تراشق بين إيران وتركيا يُخرج إلى العلن صراعهما على النفوذ في العراق

الخارجية التركية تستدعي السفير الإيراني في أنقرة على خلفية تصريحات سفير طهران لدى بغداد حول التواجد العسكري التركي على الأراضي العراقية.
الاثنين 2021/03/01
سفارات أم غرف عمليات

بغداد - أخرج تراشق بين تركيا وإيران بشأن انتهاك كلّ منهما السيادةَ العراقية إلى العلن صراعا مكتوما بينهما على النفوذ في العراق الذي تحوّل إلى ساحة مفتوحة للصراعات والمطامع الخارجية في أراضيه وموارده بفعل حالة الضعف الشديد التي أصبحت عليها دولته.

وقد استدعت تركيا الأحد سفير إيران لديها على خلفية السجال الذي بدأته طهران حول التواجد العسكري التركي على الأراضي العراقية.

وسبقت إيران جارتها تركيا إلى مدّ نفوذها في العراق منذ سقوط نظام الرئيس الأسبق صدّام حسين وقيام نظام بديل تقوده أحزاب شيعية شديدة الولاء لطهران.

ومع اندلاع الحرب ضدّ تنظيم داعش حوّلت إيران نفوذها السياسي في العراق إلى سيطرة ميدانية على مساحات شاسعة من أراضيه عن طريق العشرات من الميليشيات الشيعية التي شكّلت الحشد الشعبي وساهمت بفاعلية في هزيمة التنظيم وانتزاع المناطق من يده وبسط السيطرة عليها تحت عنوان حفظ الأمن فيها.

إيرج مسجدي: على القوات التركية ألا تنتهك الأراضي العراقية
إيرج مسجدي: على القوات التركية ألا تنتهك الأراضي العراقية

وخلال السنوات الأخيرة أظهرت تركيا اهتماما متزايدا بمنافسة إيران على النفوذ في العراق ومحاولة الوصول إلى مصادر ثروته.

لكنّ الوضع بدا مختلفا بالنسبة إليها، فحلفاءها العراقيون من سياسيين سنّة وتركمان لا يمكنهم مجاراة حلفاء إيران حيث أنّهم لا يقومون سوى بأدوار ثانوية في السياسة العراقية ولا يساهمون بشكل كبير في صناعة القرار العراقي.

ولهذا ركّزت تركيا على قدراتها الذاتية من خلال تدخّلها العسكري المباشر في الأراضي العراقية بذريعة ملاحقة عناصر حزب العمّال الكردستاني والتدرّج في ذلك نحو إقامة قواعد عسكرية دائمة في شمال العراق وغربه.

وفي وقت سابق هذا الشهر اتّهمت تركيا مسلّحين أكرادا بقتل 12 تركيا وعراقيا واحدا كانوا محتجزين كرهائن في شمال العراق، وهدّدت بتوسيع تدخّلها العسكري في العراق لملاحقة مسلّحي حزب العمّال.

ودفع ذلك السفير الإيراني لدى بغداد إيرج مسجدي إلى التحذير من أنّ على القوات التركية ألا “تشكّل تهديدا أو تنتهك الأراضي العراقية”.

وقال في مقابلة نشرها موقع رووداو الإخباري “لا نقبل إطلاقا بأن تتدخل تركيا أو أي دولة أخرى في العراق عسكريا أو أن تتقدّم وتحظى بوجود عسكري في العراق”، معتبرا أنّه “يجب ألا تكون القوات التركية بأي شكل من الأشكال مصدر تهديد للأراضي العراقية ولا أن تقوم باحتلاله”.

فاتح يلدز: إيران آخر من يعطينا دروسا عن احترام حدود العراق
فاتح يلدز: إيران آخر من يعطينا دروسا عن احترام حدود العراق

وأضاف “يجب أن تتولى القوات العراقية توفير الأمن بنفسها وقوات إقليم كردستان تحفظ الأمن في مناطقها ليستتب الأمن في المنطقة”، داعيا “الأتراك لأن ينسحبوا إلى خطوط حدودهم الدولية وينتشروا هناك وأن يتولى العراقيون بأنفسهم ضمان أمن العراق”.

