برامج بقالب عصري تعيد الاعتبار للدور التنويري للإذاعة المصرية

"المختلط" يجذب الاهتمام بقراءات جديدة للتاريخ.
الثلاثاء 2021/05/04
شخصية مُقدم البرنامج تلعب دورا بارزا في نجاحه

يقدم البرنامج الإذاعي “المختلط” للإعلامي إبراهيم عيسى طرحا مختلفا عن السياق العام للبرامج الرمضانية، ليؤكد أن الراديو كوسيط إعلامي مهم لم يفقد قوته من خلال تقديم أفكار مبتكرة لجمهور سئم البرامج الرمضانية التقليدية وتكرار القصص الدينية وبرامج الفتاوى والوعظ.

برهن برنامج “المختلط” الذي تبثه إذاعة “نجوم إف.إم” المصرية خلال شهر رمضان على قدرة البرامج الإذاعية على القيام بدور مؤثر في المجتمع، حيث يركز الإعلامي إبراهيم عيسى على فكرة استدعاء سير رموز بارزة لشخصيات أجنبية قامت بأدوار هامة في كافة مجالات الحياة المدنية.

وأثبت الاهتمام بالبرنامج الذي تقتصر مدة الحلقة الواحدة منه على ستة دقائق فقط أن الراديو ما زال قادرا على تغيير الكثير من المفاهيم المغلوطة لدى الجمهور، ويمكن توظيفه في مناقشة أفكار عديدة مبتكرة، وهو ما لفت الأنظار إليه وأثار حالة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتؤكد البرامج الجادة أن الراديو كوسيط إعلامي مهم لم يفقد قوته كما يتصور البعض، وتقديم برامج عميقة ومتميزة وتحمل طرحا جديدا يُمكن أن تكون طوق نجاة لكافة الوسائط التقليدية من الاندثار والتلاشي.

ويسهم تطور وسائط التكنولوجيا واهتمام بعض منتجي البرامج الإذاعية بتسويقها إلكترونيا وربطها بالتطبيقات العامة مثل “ساوند كلاود” و”يوتيوب” في وصول المحتوى الإعلامي إلى جمهور أوسع، إذ يمكن لأي راغب في البرنامج متابعته في أي وقت متاح له.

وكشفت مناقشات المتابعين واختلافهم واتفاقهم وتساؤلاتهم أن التصور القائل باقتصار جمهور الراديو على كبار السن فقط أو جمهور السيارات تصور غير دقيق، إذ هناك جمهور كبير من الشباب والمراهقين يتابعون الكثير من البرامج الإذاعية المختلفة عبر التطبيقات الإلكترونية بعد إذاعتها.

ويستقي البرنامج عنوانه من الاسم القديم لنادي الزمالك الرياضي في مصرالذي تأسس عام 1911، وكان يشير إلى إنتقاء خليط من اللاعبين المحترفين، ولعبهم معا لتقديم فن كروي مبهر، وكأنه يشير إلى أن أصحاب الثقافات المختلفة الذين انصهروا معا في المجتمع المصري واستفادوا منه وأفادوه.

محمد شميس: الجمهور يُفضل البرامج التي تقدم خطابا جديدا ومعلومات لم تعرض من قبل، وتطرح أفكارا ورؤى غير شائعة

وشملت حلقات البرنامج إطلالات على شخصيات انتمت إلى الجاليات الأجنبية التي عاشت في مصر، مثل البلجيكي جورج مرزباخ الذي أسس نادي الزمالك الرياضي سنة 1911، والفرنسي جاستون ماسبيرو الذي أنشأ هيئة للآثار المصرية، والمستشرق المجري ماكس هيرتز الذي ساهم في إنقاذ كثير من الآثار الإسلامية من الاندثار، فضلا عن شخصيات أخرى مهمة مثل سليمان باشا الفرنساوي الذي ساهم في بناء جيش محمد علي الحديث، والإنجليزي توماس راسل الأب الروحي للشرطة المصرية الحديثة، والفرنسي شامبليون الذي فك رموز اللغة المصرية القديمة، والأرمني جوزيف ماتوسيان رائد صناعة التبغ في مصر.

وظهر تجاوب الجمهور مع البرنامج بكثافة من خلال صفحات التواصل الاجتماعي على المنصات المختلفة، واعتبره البعض نموذجا لإعلام رمضاني مختلف يغيب منذ زمن طويل عن مشهد الإذاعات المصرية المعتادة.

ويرى خبراء إعلام أن الجمهور العام للراديو سئم البرامج الرمضانية التقليدية، وتكرار القصص الدينية، وسير الصحابة والتابعين، أو برامج الفتاوى والوعظ المباشر، وضاق ذرعا ببرامج المقالب السطحية والمواقف المفتعلة بغرض صناعة كوميديا لا منطقية.

