تحجيم دور الغنوشي.. استفادة الحلفاء قبل الخصوم

خدمة ثمينة من عبير موسي لقيس سعيد والتحالف الحكومي والغاضبين داخل النهضة بدفعها بالنقاش السياسي إلى ملعب تحجيم نفوذ رئيس البرلمان.
الأربعاء 2020/06/03
دق إسفين في حكم الغنوشي

الأحزاب والشخصيات الرسمية في تونس ستجد نفسها أكبر مستفيد من الضغط السياسي والإعلامي على راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة، من أجل إعادته إلى حجمه كرئيس للبرلمان لا تخرج مهمته عن إدارة النقاشات بشأن أداء الحكومة أو مشاريع القوانين المعروضة للنقاش.. الجميع مستفيد من الحراك الذي قادته عبير موسي لوضع الغنوشي في حجمه كرئيس حزب سياسي تحيط به التساؤلات والشكوك، لكنه قفز فوق ذلك ليسوق نفسه كرجل أول في البلاد و”مرشد” للنهضة وللثورة.

تونس - قدمت عبير موسي، رئيسة الحزب الدستوري الحر، خدمة ثمينة للطبقة السياسية الحاكمة والمعارضة في تونس بأن دفعت بالنقاش السياسي إلى ملعب تحجيم نفوذ رئيس البرلمان راشد الغنوشي، في وقت بدا فيه أن السياسيين قد سلموا بالأمر الواقع وباتوا يتعاملون مع الغنوشي كقائد أوركسترا في البلاد مع أنه رئيس برلمان وليس رئيسا للجمهورية.

وكان ينظر إلى موقف عبير موسي من البداية على أنه مقامرة إذ كيف تتصدى لمن هو بمثابة الضامن المحلي لتفاهمات خارجية حول البلاد منذ اتفاق باريس 2013، والذي يلتقي رؤساء الدول ويستقبل السفراء كما لو أنه مرشد الثورة وحاميها.

هدف مشترك

رغم أن الجميع “يتبرأ” من بناء علاقة علنية مع كتلة عبير موسي في البرلمان أو حزبها، لكنهم جميعا يتمنون نجاحها بدءا برئيس الجمهورية إلى رئيس الحكومة إلى الأحزاب في دفع الغنوشي إلى الانكفاء عن لعب دور الرجل الأول في السلطة والتسويق لاعتداله واعتدال حركته في حين أن أداءها يثير جدلا واسعا في الداخل سواء ما تعلق بأدائها في المعركة مع الإرهاب، وهو أداء ضعيف أمنيا وسياسيا وفكريا، أو في التأسيس للتعايش السياسي مع فرقاء الأزمة في وقت لا تترك “النهضة” الفرصة لمراكمة صور سيطرتها على المؤسسات بالتعيينات الظاهرة والخفية.

تصدت عبير موسي للغنوشي في مرات متتالية بشأن تحركاته واتصالاته المرتبطة بالخارج، سواء علاقته بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أو خالد المشري رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، وأخيرا اتصاله برئيس حكومة الوفاق فايز السراج وتهنئته باستعادة قاعدة الوطية.

لم يكن لأحد أن يقيم الدنيا على انحياز الغنوشي لحكومة الوفاق التي يهيمن عليها الإسلاميون ويستخدمها الأتراك في تحقيق أجنداتهم الأمنية والاقتصادية الاستراتيجية، لولا الحملة التي قادتها عبير موسي، والتي كانت تستهدف كل أنشطة الغنوشي وليس فقط أداءه الخارجي.

رغم تبرؤ الجميع من بناء علاقة مع موسي، لكنهم يتمنون نجاحها في دفع الغنوشي إلى الكف عن لعب دور الحاكم في تونس

لكن الذي حصل أن تحركها صب في خدمة “أصدقاء” الغنوشي في “حكومة الرئيس” الذين لا يقدرون أن يقولوا لرئيس البرلمان توقف عندك وتصرف بحسب حجمك الدستوري، فهم يحتاجونه للاستمرار في الحكم خاصة أن حركة الشعب (قومية) والتيار الديمقراطي (وسط اجتماعي) لا يمتلك عناصرهما خبرات ذات قيمة في تجربة الحكم، ولن يجدوا فرصة أكثر من “تحالف الثوار” للدخول في مؤسسات حيوية والاقتراب من منظومة الدولة وكيفية إدارتها.