وسارع سفير تركيا لدى بغداد فاتح يلدز للرد قائلا عبر تويتر إن السفير الإيراني “آخر شخص يحق له إعطاء تركيا دروسا بشأن احترام حدود العراق”.

كما استدعت وزارة الخارجية التركية الأحد السفير الإيراني في أنقرة محمد فرازمند للاحتجاج على تصريحات مسجدي.

وذكرت مصادر دبلوماسية تركية أن الخارجية التركية أبلغت السفير الإيراني رفض أنقرة الشديد للاتهامات الواردة في تصريح سفير طهران في بغداد. وأضافت أن ما تنتظره أنقرة من إيران هو دعم تركيا في مكافحتها للإرهاب وليس الوقوف ضدها.

وأوضحت المصادر أن الجانب التركي أكد للسفير الإيراني أن العمليات التركية تأتي في إطار مكافحة مسلحي حزب العمّال الكردستاني الذين يستهدفون استقرار وأمن وسيادة العراق.

وأشارت إلى أن تركيا والعراق توصلا خلال الزيارات الرفيعة المتبادلة في الآونة الأخيرة إلى تفاهم على أن حزب العمّال الكردستاني يشكل تهديدا لكلا البلدين.

وشددت على أن السفير الإيراني في العراق لم يتطرق إطلاقا خلال المقابلة الصحافية إلى التهديد الذي يشكله وجود عناصر الحزب في العراق.

وعن الجانب العراقي علّق رئيس مجلس النواب (البرلمان) محمد الحلبوسي على السجال الإيراني التركي بشأن بلاده بالقول عبر تويتر “ممثلو البعثات الدبلوماسية في العراق واجبهم تمثيل بلدانهم وتعزيز التعاون بين البلدين، فعلى بعض ممثلي تلك البعثات أن يعي جيدا واجباته، ولا يتدخل في ما لا يعنيه، ويحترم سيادة العراق لكي يعامل بالمثل”.

وتظهر تركيا منذ سنوات اهتماما بالمنافسة على دور أكبر في العراق نظرا إلى ما لهذا البلد من موقع إستراتيجي وما تحويه أراضيه من ثروات وما يمكن أن تمثّل إعادة إعماره من فرص استثمارية واعدة.

وخلال الأشهر الماضية صعّدت أنقرة عملياتها العسكرية في شمال العراق ضدّ حزب العمال الكردستاني، وهو ما احتجّت عليه السلطات العراقية معتبرة التحركات التركية انتهاكا لسيادة البلد دون أن تلقى تلك الاحتجاجات أي أصداء لدى الجانب التركي.

ويرى عراقيون أنّ تركيا تتجاوز الهدف المعلن من تدخّلها في بلادهم وتسعى إلى تركيز وجود عسكري دائم على أراضيها بدليل رفضها تفكيك قواعد صغيرة أقامتها هناك بقرار أحادي.

ويعقّد دخول تركيا على خطّ صراع النفوذ في العراق من مهمّة إيران التي كانت توجّه جهودها بشكل رئيسي ضد الولايات المتّحدة مستخدمة أذرعها المتمثّلة في الميليشيات المسلّحة في محاولة دفعها لسحب قواتها وتقليص حجم تمثيلها الدبلوماسي في البلاد من خلال استهداف تلك الميليشيات للسفارة الأميركية في بغداد وللمعسكرات التي يتواجد فيها جنود أميركيون.

وعلى هذه الخلفية توجّهت أصابع الاتّهام إلى إيران والميليشيات الشيعية بالوقوف وراء الهجوم الذي استهدف مؤخّرا مطار أربيل الذي يضمّ قاعدة أميركية.

وعلى الرغم من أنّ كلاّ من إيران وتركيا تعتبران متنافستين على النفوذ في المنطقة وتتناقض مصالحهما في بعض المواضع، فإنّ التقاء مصالح يجمعهما في الموقف من الأكراد والتصدّي لأي مسعى من شأنه أن يقود، ولو بعد حين، إلى إنشاء دولة قومية لهم في المنطقة ستطالب حتما بأجزاء من الأراضي التركية والإيرانية فضلا عن الأراضي التابعة حاليا لإقليم كردستان العراق.

3