام تحدي تضميد جراح المجتمع الأميركي

هل يطوّع الرئيس الأميركي الألم الذي لا يزال يسكنه منذ وفاة أفراد من عائلته لخدمة الطبقتين العاملة والوسطى.
الاثنين 2021/01/18
مهمات صعبة

ويلمنغتون (الولايات المتحدة) – يحقق جو بايدن الأربعاء حلمه بدخول البيت الأبيض رئيسا، بعد محاولتين خائبتين للوصول إلى الرئاسة الأميركية وحملة انتخابية طغى عليها وباء كوفيد - 19 وفوز شابته ادعاءات لا أدلة عليها بحصول تزوير، أطلقها منافسه دونالد ترامب.

وبدأ جو بايدن (78 عاما) السباق الرئاسي إلى البيت الأبيض باتهامه دونالد ترامب بتغطية عنف اليمين المتطرف، واعدا بشن “معركة من أجل روح” المجتمع الأميركي.

وينبغي على بايدن المخضرم في السياسة والذي شهدت حياته مآسي عائلية، وضع صورته كشخصية جامعة في خدمة بلد يشهد انقسامات كبيرة ويعاني صدمة الهجوم القاتل على الكونغرس.

ومنذ إعلان ترشحه في 2019 حتى تنصيبه الأربعاء لم يكف بايدن نائب الرئيس الأسبق باراك أوباما، عن محاولة تجسيد هذه الوحدة واعدا بالعودة إلى الهدوء بعد رئاسة ترامب العاصفة. وهو يتهم الرئيس الجمهوري بأنه “مزق” الشعب الأميركي، إلا أن الانقسامات الكبيرة ازدادت عمقا منذ ذلك الحين.

ويستمر بايدن الذي سيصبح أكبر رؤساء الولايات المتحدة سنا، بعد أعمال العنف في الكونغرس وأمام الحصيلة الهائلة لجائحة كوفيد - 19، بالدعوة إلى الوحدة.

وقال الرئيس الديمقراطي المنتخب “سنخرج من المأزق معا. ولا يمكننا أن ننجح في ذلك ونحن منفصلون ومنقسمون. الطريقة الوحيدة لإنجاز ذلك هي في رص الصفوف كأميركيين وكجيران وكولايات متحدة”.

وحجز بايدن لنفسه من الآن موقعا في كتب التاريخ على أنه الرجل الذي أسقط دونالد ترامب.

تعاطف وهفوات

كان بايدن باشر في سن التاسعة والعشرين مسيرته الوطنية منتصرا على مأساة عائلية. ففي نوفمبر 1972، احتفل السيناتور الشاب المنتخب عن ولاية ديلاوير محاطا بأسرته بفوزه في الانتخابات. وبعد شهر قضت زوجته وابنته في حادث سير وأصيب نجلاه بجروح.

نمّت هذه المأساة التي تبعها فقدان ابنه الأكبر العام 2015، مشاعر التعاطف التي يكنها الناخبون له. وجعل بايدن من التعاطف إحدى سمات مسيرته السياسية البارزة.

في 2021، لا يزال بايدن يتمتع بطلته الأنيقة، لكن هذا المخضرم في السياسة لم يعد كما كان في أوج عهده كنائب لباراك أوباما.

فحين يكون واقفا على المنصة يبدو واهنا أحيانا فيما يغطي الشيب شعره. وكان البعض حتى في صفوف داعميه يخشون عليه من التعثر أو الوقوع خلال معركته الطويلة ضد دونالد ترامب (74 عاما) الذي اعتمد أسلوبا هجوميا.

وقد حرمته جائحة كوفيد - 19 لفترة طويلة من إحدى نقاط قوته الأساسية أي التواصل المباشر مع الناخبين.

ومع أنه استأنف في نهاية أغسطس رحلاته بشكل مكثف، إلا أن امتثاله الصارم للتعليمات الصحية يلجم تواجده على الأرض. ويرى منتقدوه أن ذلك سمح له بالقيام بحملة انتخابية بعيدا عن الناخبين ومتجنبا في غالب الأحيان الصحافة.

وكان دونالد ترامب يطلق عليه ساخرا اسم “جو الناعس” وينتقد بشدة الأسئلة التي توجهها إليه الصحافة، معتبرا أنها “موجهة لأطفال” ولا يتوانى عن انتقاد لياقته البدنية والعقلية.

ويتناقل أنصار ترامب بكثرة عبر تويتر تلعثم جو بايدن. كما أن فريق حملة الملياردير الأميركي يصفه بأنه رجل عجوز يعاني الخرف.

