"بين الجنة والأرض" تناول سينمائي مختلف للقضية الفلسطينية

المخرجة الفلسطينية نجوى نجار تطرح سؤال من خلال فيلمها الجديد: هل نستطيع الحب تحت الاحتلال؟.
السبت 2019/11/30
نجوى نجار عين ناقلة لتفاصيل الشارع الفلسطيني

بعيدا عن أصوات طلقات النيران الموجهة من سلاح الجيش الإسرائيلي وصرخات الضحايا في الضفة الغربية وغزة، اختارت المخرجة الفلسطينية نجوى نجار في تجربتها الروائية الطويلة الثالثة “بين الجنة والأرض” تناولا مغايرا عن الطرح المعتاد المتعلق بالقضية الفلسطينية.

القاهرة - قدّمت المخرجة الفلسطينية نجوى نجار في فيلمها الجديد “بين الجنة والأرض” عملا فنيا يمزج بين السياسة والتراجيديا والكوميديا في محاولة لجذب المشاهد لإيصال رسالتها بشكل مبسط ومسلّ في الوقت نفسه. ونجح هذا الطرح في أن يحظى بإعجاب الجمهور والنقاد الذين استقبلوا عرضه الأول في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ41، المنتهية الجمعة، بحفاوة كبيرة.

وقالت المخرجة الفلسطينية نجوى نجار إن القضية الفلسطينية تظل الشاغل الأول بالنسبة لها في جميع الأعمال الفنية التي قدّمتها، وتبحث عن تقديم مادة ثرية عن الواقع المرير، بما يزيد من وعي الجمهور الذي لا يشاهد مثل هذه الأعمال كثيرا في التلفزيون أو السينما.

وأضافت، في اللقاء الذي أجرته معها “العرب” أثناء حضورها في مهرجان القاهرة السينمائي، أن إقامتها في الضفة الغربية تدفعها لتقديم الكثير من المشكلات الاجتماعية والتاريخية التي لا تظهر للعلن، لكنها تسبب الكثير من الألم والوجع للمواطنين الذين يعيشون تحت وطأة الاحتلال، وهي حاولت من خلال السينما إثبات أن هذا الشعب يستطيع الحلم والحب، رغم الظروف الصعبة، ولا يمكنه تجاهل المأساة التي يعيش فيها.

صعوبة التصوير

Thumbnail

تدور أحداث الفيلم حول زوجين؛ تامر وسلى يعيشان في الضفة الغربية المحتلة  وتحدث بينهما العديد من الأزمات حتى يقرّرا بعدها الانفصال، وهنا يستخرج الزوج تصريحا لمدة ثلاثة أيام لعبور نقاط التفتيش الإسرائيلية والذهاب إلى مدينة الناصرة لاستكمال إجراءات الطلاق.

يبدأ الاثنان البحث في ماضي والد تامر لإثبات محل إقامته الحقيقية لإتمام إجراءات الطلاق، فتأخذهما الرحلة إلى طريق بين الضفة وهضبة الجولان، وفي اتجاهات عديدة يلتقيان خلالها بنماذج مختلفة من سكان هذا الطريق.

يسلط الفيلم الضوء على قضايا الفلسطينيين المنسية، ويتعرّف الزوجان على نفسيهما من جديد خلال رحلة البحث في ماضي والد الزوج، حتى يجد أمه الصماء التي فقدت الكلام بعد خطف مجموعات إسرائيلية ابنها الصغير، وأعطته لعائلة أخرى لتكتشف أن هذا ابنها، وتقوم باحتضانه ويلتقي بشقيقه كي يعيشا في النهاية حياة سعيدة.

عاشت نجوى نجار الصعوبات الحياتية التي جسّدتها خلال الفيلم وقت تصويره، وقالت إنها كمخرجة لم تستطع الاستعانة بممثلين غير فلسطينيين ولم يشارك أي ممثل عربي في الفيلم، بجانب جملة من الصعوبات الإنتاجية الموجودة بالفعل نتيجة أن تصوير عدد من مشاهده كانت في مناطق محتلة، ما حصرها بشكل أكبر في المناطق الفلسطينية، خاصة فلسطين التاريخية، التي تحتل إسرائيل جزءا كبيرا منها حاليا.

وأوضحت لـ“العرب” أن الانتقال من منطقة إلى أخرى كان صعبا للغاية في ظل وجود أكثر من 150 حاجزا في مناطق متعددة من فلسطين الواقعة تحت الاحتلال، وترتب عليه البحث عن أماكن تلك الحواجز وأوقات إقامتها بما يسمح بحرية التصوير، وتمت الاستعانة بفريق عمل من الضفة الغربية وبعض الأجانب.

ولم تتوقف الصعوبات عند هذا الحد، كما تؤكد نجار “التصاريح التي من المفترض أن يحصل عليها فريق العمل من السلطات الإسرائيلية للتصوير في أماكن تاريخية لم تأت في توقيتاتها وتأجلت أكثر من مرة، ما أدى إلى مشكلات جمة في الإنتاج، بالإضافة إلى إلقاء القوات الإسرائيلية القبض على أربعة من فريق العمل بينهم فتاة، لكن جرى التعامل مع تلك المشكلات، وتم إطلاق سراحهم”.

