بصمات عراقيات في حقول النفط تتحدى الإقصاء

مهندستان تنهيان هيمنة الرجال على الأعمال الميدانية.
الثلاثاء 2021/03/02
عدد العراقيات في حقول النفط لا يتجاوز أصابع اليد

فرضت مهندسات عراقيات حضورهن في مواقع حفر آبار النفط مبتعدات عن الوظائف المكتبية الكئيبة حيث حجزن مكانة متقدمة في صناعة يهيمن عليها الرجال، وعلى الرغم من أن الطريق أمامهن لا يزال غير سالك فهن يأملن في إنشاء نقابة لجمع المهندسات اللاتي تتشاركن نفس التفكير.

البصرة (العراق) - ظلت زينب أمجد التي تعمل في حقل نفطي في محافظة البصرة العراقية مستيقظة طوال الليل. تنزل جهاز استشعار في أعماق بئر حتى تكتشف موجات السونار وجود النفط الخام الذي يغذي اقتصاد بلدها.

وتشرف آيات روثان في مكان آخر في المحافظة الجنوبية الغنية بالنفط على تجميع أنابيب الحفر الكبيرة التي ستحفر بها الأرض وسترسل بيانات مهمة عن التكوينات الصخرية إلى شاشات تقع على بعد أمتار قليلة حتى تقوم بفك شفرتها.

وتعد الفتاتان البالغتان من العمر 24 عاما من بين الفتيات القلائل اللاتي تجنبن البحث عن الوظائف المكتبية الكئيبة التي عادة ما يتم تسليمها لمهندسات البترول في العراق. وبدلا من ذلك اختارتا أن تصبحا رائدتين في صناعة النفط بالبلاد، مرتديتين القبعات القاسية لتولي العمل الشاق في مواقع الحفارات.

وتعتبر أمجد وروثان جزءا من جيل جديد من النساء العراقيات الموهوبات اللاتي تتحدين الحواجز التي تفرضها مجتمعاتهن المحافظة. ويعد تصميمها على شغل وظائف في صناعة يهيمن عليها الرجال على مدى التاريخ مثالا واضحا على الخلاف الذي يجد الشباب فيه أنفسهم مع التقاليد القبلية الراسخة والمحافظة في جنوب العراق.

الساعات التي تقضيها كل من أمجد وروثان في حقول النفط طويلة والطقس لا يرحم. وغالبا ما تُسألان عما تفعلان هناك كونهما امرأتين.

وقالت أمجد التي تقضي ستة أسابيع في كل مرة تعمل فيها بموقع الحفر “كثيرا ما يرددون على مسامعي أن البيئة الميدانية لا يتحملها سوى الرجال. وإذا استسلمت لهذا الكلام سأثبت أنهم على حق”.

وتميل ثروات العراق الاقتصادية والسياسية إلى التراجع والتقدم وفقا لأسواق النفط. وتشكل مبيعات النفط 90 في المئة من إيرادات الدولة، وتأتي الغالبية العظمى من النفط الخام من الجنوب.

كما أن انهيار أسعار النفط يؤدي إلى حدوث أزمة اقتصادية، فيما ارتفاع الأسعار يملأ خزائن الدولة.

ويجلب الاقتصاد المتعافي قدرا من الاستقرار، في حين أن عدم الاستقرار غالبا ما يقوض قوة قطاع النفط. وقد أدت عقود من الحروب والاضطرابات الأهلية والغزو إلى توقف الإنتاج.

ووفقا لإحصاءات وزارة النفط ظهرت في العراق بعد انخفاض أسعار النفط بسبب جائحة فايروس كورونا والخلافات الدولية بوادر انتعاش، حيث وصلت صادرات يناير الماضي إلى 2.87 مليون برميل يوميا بسعر 53 دولارا للبرميل.

أمجد وروثان تعتبران جزءا من جيل جديد من النساء العراقيات الموهوبات اللاتي تتحدين الحواجز التي تفرضها مجتمعاتهن

ويمكن بالنسبة إلى معظم العراقيين تلخيص الصناعة بهذه الأرقام، لكن أمجد وروثان لديهما نظرة أكثر دقة، حيث أن كل بئر تمثل مجموعة من التحديات. وتحتاج بعض الآبار إلى مزيد من الضغط للضخ، وكان البعض الآخر محملا بالفعل بالغاز السام.

ولفتت أمجد إلى أن “كل حقل يشبه الذهاب إلى بلد جديد”.

