تركيا في إدلب: من الرهان على النصرة إلى الاحتلال المباشر

عودة الطيران الروسي إلى التحليق فوق شمال سوريا يكشف عن مواجهة مرتقبة مع تركيا التي رفعت عدد نقاطها العسكرية بالمنطقة في تصعيد خطير وخرق للاتفاق.
الخميس 2020/04/09
الجنود الاتراك.. من خلفية الصورة إلى الصورة نفسها

المؤشرات على الأرض توحي بأن استئناف المواجهة في إدلب ومحيطها بات مسألة وقت في ظل قناعة بأن تركيا لم تكن تسعى من الاتفاق الذي أبرمته مع روسيا سوى كسب المزيد من الوقت لترتيب أوراقها العسكرية.

دمشق- رفّعت تركيا منذ بدء تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في شمال غرب سوريا قبل شهر، من عدد النقاط العسكرية المنتشرة في المنطقة إلى نحو 57 نقطة، بعد أن كانت 12 نقطة فقط في إدلب ومحيطها، مع استمرار إرسالها المزيد من التعزيزات سواء من الآليات أو الجنود الذين بلغ تعدادهم الآلاف.

ويقول محللون إن تركيا يبدو أنها تريد الاستعاضة عن الوجود غير المباشر الذي تؤمنه الفصائل الجهادية والمعارضة باحتلال مباشر للمنطقة، وهذا ما قد يقود إلى تصعيد خطير مع روسيا.

ولوحظت الأربعاء عودة الطيران الروسي إلى التحليق بشكل مكثف فوق المنطقة، التي تم التوافق على خفض التصعيد فيها بين الجانبين الروسي والتركي في مارس الماضي.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إنه جرى رصد طلعات مكثفة للطيران الروسي من جبل الزاوية مرورا بريف إدلب الجنوبي وصولا إلى مناطق ريف حلب الغربي، مع وصول تعزيزات عسكرية ضخمة للقوات السورية والمسلحين الموالين لها إلى محاور جبل الزاوية وريف إدلب الشرقي.

ونقل المرصد عن مصادر وصفها بالموثوقة أن القوات التركية أصدرت أمرا للجماعات الجهادية والمعارضة بالتأهب، ما ينذر بأن المنطقة مقبلة على مواجهة جديدة، ستكون إن وقعت حاسمة بالنسبة إلى طرفي الصراع.

وأبرمت روسيا وتركيا في 5 مارس الماضي اتفاقا لوقف إطلاق النار في إدلب ومحيطها، على أن ينطلق تنفيذه في 13 من نفس الشهر، بيد أن تركيا عمدت على ما يبدو إلى استغلال هذا الاتفاق لتعزيز وجودها العسكري المباشر في المنطقة.

وسجل في الساعات الماضية دخول رتل عسكري تركي جديد يضم 35 آلية عسكرية محملة بالجنود وشاحنة محملة بمعدات لوجيستية عبر معبر كفرلوسين الحدودي مع لواء الإسكندرون، حيث اتجهت نحو المواقع التركية ضمن ما يطلق عليه منطقة “بوتين – أردوغان”.

صمت روسيا على المناورات التركية لن يستمر
صمت روسيا على المناورات التركية لن يستمر

ومع استمرار تدفق الأرتال التركية، فإن عدد الآليات التي دخلت الأراضي السورية منذ بدء وقف إطلاق النار الأخير بلغ 2375 آلية، بالإضافة إلى آلاف الجنود.

وذكر المرصد ومصادر معارضة أن القوات التركية عمدت إلى إنشاء نقطة عسكرية جديدة لها الأربعاء في منطقة “بوتين – أردوغان”، حيث تمركزت في مدينة أريحا جنوب إدلب، وبذلك، يرتفع عدد النقاط التركية في منطقة “خفض التصعيد” إلى57.

ويقول محللون من الواضح أن تركيا استغلت الاتفاق لإعادة ترتيب أوراقها العسكرية، وأنه لم يكن لها منذ البداية أي توجه لتنفيذ بنود تعتبر بالنسبة إليها خطا أحمر لعل أهمها تحييد هيئة تحرير الشام التي تقودها جبهة النصرة الفرع السوري لتنظيم القاعدة، والتي تتخذها أنقرة ذراعا رئيسية لتنفيذ خططها في البلد الجار.

وكانت روسيا قد أوقفت تصعيدا للنظام السوري بدأه في ديسمبر الماضي ونجح خلاله في السيطرة على مناطق واسعة من إدلب وريفي حلب وحماه وعلى جزء كبير من طريقين دوليين رئيسيين وهما “أم4” و“أم5”، وجاء القرار الروسي ضمن اتفاق من عدة بنود وافقت عليها تركيا على مضض أهمها إنهاء وجود هيئة تحرير الشام في المنطقة.

ويرى محللون أن تركيا كانت غير مستعدة وغير قادرة عمليا على مجاراة نسق النظام وحليفته موسكو، خاصة بعد أن رفضت الولايات المتحدة ودول أوروبية التدخل والمساعدة في وقف تقدم الطرفين في عمق إدلب ومحيطها.

وارتأى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حينها أن ينزل عن الشجرة العالية التي صعدها خشية الكلفة الباهظة التي سيدفعها في ظل محاصرة النظام السوري لمعظم نقاطه العسكرية (12 نقطة) حينها، ولاسيما مع تصاعد الانتقادات في الداخل التركي، نتيجة مقتل العشرات من الجنود الذين كانوا يتولون دعم الجماعات الجهادية والمعارضة في صد تقدم الجيش السوري.

تركيا يبدو أنها تريد الاستعاضة عن الوجود غير المباشر الذي تؤمنه الفصائل الجهادية والمعارضة باحتلال مباشر للمنطقة، وهذا ما قد يقود إلى تصعيد خطير مع روسيا

ويقول متابعون للمشهد السوري إن أنقرة أظهرت منذ بدء تنفيذ الاتفاق عدم جديتها، من خلال تحريض “عناصر” على اعتراض دوريات مسيرة مشتركة مع الجانب الروسي على الطريق الدولي “أم4”. وقد اضطرت روسيا لمسايرة الجانب التركي وعدم استباق الأمور فكان أن علقت مشاركتها في تلك الدوريات، قبل أن تعود وتلقى ذات المعاملة من قبل العناصر الموالية لأنقرة تحت لبوس المدنيين.

وفيما بدا الأمر محاولة لذر الرماد على العيون أعلن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، الأربعاء عزم بلاده مواصلة الدوريات المشتركة مع روسيا عقب اعتراض إحداها من قبل “عناصر” واستهدافهم للدورية الروسية.

وقال أكار، في تصريحات لقناة “تي.آر.تي خبر” الحكومية، الأربعاء “استكملت اليوم الدورية المشتركة الثالثة، والدوريات ستستمر”، شمال غربي سوريا. وأشار إلى استمرار وقف إطلاق النار في المنطقة وفقا للاتفاق الذي توصلت إليه تركيا وروسيا.

ويرجح المتابعون أن صمت روسيا على المناورات التركية التي أضحت مكشوفة لن يستمر وما التحركات التي تجريها والنظام السوري إلا تحضير لمواجهة باتت قريبة.

2