لقد رضي الحزبان بحقائب مهمة في حكومة إلياس الفخفاخ ويحتاجون لوجود حركة النهضة معهم لتقاسم الفشل بدل تحمل مسؤوليته مباشرة.. لقد أعطتهم عبير موسي فرصة أن يقولوا للغنوشي توقف عندك، وهذا ما أشار إليه خالد الكرشي عضو الكتلة الديمقراطية، والقيادي في حركة الشعب حين قال في تصريحات صحافية إن الغنوشي “ارتكب خطأ جسيما في علاقة باعتدائه على صلاحيات رئيس الجمهورية”، و”أن الدبلوماسية من صلاحيات رئيس الجمهورية فقط”.

ورغم أنه من الصعب أن تتبنى الكتلة الديمقراطية الدعوة إلى سحب البساط من الغنوشي وتجريده من رئاسة البرلمان، إلا أنها ستجد فرصة ثمينة لإلزامه بشروط جديدة منها، ما ذكر الكريشي أن “الاصطفاف وراء المحور القطري _ التركي في النزاع الليبي – الليبي ليس من شأن تونس”، و“ضرورة النأي بتونس عن سياسة المحاور”.

وفي سياق الضغط على النهضة لم يستبعد الكريشي أنه في “صورة توقيع عريضة تضم 109 من النواب، سيتم تقديمها للبرلمان لاتّباع الإجراءات القانونية في إمكانية سحب الثقة من الغنوشي”، وهي رسالة بوجهين، الأول أن التحالف الحاكم بيده إسقاط رئيس البرلمان أو إبقاؤه، والثاني أن القرار مؤجل لحين إظهار النهضة نوايا جدية في مراجعة أدائها، وأنه إذا لم تدعم “الكتلة الديمقراطية” المساءلة هذه المرة فيمكنها دعمها في مرات قادمة، فالشروط لن تتغير كثيرا.

لكن الأهم فيها أن التحالف الثلاثي (حركة الشعب، التيار الديمقراطي، تحيا تونس) سيجد الفرصة مواتية لتحجيم نفوذ النهضة في الحكومة، وإلزام وزرائها بقرار رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ كونهم يشتغلون معه، وليسوا مرتبطين مباشرة بالغنوشي، أو أنهم وزراء من درجة أولى، وهذا ما برز بشكل جلي مع وزير الصحة عبداللطيف المكي في انطلاقة أزمة كورونا، حيث احتج النهضاويون على زيارات للرئيس قيس سعيد، ورئيس الحكومة، إلى مؤسسات صحية، أو إلى مؤسسات كانت تساهم في إعداد الكمامات بالاتفاق مع الحكومة، وكانوا يفسرون ذلك على أن سعيد والفخفاخ يغاران من المكي أو أنهما يلعبان في ملعبه.

اتصالات خارجية مشبوهة
اتصالات خارجية مشبوهة

وما يثير الانتباه هنا أن “تحيا تونس” الذي يرأسه رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد، والذي لم ينس أن النهضة خذلته في الانتخابات الرئاسية، يقف في نقطة وسطى، فهو مع إلزام الغنوشي بشكل واضح بأن يلتزم حدوده كرئيس للبرلمان تقف اتصالاته الخارجية عند حدود رؤساء البرلمانات الأجانب، أو نواب في البرلمانات، وهو ما بدا في البيان الرباعي مع قلب تونس وكتلة الإصلاح وكتلة المستقبل، حيث تم حث رئيس مجلس النواب على “احترام الأعراف الدبلوماسية وتجنب التداخل في الصلاحيات مع بقية السلطات وعدم الزج بالمجلس في سياسة المحاور، انسجاما مع ثوابت الدبلوماسية التونسية”.

