بيان أحفاد البنا 2019.. أزمة خيال في الخطاب الإخواني

من تجليات فقر الخيال الإخواني تصوير ما جرى في 30 يونيو 2013 بالانقلاب، والإلحاح على وصف عبدالفتاح السيسي بأنه "قائد الانقلاب العسكري".
الجمعة 2019/07/12
خيال فقير محاصر بأوهام الحكم

لألبرت أينشتاين تعريف للغباء: أن تُكرر الشيء، بالمعطيات والخطوات نفسها، ثم تنتظر نتائج مختلفة. ولا يكفّ تنظيم الإخوان عن ضخّ البيانات المتشابهة، من دون اجتهاد في تغيير الأسلوب، ومراعاة ردود فعل الآخرين؛ لإيمانهم بأن الآخرين هم الجحيم، وإن جهلوا صاحب المقولة. ولكن في بيانهم، في 29 يونيو 2019، جديدا بإشارته الخبيثة إلى تدويل شأن مصري، ولم يحدث أن أطلق فصيل وطني مصطلح “القضية المصرية”، إلا إذا تعلق الأمر بقضية مصيرية لها ظلال إقليمية ودولية، كالاستقلال عن الاستعمار. وحاليا تقترن كلمة “قضية” بفلسطين، وإذا كان للعرب قضية فعنوانها فلسطين، على الرغم من معاناة العالم العربي من أزمات داخلية معقدة.

في الموقع الإلكتروني لتنظيم الإخوان، الذي لا يزال يرفع شعار السيفين المتقاطعين أعلى أمْر “وأعدّوا”، جاء العنوان “بيان من الإخوان المسلمين إلى الأمة حول الواقع الجديد للقضية المصرية”، ويقصدون بهذا الواقع الجديد “استشهاد الرئيس محمد مرسي”.

ولك أن تسأل عن ماهية التنظيم الإخواني الآن: هل هو مؤسسة دعوية تبشّر المسلمين بالإسلام؟ وإذا كانت الإجابة: نعم، ستسأل عن الإنجاز التجديدي في الفكر والفقه، ولن تجد فيهم مجدّدا، وعلاقة أغلبيتهم بالفكر أنه من عمل الشيطان.

وفي المجالات الأخرى يخلو السجلّ من إضافة، وإذا احتجوا بالاقتصاد، أشاروا إلى كتاب يوسف القرضاوي "مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام"، وأما العمل الكبير إلى الآن فهو "العدالة الاجتماعية في الإسلام"، لسيد قطب في مرحلة بينية، بين ليبراليته وإسلاميته، قبل السفر إلى الولايات المتحدة عام 1948، وقد عاد منها بميول فاشية، محرّضا قادة ثورة يوليو 1952 على اتخاذ إجراءات دامية إزاء المعارضين. وبسرعة وجّه ميوله إلى مجرى إخوانيّ مرحّب بانضمامه إلى الجماعة.

بعد 30 يونيو اتضحت الكراهية لكل ما هو مصري. ويسهل ملاحظتها في حماسة الإسلاميين المضادة لمنتخب مصر

وإذا كان النشاط غير دعوي، فليعلن التنظيم عن أهدافه السياسية عبر وسائل سياسية تخضع للمساءلة،  بدلا من أن يخلط “عملا صالحا وآخر سيئا”، ويضلّ أتباعه باسم الدين، في أمر سياسي خلافي يسميه “القضية المصرية”، وهو تجديد لئيم في الخطاب الإخواني يستنهض قوى خارجية ويمهد لها الطريق للمشاركة في بحث “قضية” لا وجود لها إلا في خيال الإخوان، ذلك الخيال الفقير المحاصر بأوهام العودة إلى حكم مصر.

من تجليات فقر الخيال الإخواني تصوير ما جرى في 30 يونيو 2013 بالانقلاب، والإلحاح على وصف عبدالفتاح السيسي بأنه “قائد الانقلاب العسكري”. هكذا يتهمون الشعب بالغفلة زاعمين أن الحشود المليونية تواطأت مع انقلاب. وفي خطابهم الإعلامي اعتادوا وصف الشعب بأنه يعبد “البيادة”، فكيف يراهنون على من يرونهم عبيدا؟ وبأي منطق ينتظرون النصرة من شعب يراهم أصحاب فضل على السيسي، ليس بتصعيده وزيرا للدفاع في أغسطس 2012، وإنما بمواصلة الاعتداء والتحريض على الدماء، فلا يجد الشعب إلا الجيش يحميه من ميليشيا ذات تحالفات إقليمية.

