بوتين يدافع عن جرائم ستالين في الذكرى السبعين للحرب العالمية الثانية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستميت في الدفاع عن ستالين ويقول "الأمة القوية لا تعتذر عن ماضيها".
الأربعاء 2020/02/19
محور الخلاف

موسكو – في الوقت الذي تستعد فيه روسيا للاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين لانتصارها في الحرب العالمية الثانية، في شهر مايو المقبل، يواصل الرئيس فلاديمير بوتين الدفاع باستماتة عن الزعيم السوفييتي الراحل جوزيف ستالين، ويتصدى لدعوات تطالب بفتح الأرشيف السري المتعلّق بقيام الدولة السوفييتية بقتل الملايين من مواطنيها.

وعلى سبيل المثال، يوجد في مدينة بوتوفو أكثر من 200 ألف ضحية في مقبرة جماعية بضيعة سابقة ترجع لعهد القياصرة، على بعد حوالي 20 ميلا (32 كيلومترا) خارج موسكو. وقتل بعضهم بالغاز في شاحنات كانت تقلّهم وهم يرتدون ملابسهم الداخلية إلى ساحات القتل خلال حملة “الرعب العظيم” التي نفّذها ستالين خلال عاميْ 1937 و1938.

وقال كيريل كاليدا، وهو قسّ أرثوذكسي روسي كان جده ضمن القتلى، وهو جزء من حملة تهدف إلى الكشف بشكل تام عن مصير ضحايا قمع ستالين “نريد معرفة الحقيقة… لا يجب أن نحاول التستر عليها”.

وفي الوقت الذي يدعو فيه الكرملين زعماء العالم إلى حضور فعاليات كبري احتفالا بالذكرى الخامسة والسبعين للانتصار في الحرب العالمية الثانية التي يطلق عليها الروس “الحرب الوطنية العظمى”، يشدّد بوتين من لهجة خطابه ضد القوى الغربية بسبب معاهدة “مولوتوف ريبنتروب” التي أبرمت في عام 1939 بين ستالين والزعيم النازي أدولف هتلر.

وفي سبتمبر الماضي، ندّدت روسيا بقرار البرلمان الأوروبي الذي ساوى بين ألمانيا النازية والاتحاد السوفييتي. وقال إن صفقة سرية تضمّنتها المعاهدة لاستقطاع بولندا ودول البلطيق “مهدت الطريق” أمام اندلاع الحرب الثانية.

دفاع فلاديمير بوتين عن جوزيف ستالين وعن السجل السوفياتي يهدد بتقويض جهود موسكو لتخفيف حدة التوترات مع الغرب

وجعل بوتين الانتصار في الحرب محور جهود أيديولوجية لحشد الروس وراء رؤيته الخاصة بأمّة قوية لا تعتذر عن ماضيها، وقادرة على الوقوف في وجه الغرب في أعقاب الانهيار المُهين للقوة العظمى السوفييتية. وهي رؤية تتعارض مع أعمال القمع الجماعي إبان حقبة ستالين وتاريخ الاحتلال السوفييتي لأوروبا الشرقية بعد الحرب.

وتتزامن الاستعدادات للاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين للانتصار في الحرب مع تغييرات دستورية من شأنها أن تسمح لبوتين بالاستمرار في حكم روسيا بعد انتهاء ولايته الرئاسية الحالية في عام 2024.

وعمل بوتين على تأجيج الشعور بالوطنية للاحتفاظ بالدعم الشعبي في خضم المواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها على خلفية ضم موسكو لشبه جزيرة القرم في عام 2014، وتدخلها عسكريا في شرق أوكرانيا، في الوقت الذي تحمّل فيه المواطنون الروس وطأة خمس سنوات من تراجع الدخل بسبب العقوبات الدولية على بلادهم.

ويهدّد دفاع بوتين عن ستالين وعن السجلّ السوفييتي بتقويض جهود موسكو لتخفيف حدة التوترات مع الغرب. ويبحث الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون في دعوتين من بوتين لحضور عرض عسكري سنوي يقام في الميدان الأحمر في التاسع من شهرمايو المقبل، في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنه سوف يحضر العرض.