ومن الصعب في هذا الإطار تصور أن “يده الممدودة” ستلقى ترحيبا في صفوف مؤيدي ترامب.

تحول تاريخي

تحضيرات مكثفة لحفل التنصيب
تحضيرات مكثفة لحفل التنصيب

سبق لبايدن أن كذّب التوقعات، ففي ربيع العام 2020 سجل عودة تاريخية في السياسة الأميركية من خلال فوزه الكبير في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي.

ومع أن البعض اعتبره متقدما جدا في السن ووسطيا كثيرا، تمكن بايدن من الفوز بغالبية كبرى في كارولاينا الجنوبية بفضل أصوات الأميركيين السود، حجر الزاوية لكل ديمقراطي مرشح إلى البيت الأبيض.

وحشد بايدن بسرعة تأييد معتدلين آخرين ثم هزم منافسه الرئيسي بيرني ساندرز.

وخلافا للمعركة المريرة والطويلة بين هذا الاشتراكي وهيلاري كلينتون في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية عام 2016، تمكن بايدن سريعا من جمع التيار اليساري في الحزب، مركزا على هدف واحد يتمثل بإلحاق الهزيمة بدونالد ترامب.

وتبقى معرفة ما إذا كان بايدن “الموحد” المعتدل سينجح في إبقاء الوحدة بعد دخوله البيت الأبيض.

وقال باراك أوباما إنه حتى لو عرض بايدن البرنامج “الأكثر تقدمية” في تاريخ الانتخابات الرئاسية الأميركية، فإن البعض من اليسار سيعتبرونه فاترا للغاية وهم ينتقدونه عندما يتحدث عن استئناف الحوار مع الجمهوريين.

“غير حاقد”

كانت المحاولة الثالثة هي الصائبة لهذا السياسي المخضرم، بعد فشل محاولتين للترشح للانتخابات التمهيدية الديمقراطية في 1988 و2008. واضطر خلال محاولته الأولى إلى الانسحاب سريعا بعدما تبين أن خطابه تضمن عبارات مسروقة.

شغل منصب عضو في مجلس الشيوخ على مدى أكثر من 35 عاما (1973 - 2009) ثم نائب الرئيس من 2009 إلى 2017، ما مكنه من التواجد على مدى عقود في أروقة السلطة في واشنطن.

وتخللت حياته السياسية الطويلة فصول مثيرة للجدل، فضلا عن نجاحات يبرزها اليوم.

وفي السبعينات وفي خضم عملية إلغاء الفصل العنصري، عارض ما يسمى سياسة “الحافلات” التي تهدف إلى نقل أطفال سود بالحافلات إلى مدارس ذات غالبية بيضاء لتشجيع التعليم المختلط.

أرضى هذا الموقف الناخبين البيض في ولاية ديلاوير، لكنه عاد ليطارده بعد عقود عندما آخذته عليه السيناتورة السوداء كامالا هاريس التي كانت منافسته في الانتخابات التمهيدية، في خضم مناظرة تلفزيونية.

لكن بايدن أعلن أنه “غير حاقد”، حين اختار كامالا هاريس مرشحته لنيابة الرئاسة، لتكون أول سوداء من أصول هندية تترشح لهذا المنصب.

يحظى جو بايدن بشعبية كبيرة في صفوف الأميركيين السود، وكان دعا في بداياته السياسية حين كان نائبا محليا في ويلمنغتون إلى تطوير المساكن الشعبية، ما أثار استياء السكان البيض. وغالبا ما يروي كيف أسست تجربته كمنقذ بحري في حي تقطنه غالبية من السود لعمله السياسي.

لكن ثمة فصول أخرى تلقي بثقلها على مسيرته السياسية، مثل تصويته لصالح الحرب في العراق العام 2003 أو جلسة الاستماع العاصفة برئاسته في مجلس الشيوخ العام 1991.

يضاف إلى ذلك تأييده القوي لـ”قانون الجريمة” العام 1994 الذي اعتبر مسؤولا عن الارتفاع الكبير في عدد السجناء بينهم نسبة كبيرة من الأميركيين السود.

ويعترف بايدن اليوم بأن ذلك كان “خطأ”، مشددا على شق آخر من هذا الإصلاح واسع النطاق يتعلق بقانون مكافحة العنف في حق النساء، والذي يشكل “أكبر مصدر فخر” بالنسبة له.

في 2017 تعاون مع ليدي غاغا لمكافحة التحرش الجنسي. وستغني النجمة الأميركية الأربعاء في مراسم تنصيبه.

