بعد العدوّ.. مصر تفرّط في المعارضة

إذا حضر الاستبداد غابت المعارضة، ولك أن تراقب المشهد من كوريا الشمالية مرورا بإيران وتركيا وصولا إلى مصر المحروسة حيث يتطوع المفتي بالتحريم خارج اختصاصه الفقهي.
الأربعاء 2019/12/04
أعجبه دور المعارض فأدمن إلقاء الدروس بخطاب سطحي لا تستقيم فيه جملة

من المهم، في عنوان هذا المقال، قراءة فعل “تفرّط” بتشديد الراء؛ لكي لا يظن أحد أن في مصر إفراطا وغلوّا في المعارضة، وهي كلمة فقدت المعنى، ولم تعد دالة على شيء، من الأحزاب إلى أساتذة العلوم السياسية إلى أعضاء البرلمان، وصار الفضاء أليفا وباهتا وعنوانا لهشاشة لا تحتمل رجلا رشيدا يقول رأيا مختلفا، خوفا من انهيار البناء. وربما تعجب لمفارقة استئناس عدوّ خارجي لا يخفي عداوته، مع الاستئساد على معارضة تكون، في أي بلد يتمتع بالحدّ الأدنى من الرشد السياسي، جزءا من مفردات المشهد العمومي.

في مراحل رسوخ البنيان السياسي لا يستشعر الحزب الحاكم خطورة في قوة منافسين يسعون إلى الحكم، وأي تجاوز في حق المعارضين يواجه بقوة القانون. ويسهل الحكم على مكانة وعافية الحزب الحاكم أو الرئيس بالنظر إلى قامات معارضيه.

حين يحكم زعيم في حجم سعد زغلول، فلا بدّ أن يكون على الطرف الآخر عدلي يكن. وفي ذروة شعبية حزب الوفد وزعيمه مصطفى النحاس، كان القصر الملكي يفتعل أحزاب أقلية، ولا يعدم شخصيات بوزن محمد محمود وإسماعيل صدقي وعلي ماهر، تتولى رئاسة مجلس الوزراء.

لم تبرأ الجراح النفسية لضحايا قانون تنظيم التظاهر غير الدستوري منذ صدوره في نوفمبر 2013. التنظيم يعني الحظر، وإحكام إغلاق المسارات المغلقة أصلا

في ظل دستور عام 1923، ومصر تحت الاحتلال البريطاني، لم تعتقل امرأة. ومن شأن تداول السلطة كبح مظاهر الاستبداد، فلا يتوهم حزب أنه سيحكم إلى الأبد، وتراعي الحكومة القائمة حتمية أن تقصيها انتخابات نزيهة، وتأتي بحزب آخر يحكم ويفتح الدفاتر القديمة، فيحاسب سياسيين فاسدين، ويحاكم ضباطا ارتكبوا تجاوزات وجرائم في حق سجناء.

إذا أتيحت زيارة مصر لكائن فضائي الآن فسوف يسأل: أين المعارضة؟ ومن رموزها؟ ولن يعثر على هذه الكائنات في أحزاب سياسية أو في حركات وجمعيات أهلية مهدت لثورة 25 يناير عام 2011.

ربما قال أحد الصادقين لهذا الزائر إن المعارض رهين “أربعة ميمات”: مقبرة، منزل، منفى، معتقل.

في إحدى هذه الزوايا الأربع يستقرّ الآن المعارض المصري ميتا من القهر، أو يائسا محاصرا يلزم بيته، أو هاربا من مصائر لا يضمن فيها نزاهة جهاز العدالة، أو مُصادَرا في حريته دون أن يعرف طبيعة التهمة، فلا يفرج عنه ولا يقدم إلى المحاكمة.

باستبعاد هذه النماذج الأربعة تسهل معرفة ملامح الأداء السياسي، وطبيعة قمة هرم السلطة.

وفي مثل هذا التراجع لن يكون الأنداد إلا في وزن الممثل محمد علي، وقد عمل مقاولا لدى النظام نحو 15 عاما، ثم انقلب عليه لاختلاف في البيزنس، وأعجبه دور المعارض الوطني الغيور، وأدمن إلقاء دروس التوعية السياسية والإرشاد الثوري، بخطاب سطحي لا تستقيم فيه جملة سليمة. ولكنه في مسألة الخطاب، عمقا وأداء لغويا، ليس أعجب من رئيس البرلمان ولو كان يقرأ كلمة مكتوبة.