وأبلغ بوتين زعماء الجمهوريات السوفييتية السابقة في شهر ديسمبر الماضي بأن الكرملين اضطر إلى التوقيع على معاهدة “مولوتوف ريبنتروب” (التي تُعرف رسميّا بمعاهدة عدم الاعتداء بين ألمانيا والاتحاد السوفييتي السابق) لكسب الوقت لإقامة دفاعات البلاد بعدما خانت بريطانيا وفرنسا الاتحاد السوفييتي وتوصلتا إلى اتفاقية ميونخ مع هتلر في عام 1938.

وقال بوتين في خطاب بثّه التلفزيون الرسمي في روسيا “إنهم يريدون تحويل المسؤولية عن اندلاع الحرب العالمية الثانية من النازيين إلى الشيوعيين”.

دفاع بوتين عن ستالين يهدد بتقويض جهود موسكو لتخفيف حدة التوترات مع الغرب
دفاع بوتين عن ستالين يهدد بتقويض جهود موسكو لتخفيف حدة التوترات مع الغرب

ولطالما هاجم بوتين بولندا، متهما إياها بـ”التآمر” مع هتلر، وفي اجتماع عقده مع قادة عسكريين في الرابع والعشرين من شهر ديسمبر الماضي وصف السفير البولندي لدى ألمانيا النازية بأنه “خنزير معاد للسامية”. وفي اجتماع عُقِدَ في ديسمبر الماضي للمجلس الروسي لحقوق الإنسان، اتسم رد بوتين بالتشكك على دعوة لإنشاء قاعدة بيانات عامة عن عمليات القتل التي تمت في عهد ستالين، قائلا إن هناك “مخاطر كبرى” تتعلّق بفتح سجلات الشرطة السرية (إن.كيه.في.دي) إبان عهد ستالين. وأضاف “نعرف الطريقة التي عملت بها الشرطة السرية خلال حقبة ثلاثينات القرن الماضي، ربما لا يكون الأمر دائما سارا بالنسبة للأقارب إذا ما جرى فتح ملفات أسلافهم”.

وفي عام 2007 قام بوتين بزيارة مدينة بوتوفو. وبفضل رئيس استخبارات يتسم بالتفكير الليبرالي في موسكو في مطلع التسعينات وشهادة ضابط رفيع المستوى من جهاز الاستخبارات الروسية السابق “كيه.جي.بي”، تم تحديد هوية الضحايا الذين دفنوا في المدينة والبالغ عددهم 20 ألفا و762 شخصا، وكان بينهم ألف قس أرثوذكسي وزعيم الجالية اليهودية السوفييتية وفرقة مسرحية من منطقة البلطيق، وشخصيات روسية بارزة.

وقال كاليدا الذي رافق الرئيس الروسي خلال زيارته لمدينة بوتوفو في عام 2017 “كانت العصبية واضحة على بوتين”. وكاليدا مسؤول اليوم عن موقع جرى فيه إقامة نصب من الغرانيت حفرت عليه أسماء الضحايا وتواريخ إعدامهم.

وأضاف كاليدا “بالنسبة له، لم تكن الزيارة سهلة، وقد قال إنه جرى إبادة صفوة الأمة”. وتتضمن الوثائق المعروضة في مدينة بوتوفو وصفا قدّمه شهود عيان للسجناء وهم يحتضرون جرّاء إطلاق غاز أول أكسيد الكربون عليهم وهم داخل شاحنات.

وتوجد مقابر جماعية مماثلة في جميع أنحاء الاتحاد السوفييتي السابق، وتم اكتشاف عدد قليل منها فقط. وخلال عصر ستالين الذي استمر حوالي ثلاثة عقود، حتى وفاته في عام 1953، قامت الشرطة السرية بسجن أو ترحيل أو إعدام ما يقرب من 27 مليون مواطن، بحسب متحف “غولاج” للتاريخ الذي تموّله الدولة.

5