وأشارت نجوى في حوارها مع “العرب” إلى أن التصوير في أماكن فلسطين التاريخية لم يكن الهدف منه السياحة بالدرجة الأولى، لكن تسليط الضوء على تلك الأماكن المنسية من ذاكرة الشعوب العربية، غير أن ذلك تسبّب في أزمات أخرى ارتبطت بتحديد أماكن التصوير والموافقات والتصاريح المختلفة بشأنها.

تهميش فني

 نجوى نجار: التصوير في فلسطين التاريخية لم يكن هدفه سياحيا، إنما تسليط الضوء على أماكن منسية من الذاكرة العربية
نجوى نجار: التصوير في فلسطين التاريخية لم يكن هدفه سياحيا، إنما تسليط الضوء على أماكن منسية من الذاكرة العربية

أكدت المخرجة الفلسطينية التي شاركت في تأليف الفيلم أيضا، أنها استغرقت عامين للانتهاء من عملية التحضير واختيار فريق العمل المشارك بالفيلم، فيما استمرت عملية التصوير 24 يوما فقط، لكن عملية المونتاج والمكساج وتلوين الصورة استغرقت حوالي 10 أشهر، وانتهت من جميع مراحل الفيلم قبل أسبوع واحد من بدء فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي.

وحرصت نجوى نجار على أن تكون موجودة في القاهرة باعتبار أن مهرجانها السينمائي يعدّ من أهم 14 مهرجانا على مستوى العالم، وأكدت أنها كمخرجة عربية تبحث عن الحضور بشكل أكبر في حدود المنطقة العربية لعرض القضية الفلسطينية، فهي تخصّ العرب بشكل عام، بجانب تركيزها على المهرجانات الأجنبية للفت النظر إلى أن هناك مظلومين يعيشون تحت وطأة الاحتلال.

ولعل ذلك ما دفعها للتركيز على أزمات الفلسطينيين عبر قصة حب، قالت عنها “هدفت بالأساس للتأكيد على أن الحب موجود ومهم للغاية وإن كان في ظروف صعبة، بجانب أن العمل يناقش هل نستطيع الحب تحت الاحتلال، وما هي العقبات؟”.

وأضافت لـ“العرب”، “حينما قرّر الزوجان الانفصال وجد كل طرف منهما أن له حياته الخاصة، وعندما وقعت مشكلة البحث عن هوية تامر، وهل الذي يبحث عنه والده الحقيقي أم لا، ظلت زوجته تسانده واتحد الطرفان وعاشا سويا بعدما توصلا إلى الحقيقة”.

وعن تجربتها الثالثة مع زوجها منتج العمل هاني القرط، قالت نجوى “كان يرفض في البداية، لكن أجبرته على ذلك لاقتناعي التام بالقصة، ودخلت في جدال مطوّل معه حول الجدوى من تكاليف الإنتاج الضخمة بسبب التصاريح وصعوبة التصوير، غير أن الرغبة في توصيل رسالة إلى العالم تركز على تفاصيل الحياة في الأراضي المحتلة حسمت موقفه في النهاية”.

ويتّفق العديد من النقاد على أن القضية الفلسطينية تعاني تهميشا فنيا انعكس على ندرة الأعمال التي تناقشها وتعبّر عن جوهر الأزمات التي يعاني منها المواطنون في غزة والضفة والغربية، غير أن مخرجة فيلم “بين الجنة والأرض” رأت أنه من الصعوبة رصد قضية كبيرة ومتراكمة من العشرينات بسهولة، بجانب صعوبات التصوير والإنتاج التي تدفع للابتعاد عن الدخول في مشكلات تؤدي إلى عرقلة خروج الأعمال الفنية للنور.

وأكدت أن الأعمال الفلسطينية تحاول الذهاب إلى مناطق جديدة لم تعتد تسليط الضوء عليها من قبل في محاولة لتعريف العالم بأبعاد القضية من جوانبها المختلفة، وركزت على سرد قصص أهالي القرى المهجّرة بسبب الاحتلال، في عرض غلب عليه الطابع المجتمعي أكثر من السياسي.

واستخدمت مخرجة فيلم “بين الجنة والأرض” الأغاني لتضفر من خلالها المشاهد في شكل انسيابي، غير مبتعدة عن القضية الأساسية التي تريد طرحها، ووظفت خبراتها في التأليف والإخراج على أن يكون هناك عمل له رؤية ناضجة لأزمات الفلسطينيين الحياتية.

وأكّدت على أن معظم الفتيات اللاّتي شاركن في تأدية أغاني الفيلم هنّ من صديقاتها، واختارت مجموعة من أغاني محمد عبدالوهاب ومزجتها بأغاني الشباب الفلسطيني، ووصلت رسالة مفادها أن العالم العربي يترك الحرية للنساء للغناء والتعبير عن مشاعرهنّ وإن كان ذلك في مناطق الحروب.

وأفصحت نجار عن استعدادها لإخراج فيلم موسيقي، وهي بانتظار التمويل اللازم لبدء تصويره، وسيكون ذلك عقب عرض “بين الجنة والأرض” في عدد من المهرجانات الدولية والوصول به إلى أكبر قدر ممكن من الجمهور.

13