وضع جديد

لكن الوجه الآخر سيكتشفه الغنوشي صباح الأربعاء خلال جلسة المساءلة، وليس مستبعدا أن يجد ممثلو حزب “تحيا تونس” في البرلمان الفرصة لإعطاء رئيس حركة النهضة درسا في التحالفات، بخطاب علني قاس، لكن التصويت سيكون وفق اتجاهات الريح، فإذا كان ثمة أغلبية مع سحب الرئاسة من الغنوشي فلن يتردد “تحيا تونس”، لكنه قد يحسب حساب حلفائه في الكتلة الديمقراطية الراغبين في الحفاظ على الحكومة وتماسك حزامها السياسي.

ولن تقف قائمة المستفيدين عند التحالف الحكومي الباحث عن فرملة غرور الغنوشي ووزرائه في الحكومة، بل إلى الحليف الضعيف “قلب تونس” الذي وجد نفسه بعد الانشقاقات أكثر ارتباطا بالنهضة وأجندتها، لكن اجترأ وانضم إلى من رفعوا أصواتهم بوجه رئيس البرلمان، وإن كان الأمر مجرد تسجيل موقف لإظهار أن الحزب ليس تابعا لأحد، والأمر في حقيقته يهدف لاستعادة ثقة ناخبيه وأنصاره كما إسكات مزايدات المنشقين التي تسوق لفكرة أن شق نبيل القروي صار فرعا من النهضة.

وتقول أوساط سياسية تونسية إن أكبر مستفيد من مساءلة الغنوشي، وما سبقها من ضغط سياسي وإعلامي قادته عبير موسي في البرلمان وخارجه، وهو رئيس الجمهورية قيس سعيد الذي كان الغنوشي يسطو على مهامه في برمجة لقاءات خارجية لم يكن سعيد راضيا عنها مثل منتدى دافوس ما حدا برئيس النهضة إلى التراجع عنها في آخر لحظة.

كما أن تصريحات الغنوشي وزياراته ولقاءاته فرضت على تونس تحالفا مع تركيا وقطر لم ينجح سعيد في الخروج منه إلى الآن رغم رغبته في إظهار الحياد عن الأحلاف ودعوته إلى حل سياسي بين الفرقاء المحليين في ليبيا.

قيس سعيد يحذر الغنوشي.. تونس لها رئيس واحد وليست للصفقات
قيس سعيد يحذر الغنوشي.. تونس لها رئيس واحد وليست للصفقات

وتشير تلك الأوساط إلى أن هناك مؤشرات على أن الضغوط قد نجحت في الضغط على الغنوشي، الذي حرص في بيان له، الجمعة، على التأكيد أن علاقته بالرئيس سعيد سمن على عسل، وأن لقاءهما “جرى في أجواء من الود والصراحة (وأثبت) زيف ما تروّجه بعض الأطراف المشبوهة من صراع داخل الدولة وبين مؤسّساتها”.

وبالنتيجة، فإن الغنوشي قد يلجأ إلى تبريد الخلاف مع سعيد وإظهار حماسه للمبادرات التشريعية التي تقدمها الرئاسة لتفتيت “جبهة الأعداء”، وخاصة منع أي تلاق بين عبير موسي والكتل القريبة منها سياسيا وذات المرجعية المشتركة، وهو ما عكسه حواره الثلاثاء لوكالة الأناضول.

ومن المفارقة أن الخدمة الجليلة التي قدمتها عبير موسي بالضغط على رئيس البرلمان ودفعه إلى التراجع على أكثر من جبهة سيستفيد منها التيار الغاضب على الغنوشي داخل حركة النهضة، وهو تيار بدا أنه عمل على الاستفادة بقوة مما يجري من ضغوط لإجبار رئيس الحركة على التنحي بعد خمسة عقود من الرئاسة.

وتقول أوساط مقربة من حركة النهضة إن عودة زبير الشهودي، المدير السابق لمكتب الغنوشي إلى الواجهة، وظهوره في فضائية محلية كان الهدف منه توظيف الحراك السياسي والإعلامي القائم والاستفادة منه في تحقيق ما عجز عنه الشهودي ورفاقه في السابق في إرباك الغنوشي، وعلى العكس، فقد نجح هو في تشتيتهم والدفع بهم إما إلى الاستقالات (عبدالحميد الجلاصي والشهودي أبلغ مثال)، أو الصمت (مثل علي العريض رئيس الحكومة السابق).

7