ولم يعد الجمهور يلتفت كثيرا إلى محاورات نجوم الفن والغناء وكرة القدم، والأشبه بدورات تلميع موجهة لا تقدم قيما إنسانية أو دروسا مستفادة، وغالبا لا تترك أثرا على متلقي الرسالة الإعلامية.

ويشير خبراء الإعلام إلى أن هناك توجها واضحا من قبل المستمعين للأفكار المبتكرة، ومتابعة القراءات الجديدة للتاريخ، والبحث في ما وراء الشخصيات غير المعروفة، وتقديم الطروحات المغايرة لما هو معتاد.

وبدا واضحا أن كسر حالة الملل العام من التلقي التقليدي يمكن أن يفتح الباب أمام حالة انتعاش حقيقية لوسائل الإعلام، لذلك هناك حاجة لتوسيع نطاق الأفكار الجديدة وتشجيع العاملين في الإعلام المسموع على تقديم أمثلة متنوعة في هذا الشأن.

وذكر محمد شميس معد برامج بإذاعة “نجوم إف.إم” بالقاهرة في تصريحات خاصة لـ”العرب” أنه من المهم جدا معرفة ما ينتظر الجمهور سماعه عبر البرامج الإذاعية المختلفة.

ويعد شميس برامج أسبوعية عدة أبرزها برنامج “التوليفة” الذي يقدمه الروائي والسيناريست أحمد مراد.

وأوضح أن الجمهور بشكل عام يُفضل البرامج التي تقدم خطابا جديدا، وتعرض معلومات لم تعرض من قبل، وتطرح أفكارا ورؤى غير شائعة.

وثمة ضرورة قصوى لتكثيف المحتوى وتقديمه في وقت قصير، إذ أنه لا يحبذ المستمعون البرامج الطويلة التي تتجاوز خمس عشرة دقيقة إلا في مجالات بعينها مثل الموسيقى والأغاني والمشكلات العاطفية.

جمهور كبير من الشباب والمراهقين يتابعون الكثير من البرامج الإذاعية المختلفة عبر التطبيقات الإلكترونية بعد إذاعتها

وتلعب شخصية مُقدم البرنامج دورا بارزا في نجاح برنامج إذاعي، وهنا فإن قدرة مقدم البرنامج على التلاعب بنبرة صوته تعبيرا عن الدهشة أو السخرية خلال سرده تمثل عنصرا مميزا لمقدم عن آخر.

كما أن درجة ثقافة ووعي فريق العمل وقدرته على الوصول لثيمة لافتة تحمل رسائل واضحة مسألة شديدة الأهمية، فالجمهور يبحث عن التناغم والانسجام بين المعلومة المطروحة والموسيقى والأغاني المستخدمة، ويمتلك مع الوقت حسا فنيا لتتابع الفواصل.

وأصبح برنامج “المختلط” مؤثرا وقادرا على لعب دور ما في ترسيخ قيمة قبول الآخر وتعزيز التسامح الإنساني مع البشر بغض النظر عن أصولهم وأجناسهم وعقائدهم3 ولغاتهم.

وأكد الإعلامي إبراهيم عيسى لـ”العرب” أن حكايات البشر الذين تركوا خصالا قيمة للناس هي حكايات تستحق الحكي كنماذج نجاح وتحقق، فإلقاء الضوء على إنجازات الأجانب عملية تتسق مع فكرة الإنصاف والنظرة العميقة للتاريخ بعيدا عن التعصب والتعميم غير العلمي.

ويسهم مثل هذا الطرح في زحزحة الأفكار الشائعة التي تعتبر كل أجنبي بالضرورة عدوا للشعب ومتآمرا على مصالح البلد الذي يستضيفه، وبالتالي فإن توظيف الإعلام في هذه النوعية من القضايا يعزز تأثيره ومصداقيته.

وطبقا لتصور البعض من الخبراء فإن المجتمع المختلط هو الأكثر قدرة على مقاومة للتطرف الديني وأفكار التعصب وسوء الظن بالآخرين، وهي الزاوية التي يمكن أن تلتفت إليها الكثير من البرامج الإعلامية وتمنحها قدرة على الوجود وسط العديد من الوسائل التي تتصارع لحجز مكان لها.

ولعل اعتياد الناس على الغرباء من خلال الإعلام يحد من انتشار العنف، ويُقلل من قدرة جماعات الإسلام السياسي على ممارسة نهجها الخطر في استقطاب العامة، ولذلك فهناك حاجة لمزيد من برامج التنوير غير المباشرة عبر وسائل إعلام متنوعة، ومن المهم إعدادها بصورة جيدة وتقديمها باحترافية وتسويقها بشكل فعال لتحظى بقبول الجمهور على غرار “المختلط”.

18