بعيد السياسة وقريب كورونا

لا أحد يستطيع تجميل الواقع أمام وقع هذه الكارثة. القادة المنشغلون بالقضايا القومية الكبرى، صار عليهم أن يردوا على تساؤلات البسطاء ممن أمعن الإعلام الموجه في تضليلهم أو إشغالهم بالبعيد من القضايا والشؤون.
الأربعاء 2021/06/09
الوباء خطر داهم قريب

من المبكّر الحكم إن كانت بعض الأعراض الجانبية لكورونا ستحسب على الإيجابيات. من المبكر لأنها كي تصبح إيجابية فعلا عليها أن تستمر. قائمة السلبيات للوباء طويلة ومؤلمة وفي كثير من الأحيان كارثية. لكن يحسب لجائحة كورونا، وخصوصا في عالمنا العربي، أنها أحيت شيئا كان قد مات تقريبا: أنّ هناك عالما فيه أشياء تمس حياتك القريبة وليس السياسة البعيدة فقط.

السياسة البعيدة جغرافيا صادرت الحياة في عالمنا العربي. تجلس في مقهى في تونس فيتحدث الجالس معك عن الحرب الأهلية في سوريا. يقول لك خطر الإسلاميين ولا يتلفّت من حوله ليدقّق في شكل الشارع كيف تغيّر. تتجوّل لتعدّ تحقيقا صحفيا في أحياء الفقر في القاهرة فتسمع أخبار فلسطين. يعيش هؤلاء في “بيوت” من صفيح وهم قلقون على مصير أبراج مشيدة في غزة. ميليشيا الحيّ المسلّحة لا تثير نفس الاهتمام مثل الميليشيات التي تتجول في بغداد أو صنعاء. حتى الرياضة، ولع الشباب، تصمت أمام هذا التعلق بالسياسة، والبعيد منها تحديدا. هو إحساس تضامني مهمّ. لكن من دون اهتمام بالقريب، يصبح الاهتمام بالبعيد ترفا أو تجاوبا مع استعراضات سياسية محلية تتهرب من الرد على الأسئلة الوطنية الأقرب والأكثر إلحاحا.

جائحة كورونا غيرت هذا المشهد. الوباء خطر داهم قريب. بالتأكيد هو ليس صورة تلفزيونية عن حدث بعيد. تخرج إلى الشارع فترى الكمّامات فتتذكر كورونا. تقرأ الصحف أو تستمع إلى نشرة الأخبار فتأتيك أخبار كورونا. تفتح الباب لتخرج مساء، فتذكّرك دورية الشرطة التي تتحقق من تنفيذ حظر التجول بأن الوباء من أمامنا ومن خلفنا. كل حديث عن تميز القطاع الصحي في بلد وأن الدول تقوم بواجبها وأن الإجراءات ذكية وفعالة، تمتحن مع عدّاد الإصابات – وللأسف مع العداد الأقسى: الوفيات. أكاذيب الحكومات تحوّلت إلى فضائح مثلما جاءت جائحة كورونا لتصمت رجال الشعوذة المعممين في بلداننا. منظومات النقل وتوزيع الغذاء والتعليم والأمن الوطنية والمحلية تخضع للاختبار. لا أحد يستطيع تجميل الواقع أمام وقع هذه الكارثة. القادة المنشغلون بالقضايا القومية الكبرى، صار عليهم أن يردوا على تساؤلات البسطاء ممن أمعن الإعلام الموجه في تضليلهم أو إشغالهم بالبعيد من القضايا والشؤون. أنبوبة غاز أوكسجين غير متوفرة في مركز صحي أو مستشفى يمكن أن تهز حكومة أو حتى تسقطها. “أين اللقاح”؟ صار سؤالا مهمّا على الحكومات أن تردّ عليه قبل أن تردّ على موقفها السياسي من قضية بعيدة.

نحن أمام واقع نفسي جديد. ستذهب جائحة كورونا، ولكن طريقة النظر إلى القريب والبعيد ستزداد واقعية. ننشغل بالقريب من المشاكل ونعطيه حقه من الحلول قبل الانشغال والبحث عن حلول للبعيد.

24
مقالات ذات صلة