بصمة جديدة للرسام التونسي مهدي بن الشيخ في باريس

الفنان مهدي بن الشيخ يطلق عملا فنيا استثنائيا بتحويل مبنى خصّص لإقامة طلبة وباحثين تونسيين بباريس إلى لوحة فنية عملاقة مغطاة بحروف عربية.
الثلاثاء 2020/02/11
الخط العربي يزين جناح بورقيبة

ظهرت في السنوات الأخيرة فئة من الرسامين الشباب الذين خرجوا بالفن إلى الشارع الذي يعتبرونه معرضهم ومتحفهم الحقيقي، فالفنان التونسي يرسم رموزه وكائناته الأسطورية على الجدران لتضفي على الشارع مسحة جمالية تبعث بهجة الحياة في نفوس الناس.

خارجا بالعمل الفني من أروقة لا تعرف تغيرات الضوء وانعكاساته، وموظفا أبنية مهجورة وجدرانا متهالكة مسرحا لمغامراته التشكيلية الجماعية، يطلق الفنان مهدي بن الشيخ، الموزع بين باريس وتونس، رموزه وكائناته الأسطورية وحيواناته البرية على الجدران، ليزيح مقولة “الفن للفن” جانبا، في محاولة لدمج العمل الفني في الفضاء العام.

اليوم سيكون بمقدور أكثر من مليون سائق ومرافقيهم -يمرون يوميا أمام مبنى خصص لإقامة طلبة وباحثين تونسيين في الحي الجامعي في الدائرة 14 بباريس- رؤية عمل فني استثنائي؛ مبنى تحولت جدرانه الخارجية إلى لوحة فنية عملاقة مغطاة بحروف عربية.

وكان الفنان التونسي مهدي بن الشيخ -وهو مشرف على إدارة رواق للفنون في العاصمة الفرنسية- قد أعلن الانتهاء من مشروع تحويل الجدار الخارجي لـ”جناح الحبيب بورقيبة” بالحي الجامعي إلى نصب فني.

واعتبر في بيان على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن هذا العمل يمثل خطوة جديدة نحو دمج العمل الفني في الفضاء العام ومحيطه. واختار القائمون على المشروع اسم “جناح الحبيب بورقيبة”، في دلالة ترمز إلى الاهتمام الذي خصه الزعيم التونسي الراحل للتعليم في تونس.

مهدي بن الشيخ ينتهي من مشروع تحويل الجدار الخارجي لجناح الحبيب بورقيبة بالحي الجامعي في باريس إلى نصب فني
مهدي بن الشيخ ينتهي من مشروع تحويل الجدار الخارجي لجناح الحبيب بورقيبة بالحي الجامعي في باريس إلى نصب فني

ويحتوي المشروع -وهو المبيت التونسي الثاني التابع للمدينة الجامعية الدولية في باريس- على مدرج للمحاضرات والعروض الفنية، يتسع لثلاث مئة من الحضور، وفضاء آخر للدراسة، وجناح إداري، وفضاء للاستقبال ومطعم، وذلك إضافة إلى مئتي غرفة مبيت.

 كما يتضمن فضاء للترفيه، مفتوحا أمام جميع المقيمين في المدينة الجامعية. وبإنجاز هذا المبيت يصبح عدد أفراد الجالية الطلابية التونسية المقيمة في المبيتات الجامعية، الأعلى بين الطلبة الأجانب.

واختار مهدي حروفا عربية من تصميم الفنان التونسي حسني هيرتيلي، وهي مزيح بين خط الرقعة والكوفي السنبلي. أما الغطاء الذي وزعت عليه الحروف لتبرز تغيرات الضوء وانعكاساته خلال دقائق النهار، فهو من تصميم التونسي وسام سوسي، وتم اختيار معدن خفيف وقوي -هو الألمنيوم- لتنفيذ الهيكل.

النتيجة، ليست فقط جميلة كما وصفها بن الشيخ، بل هي رائعة ومبهرة، وتمثل تونس الحديثة خير تمثيل، كما يقول الفنان، الذي يدير مجموعة مهتمة بفن الشارع منذ سنوات، ويصنف واحدا من أهم المنتسبين إلى تلك الحركة في أوروبا.

ويفضل عند الحديث عن بن الشيخ تلافي استخدام عبارة “فن الغرافيتي” التي أصبحت مصطلحا متفقا عليه عند التطرق إلى فن الشارع المدان اجتماعيا، ويعرّض من يمارسه لعقوبة الغرامة أو السجن؛ ما يقوم به بن الشيخ ومن معه هو إضفاء بعد جمالي على معالم متهالكة ومهجورة في المدن.