ونظرا للأهمية الكبيرة للصناعة بالنسبة إلى الاقتصاد فإن الالتحاق بأقسام البتروكيميائيات في كليات الهندسة بالبلاد مخصصة للطلاب الحاصلين على أعلى الدرجات. وكانت كلتا الفتاتين من بين أعلى 5 في المئة ممن حصلوا على درجات مرتفعة من خريجي دفعة جامعة البصرة في عام 2018.

وفي الكلية أصيبت الفتاتان بالذهول في البداية من عمليات الحفر. وبالنسبة إليهما كان هذا عالما جديدا. كل يوم عمل كان يغرقهما في أعماق الأمور الغامضة تحت قشرة الأرض، حيث تستخدمان أدوات للنظر في تكوينات المعادن والطين حتى يتم العثور على الزيت الثمين.

وقالت روثان “الموضوع أشبه بإلقاء حجر في الماء ومن ثم دراسة التموجات”.

ومن أجل العمل في هذا المجال عرفت أمجد ابنة طبيبين أنه يتعين عليها الحصول على وظيفة في شركة نفط دولية وللقيام بذلك، كان عليها أن تدافع عن مبادئها. كانت الشركات الحكومية طريقا مسدودا، حيث سيتم هناك إسناد العمل المكتبي لها.

وأوضحت أمجد “في أوقات فراغي وفي إجازاتي وفي أيام العطلة كنت أحجز الدورات التدريبية، وأشترك في أي برنامج أستطيع التسجيل فيه”.

وعندما جاءت شركة الصين للبترول للبحث عن موظفين جدد شكل ذلك فرصة مناسبة لأمجد.

وفي وقت لاحق عندما سعت شركة “شلومبيرغر” ومقرها في ولاية تكساس الأميركية إلى البحث عن مهندسين، انتهزت أمجد الفرصة.

وتتطلب الوظيفة تحديد مقدار النفط الذي يمكن استخراجه من بئر معينة، واجتازت أمجد امتحانا صعبا تلو الآخر للوصول إلى المقابلة النهائية.

Thumbnail

وعندما سُئلت عما إذا كانت متأكدة من قدرتها على أداء الوظيفة قالت “وظِّفني وجرّبني”.

وفي غضون شهرين استبدلت أمجد قبعتها الخضراء الصلبة بقبعة بيضاء لامعة مما يدل على ترقيتها كمشرفة ولم تعد متدربة.

وأدركت روثان أيضا أنها ستضطر إلى العمل بجهد إضافي لتحقيق النجاح. وذات مرة عندما اضطر فريقها إلى إجراء حفر بئر جانبية بجوار البئر الأم بقيت مستيقظة طوال الليل.

وبينت روثان “لم أنم لمدة 24 ساعة، أردت أن أفهم العملية برمتها، كل الأدوات من البداية إلى النهاية”.

وتعمل روثان الآن أيضا في شركة “شلومبيرغر” حيث تجمع البيانات من الآبار المستخدمة لتحديد مسار الحفر لاحقا. وتريد أن تتقن عملها في الحفر والشركة رائدة عالميا في هذه الخدمة.

وحتى الأقارب والأصدقاء والمعلمون كانوا يتساءلون: ماذا عن العمل البدني الشاق؟ حر البصرة الحارق؟ العيش في موقع الحفر لعدة أشهر في كل مرة؟ وعقارب الصحراء التي تجوب الخزانات ليلا؟

وأشارت روثان “سخر أساتذتي وزملائي مني في كثير من الأحيان، وأخبروني أنني لن أتمكن من تحقيق ذلك. لكن هذا شحنني بشجاعة أكبر”.

وكان والدا روثان داعمين لها، فوالدتها مهندسة مدنية ووالدها قبطان ناقلة نفط كان يقضي شهورا في البحر.

وتقول روثان “والدايا يفهمان شغفي”، وهي تأمل في المساعدة في إنشاء نقابة لجمع المهندسات العراقيات اللاتي يتشاركن نفس التفكير.

ولا يخلو العمل من الخطر فأحيانا تندلع الاحتجاجات خارج حقول النفط بقيادة العشائر المحلية الغاضبة والعاطلين عن العمل، والتي من الممكن أن تعطل العمل وتتصاعد أحيانا إلى أعمال عنف تجاه عمال النفط. وبينما يحفرون ويستخرجون ثروة العراق النفطية، يشجب آخرون فساد الدولة وسوء تقديم الخدمات والبطالة.

لكن النساء على استعداد لتحمل هذه المصاعب. ولم يكن لدى أمجد الوقت الكافي حتى للتفكير قائلة “الحفر لا يتوقف أبدا”.

20