لو تمتعوا بالدهاء السياسي لقدموا إلى الشعب اعتذارا عن خذلانهم للثورة مع اندلاع شرارتها، وخيانتهم لها قبل وصولهم إلى الحكم، وطوال عام من الاحتكار والإقصاء وتوجيه أصابع الاتهام بالتكفير الديني.

في كتابي “الثورة الآن”، الذي نشر مسلسلا في 2011 وصدر كتابا في 2012، سجلت شهادة عبدالحليم قنديل عن التحاق كل الفصائل الإسلامية بالثورة “بطريقة متباطئة وبراغماتية جدا، ولم يكونوا أبدا من دعاتها، ولا من المبادرين إليها”؛ فلم تشارك الجماعة الإسلامية في عمل معارض، لا بالعنف ولا بالسلم، خلال السنوات العشر الأخيرة لمبارك، أما حال السلفيين فكان “الأشد بؤسا”، إذ لم يصدر عن أي جماعة أو شيخ سلفي أي نوع من المعارضة العلنية للنظام، ولا الدعوة للثورة، “وكان النظام وأجهزة أمنه يستخدمهم لأغراض خاصة، ويحصل على فتاوى تأييد من عدد كبير من مشايخهم، والذين صدرت عنهم فتاوى تحرم الإضرابات والمظاهرات، وتكفر فكرة الخروج عن الحاكم، بل وتحرم المشاركة في الانتخابات، ولو لدعم جماعة الإخوان”.

وكان الإخوان معارضين للثورة، راغبين في الإصلاح من داخل النظام نفسه، وفي مساء الأحد 23 يناير 2011 كان قنديل “طرفا مباشرا في اختبار أخير لموقف الإخوان، كان قد جرى الترويج بكثافة لمظاهرات 25 يناير 2011 من قبل نشطاء فيسبوك، وكان عدد من قادة القوى السياسية يناقشون الموقف النهائي، وحضرت اجتماعا سريا في مكتب محاماة النائب السابق علاء عبدالمنعم، وكان الحضور- إضافة لعبدالمنعم- حمدين صباحي وأيمن نور وعبدالعظيم المغربي وسعد عبود والقيادي الإخواني محمد البلتاجي، كنا سبعة، وكنت حاضرا بصفتي المنسق العام لحركة كفاية وقتها، وكان الحضور قد كلفوني قبلها بصياغة بيان تأييد ومشاركة في مظاهرات 25 يناير، وقرأت البيان على الحضور، ولم يعترض أحد سوى محمد البلتاجي، كان اعتراضه الأساسي على عبارة يطلب نصها (الإنهاء السلمي لحكم مبارك وعائلته)، وقال البلتاجي وقتها بالنص “إن الإخوان لن يوافقوا أبدا على المشاركة في توقيع على بيان يرد فيه ذكر اسم مبارك، أو الدعوة لخلعه”. وأضاف “نريد الاقتصار فقط على المطالبة بحل مجلسي الشعب والشورى في مظاهرات 25 يناير”.

كان ميدان التحرير يغلي ورموز الإخوان يجتمعون بعمر سليمان، ثم تحالفوا مع المجلس العسكري، وعقب تنحي مبارك مساء 11 فبراير 2011، أعلنوا صيحتهم المضللة “الشعب يريد إخلاء الميدان”. لم يكونوا أذكياء فيخفون عداوتهم للشعب المصري قبل 30 يونيو 2013 وبعدها، إذ جاهروا بعقاب الشعب.

ولن يصدق أحد بيانهم الداعي إلى “إعادة تأطير الأجندة الثورية في مصر على محوري الفكر والحركة”، فهم في الذاكرة الجمعية يدافعون عن عدوانهم بإعادة مضغ كلمة الانقلاب، وزاد عليها الإلحاح على أن مرسي “شهيد”، إذ يبدأ البيان باستغفال الشعب أولا «الرئيس الشهيد محمد مرسي»: فترى جماعة الإخوان أن «الرئيس الشهيد محمد مرسي هو رمز التجربة الديمقراطية المصرية”. كلام مضحك، فلم يكن الرجل المسكين إلا رئيسا دستوريا، منزوع الخيار والقرار في حكم مركزه مكتب الإرشاد لا القصر الجمهوري. وكان شريكا في الصمت على تقسيم الشعب بين سنة وشيعة، إخوان ومواطنين، خاطفين ومخطوفين.