من يزعم أنه آمن على نفسه في مصر الآن فهو واهم، ولو كان برلمانيا ذا حصانة. توجد آليات رسمية للمحاسبة وإسقاط العضوية، وهناك وسائل غير قانونية للتشهير والاغتيال المعنوي، تعدّ إرهابا يضطر البعض إلى الصمت.

ومن الأوهام أيضا أن تعلق آمال التغيير على محمد علي، رغم نصيبه المحدود من الوعي، وأن يوكل إليه الكلام باسم الثورة والمعارضة، بعد أن منح نفسه هذا الحق وأقرّه عليه البعض. ثم يُستفتى في مستقبل النظام السياسي، ويقترح عليه البعض في وسائل الإعلام أن يرشح نفسه للرئاسة.

وهكذا تكتمل الملهاة ويضيق السيرك بالحُواة.

إذا حضر الاستبداد غابت المعارضة، ولك أن تراقب المشهد من كوريا الشمالية مرورا بإيران وتركيا وصولا إلى مصر المحروسة حيث يتطوع المفتي بالتحريم (بالحاء والجيم) خارج اختصاصه الفقهي.

الإمام في هذا الشأن الملتبس، الذي لا تعرف فيه أين ينتهي الدين وأين تبدأ السياسة، هو الشيخ متولي الشعراوي، وكان يتقلد المنصبين، الديني والسياسي، حين كان وزيرا للأوقاف وشؤون الأزهر، وخرج عن الجماعة الوطنية الرافضة لزيارة السادات إلى القدس، وقال “لو أن الأمر بيدي لجعلت الرئيس المؤمن محمد أنور السادات في مقام الذي لا يُسأل عمّا يفعل”. ولكن منصب مفتي مصر دون مشيخة الأزهر ووزارة الأوقاف.

في الاحتفال بذكرى المولد النبوي، 7 نوفمبر 2019، اقترح رئيس الجمهورية على وزير الأوقاف عقد مؤتمر حول الشأن العام. وعلى الفور تحول الاقتراح إلى أمر.

إذا أتيحت زيارة مصر لكائن فضائي الآن فسوف يسأل: أين المعارضة؟ ومن رموزها؟ ولن يعثر على هذه الكائنات في أحزاب سياسية أو في حركات وجمعيات أهلية

وفي 24 نوفمبر 2019 قال مفتي الجمهورية الدكتور شوقي علام، في إحدى الجلسات التحضيرية للمؤتمر المرتقب إن الشأن العام لم يعد مجالا لأي أحد للتحدث فيه.

وبعد اقتراح الرئيس وتصريح المفتي توحدت خطبة الجمعة، يوم 29 نوفمبر 2019، تحت عنوان “حماية الشأن العام”، وفي اليوم نفسه نشرت صحيفة “الوطن” على لسان المفتي إشادة بدعوة الرئيس، “خاصة مع تصدّر غير المتخصصين للحديث في القضايا التي تهم عامة الناس بغير علم، فنجد من يتحدث ويحلل الأمور الدينية أو الاقتصادية أو البيئية أو الهندسية وغيرها، وهو ليس من أهل هذا التخصص، مما يثير القلاقل في المجتمعات ويجعل الناس في حالة اضطراب وتشتت وغير وضوح في الرؤية للشأن العام، وقد يحدث هذا فتنة في البلاد، لذا ينبغي أن يتصدر للإفتاء في الشأن العام المتخصصون، لأنهم أكثر دراية بتأثير الفتوى.. وأقدر على استنباط الأحكام بما يتناسب مع مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، ومنظومة القيم الإسلامية ومبادئ الشريعة ومقاصدها العامة”.

هذا الرجل/ المفتي يخلط السياسة وهي نسبية، بالإفتاء الفقهي والشريعة التي تمثل المطلق. وهكذا ستمضي الأمور نحو شيء عنوانه تنظيم الكلام في الشأن العام، والتنظيم يعني المصادرة.

ولم تبرأ الجراح النفسية لضحايا قانون تنظيم التظاهر غير الدستوري منذ صدوره في نوفمبر 2013. التنظيم يعني الحظر، وإحكام إغلاق المسارات المغلقة أصلا. فمن يَحكم إلى الأبد يُحكم إغلاق أبواب كل شيء، بما في ذلك أمل المواطن في رحمة الله التي وسعت كل شيء.

8