وعمل السيناتور السابق فور وصوله إلى البيت الأبيض نائبا للرئيس باراك أوباما، في أوج الأزمة المالية، على اعتماد الكونغرس خطة إنعاش هائلة بقيمة 800 مليار دولار.

وغالبا ما يذكر هذا الأمر لكي يثبت أن بإمكانه إنعاش الاقتصاد مجددا، بعدما تضرر كثيرا بسبب تداعيات الوباء.

“ابن” سكرانتون

بايدن يقول إن رص الصفوف كأميركيين وكجيران هو الحل
بايدن يقول إن رص الصفوف كأميركيين وكجيران هو الحل

سعى دونالد ترامب إلى انتقاد بايدن باستمرار وقال عنه إنه “يعمل في السياسة منذ 47 عاما، ولم يقم بشيء إلا في العام 1994، عندما تسبب في الكثير من الأذى لمجتمع السود”.

رد بايدن بأن هذه الانتخابات تمثل اختيارا بين الطبقتين العاملة والوسطى اللتين يدافع عنهما، و”بارك أفينيو” الجادة النيويوركية الفخمة التي تشكل رمزا للوريث الثري.

ويؤكد بايدن باستمرار على أصوله المتواضعة. فقد ولد جوزف روبينيت بايدن الابن في 20 نوفمبر 1942 في مدينة سكرانتون في بنسلفانيا. وكان والده بائع سيارات.

في الخمسينات من القرن الماضي شهدت المدينة الصناعية فترة صعبة. بحث والده عن عمل في ولاية ديلاوير المجاورة، ثم بعد عدة زيارات نقل العائلة إلى ويلمنغتون وكان جو بايدن في سن العاشرة. وجعل منها معقله لاحقا.

وقال بايدن “كان والدي يقول دائما: نحكم على الرجل ليس بحسب عدد المرات التي يقع فيها وإنما بحسب الوقت الذي يستغرقه للنهوض”.

 هل هو فخور بي؟

نددت نساء عديدات بسلوكيات جو بايدن الذي يقبل على ملامسة الناس، واعتبرن أنها غير مناسبة. ووعد بالانتباه من الآن فصاعدا “إلى المساحة الشخصية” للآخرين، واعتذر في أبريل 2019.

أما دونالد ترامب المتهم من قبل أكثر من عشر نساء بالاعتداء الجنسي أو التحرش، فلم يعلق كثيرا على الاتهامات الخطيرة من امرأة تدعى تارا ريد وتقول إن جو بايدن تعدى عليها في التسعينات. وهو ما نفاه المرشح الديمقراطي بشكل قاطع.

ولم تعلق زوجته جيل بايدن (69 عاما) التي قامت بحملة من أجله في جميع أنحاء البلاد، على هذا الاتهام.

وجيل بايدن المعلمة الديناميكية، شكلت إحدى الأوراق الرابحة في حملة بايدن. وهما تزوجا العام 1977 ولهما ابنة تدعى آشلي.

وروى بايدن في مذكراته أن ابنيه بو وهانتر اقترحا عليه حين كانا لا يزالان صغيرين الزواج من جيل. ويقول عنها “لقد منحتني الحياة مجددا”.

وغالبا ما يتحدث بايدن عن الألم الذي لا يزال يسكنه منذ وفاة نجله بو بايدن بمرض سرطان الدماغ العام 2015، قائلا “هذا لا يختفي أبدا”. وحالت وفاة نجله دون خوضه الانتخابات الرئاسية العام 2016.

تولى جو بايدن الذي أصبح أرمل بعد حادث السيارة المأسوي، مهامه كسيناتور في يناير 1973، وكان في المستشفى بجانب ابنيه اللذين أصيبا في حادث السير.

وحتى اليوم، غالبا ما يوجه التحية إلى المسعفين، مذكرا بأنهم “انقذوا حياة” ولديه وحياته أيضا.

ففي العام 1988، نقله مسعفون إلى المستشفى بشكل طارئ إثر تمدد في الأوعية الدموية. واعتبرت حالته خطيرة إلى درجة أنه تم استدعاء كاهن لرفع الصلوات الأخيرة.

وبايدن كاثوليكي فخور بأصوله الإيرلندية، ويذهب كل يوم أحد تقريبا إلى كنيسة القديس يوسف الصغيرة في برانديواين في الحي الراقي الذي يسكنه في ويلمنغتون. ففي مقبرة هذه الكنيسة يرقد والداه وزوجته الأولى نيليا وابنتهما ناومي، وكذلك ابنه بو تحت شاهد قبر مزين بأعلام أميركية.

وفي يناير، قال جو بايدن عن ابنه “كل صباح أستيقظ وأسأل نفسي: هل هو فخور بي؟”.