يدعو البيان إلى “القصاص العادل للشهداء منذ يناير 2011”. ولتنشيط الذاكرة أذكّر باحتفال الإخوان بذكرى نصر أكتوبر، في 6 أكتوبر 2012، إذ دخل رئيس الجمهورية إستاد القاهرة في سيارة السادات المكشوفة، وحيّا أنصاره ومنهم قتلة أنور السادات، وغاب عن الاحتفال من شاركوا في النصر.

وفي 10 أكتوبر 2012 صدر حكم ببراءة المتهمين في “موقعة الجمل” وهي بالأرقام: 14 شهيدا، أكثر من ألف مصاب، 25 متهما، أكثر من 370 شاهدا، 1480 ورقة تحقيقات. وكان المتهمون قد أحيلوا في 7 يوليو 2011، إلى محكمة الجنايات، متهمين بالقتل العمد للمتظاهرين، وتكوين عصابات مسلحة للاعتداء على المتظاهرين والشروع في قتلهم، وإرهاب وإيذاء المحتجين سلميا، وضربهم وإحداث عاهات ببعضهم. وطوال 30 يوما، لم تقدم النيابة إلى محكمة النقض طعنا على حكم البراءة. وفات الموعد وأصبح حكم البراءة محصّنا.

وفي يوم الإعلان الدستوري 22 نوفمبر 2012، أعلن النائب العام طلعت عبدالله أنه أصدر قرارا يعيد التحقيقات مع مبارك ووزير الداخلية حبيب العادلي، وإعادة التحقيق مع المتهمين في “موقعة الجمل” الذين حصلوا على حكم بالبراءة وإعادة التحقيقات مع 17 مدير أمن و53 ضابطا وشرطيا على مستوى الجمهورية، نالوا أحكام البراءة في قضايا قتل متظاهرين.

يغازلون شعبا خذلوه
يغازلون شعبا خذلوه

يدعو البيان إلى “توحيد المعسكر الثوري ونبذ الخلاف… وسنعمل في مرحلة ما بعد إنهاء الانقلاب العسكري كتيار وطني عام ذو (كذا) خلفية إسلامية”. وليست ذاكرة الشعب بهذا الوهن لكي يُلدغ من الإخوان مرتين، وكان وجودهم في الحكم فرصة لتصحيح مواقفهم من الثورة، ولكنهم تخلوا عن شعارهم “مشاركة لا مغالبة” ونسفوا اتفاقية فيرمونت، وانتقموا من الحلفاء بالإقصاء، ومن الشعب بعد 30 يونيو بأعمال عدوانية ربطوا استمرارها بعودة مرسي إلى الحكم.

بعد 30 يونيو 2013 اتضحت الكراهية لكل ما هو مصري. ويسهل أن يلاحظها الجمهور في حماسة الإسلاميين المضادة لمنتخب مصر، منذ مباراته مع غانا، 19 نوفمبر 2013 في تصفيات بطولة كأس العالم. لا يعنيهم اسم المنافس الذي يتمنون فوزه على الفريق المصري، ظنا بأن الفوز يدعم شرعية “الانقلاب”.

وتتواصل الكراهية في مباريات مصر في بطولة الأمم الأفريقية الحالية، فلا يفرّقون بين حاكم يعادونه وفريق يمثل شعبا ودولة، ربما لأنهم يؤمنون بشعب الإخوان ولا يعترفون بالدولة، ولهذا توجهوا في البيان إلى “الأمة”. وقريب من الخلط بين الرئيس والشعب جسده الشيخ متولي الشعراوي في تفاعله مع هزيمة يونيو 1967، إذ قال في نهاية الثمانينات إنه كان في الجزائر، وسجد لله سجدة الشكر والفرح، “فرحتُ أننا لم ننتصر ونحن في أحضان الشيوعية”.

لم يعتذر الإخوان عن جرائمهم، وقال المرشد السادس للجماعة مأمون الهضيبي، عام 1992 في مناظرة مع فرج فودة “نحن نتعبد لله بأعمال النظام الخاص قبل الثورة” 1952. ولم يستهدف التنظيم الخاص إلا قتل المصريين، وبعد ستة أشهر قتل فودة، بأيدي شابين حصلا على فتوى بكفره. ولم يستنكر الإخوان القتل أو الفتوى.

بسذاجة، يغازل الإخوان الآن شعبا خذلوه، ولما كانوا في الحكم تهاونوا في حق الشهداء، وقدم مرسي تحية إلى آلة الشرطة التي قامت عليها الثورة، زاعما أنها “كانت في القلب من ثورة 25 يناير”.

ولا أملك إلا الترحم على المتنبي القائل: ومن يجعل الضرغام بازا لصيده/ تصيده الضرغام في من تصيدا.

13