ويدير بن الشيخ رواق “اتينيرانس” المتخصص في فن الشارع، بالتعاون مع فنانين معروفين في هذا المجال، ويعمل أيضا على اكتشاف فنانين شباب جدد.

ويأمل القائمون على مشروع “جناح الحبيب بورقيبة” الجامعي، أن يلعب دورا مستقبليا هاما في تطوير العمل الإبداعي والفني والثقافي، خاصة بعد توقيع اتفاقية شراكة، الجمعة 07 فبراير الحالي، بين وزارة الثقافة ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، تنص على توظيف الفضاءات التابعة للجناح في هذا الغرض.

وسبق للفنان بن الشيخ أن ترك بصمته على مبنى مهجور، مؤلف من عشرة طوابق، في قلب العاصمة الفرنسية باريس، حيث يقيم؛ حدث ذلك عام 2013، وبمساعدة مئة رسام، تحول المبنى إلى أكبر معرض لـ“فن الشارع” الجماعي في أوروبا، وحملت التجربة اسم “برج باريس 12”.

نجاحه الباريسي، ونصف سنين عمره التي قضاها هناك، لم يُنسيَا مهدي حب الوطن، ليؤكد أن ذكراه بقيت راسخة في القلب والعقل، وهذا ما دفعه، عام 2014، إلى نقل تجربته الباريسية من فرنسا إلى جزيرة جربة في تونس.

اختار مهدي قرية “إرياد”، وسط الجزيرة، المعروفة بـ”جزيرة الأحلام”، والتي تتميز ببيوتها التقليدية الصغيرة، لتتحول بعد إنجاز المشروع إلى منطقة جذب سياحي، ليس لجمالها وحسن مناخها فحسب، بل أيضا بفضل البصمة الإبداعية التي أضفيت عليها، والتي كان لمهدي بن الشيخ الفضل الأول فيها.

قام الفنان بدعوة أكثر من مئة رسام من ثلاثين بلدًا مختلفاً، للعمل بالمشروع الجديد “جربة هوود” في القرية التي تم اختيارها، ومنحوها بجهدهم المشترك بعدا جديداً، لتصبح أقرب ما يكون إلى كتاب مليء برسوم ملونة نتصفحه كما كتب الأطفال. وبفضل خلية النحل الفنية التي جمعت بين فنانين قادمين من دول مختلفة -منها المكسيك، وفرنسا، واليابان، والبرازيل، وإيطاليا، والأرجنتين، واليونان، ومصر، وفلسطين، وتونس، والمغرب، وجنوب أفريقيا- تحولت القرية المتداعية إلى معلم سياحي وثقافي بامتياز.

وأكد الفنان أن هدفه الأول والأهم لم يكن سوى سعيه لتصبح القرية أكبر متحف فني في العالم، يجذب إليه أنظار المهتمين بفنون الشارع، والمهتمين بتاريخ الثقافة والحضارة التونسية، خاصة “جزيرة جربة” التي جاء ذكرها على لسان هوميروس في الأوديسة.

لم يكن جمع مئة فنان من محترفي رسوم الشارع للمشاركة في تنفيذ حلمه بالأمر السهل، خاصة بعد أن وضع قائمة من الشروط والمطالب، اعتمدها لاختيار الفنانين الذين ساهموا في المشروع، في طليعتها يأتي الالتزام بأسلوب فني يحفظ للقرية ملامحها التاريخية وأصالة العمارة فيها، ويعكس أيضا أسلوب عيش أهلها، دون تطفل أو تشويه أو تبديل.

وكان عليه أولا أن يقنع المسؤولين في وزارة السياحة التونسية ورئاسة البلدية في جربة بتبني الفكرة، وكذلك أيضا إقناع أصحاب البيوت في القرية بالموافقة على أن تتحول جدران منازلهم إلى خامات يرسم على سطحها.

لم تكن المهمة يسيرة، وخاصة أن الكثير من سكان القرية اعتبروا أن الرسم على الجدران تشويه لمنازلهم؛ المصاعب كلها لم تُثنه عن المضي في المشروع ليحصل في النهاية على موافقة الجميع. وخلال أشهر استطاع الرسامون إنهاء المشروع الضخم، وكانت حصيلة ما أنجزوه هي أكثر من ثلاث مئة عمل على جدران القرية، التي تحولت إلى معرض فني مفتوح لعشاق الفن في العالم، وحملت الرسوم صوراً لقادة وكائنات أسطورية وحيوانات، كل ذلك في تناغم مذهل مع المحيط.

20