تشكيليون يفجّرون الألوان دراميا والخطوط موسيقيا

بورتريهات وأعمال تصويرية وتجارب في تجريد الحروف العربية تجدد نشاط متحف "بيت الأمة" الصيفي.
الجمعة 2019/08/23
تجريد الحروف والخطوط (أحمد فهد)
 

تتقاطع فنون التشكيل والسرد والموسيقى في معرض جماعي مُقام حاليا بالقاهرة، يفتح الباب على تجارب جيل الوسط من مبدعي كلية الفنون الجميلة الذين صار لهم حضور بارز في المشهد الفني بمصر.

القاهرة – الفنون البصرية المتميّزة ليست فقط هي التي تُرى، وإن كانت بورتريهات أو مشاهد من الطبيعة الصامتة، لكنها أيضا التي تَقصُّ في الآن ذاته حكايات إنسانية مثيرة وتطلق إيقاعات وأنغاما متصاعدة وتعيد صياغة الحروف والنقاط والخطوط، بمعان جديدة متسعة تصل بها إلى فضاء التجريد.

من هنا تأتي أعمال المعرض التشكيلي الجماعي للفنانين أحمد فهد ومنال السيد ونشوة مختار ورشا سليمان، المقام في الفترة بين 21 أغسطس الجاري و12 سبتمبر القادم، والذي يجدّد به مركز سعد زغلول الثقافي في متحف “بيت الأمة” نشاطه الصيفي.

وعلى الرغم من عدم الاتفاق على ثيمة بعينها تجمع الفنانين الأربعة المشاركين في المعرض، فإن رفقاء جيل التسعينات من القرن الماضي التقوا في أعمالهم المعروضة على مخالفة المفاهيم الكلاسيكية المألوفة، سواء في البورتريهات ولوحات الخط والأعمال التصويرية، فهم فنانون يقدّمون تجارب، بمعنى المغامرة والاقتحام والتجريب، وهذا ما أكسب المعرض حيوية وبكارة وإدهاشا.

أرسم لأحكي

أطلّ الفنانون في أعمالهم على مجالات إبداعية متنوعة ليضفروها في رؤيتهم البصرية، منها القصة والحكايات الشعبية الموروثة والموسيقى والغناء وغيرها، والتي تمكّنوا بواسطتها من تفجير الألوان دراميّا والخطوط والحروف موسيقيّا في منظومة فنية متناغمة متجانسة.

وأكدت الفنانة منال السيد التي تقدّم في المعرض لوحات تصويرية من الطبيعة، بعضها مستوحى من فخار وبيوت منطقة مار جرجس الأثرية المسيحية في القاهرة، أنها ترسم ببساطة كي تحكي وتصف وتصل.

وأضافت في تصريح لـ”العرب” أن الأمر أكبر من تداخل عابر بين القصة والتشكيل، فالرسم برمّته قد يأتي بمنطق السرد، والكتابة الحكائية قد تكون بالكامل بمنطق التصوير البصري، ولا شك في أنّ “موهبة الكتابة وموهبة الرسم وجهان لعملة واحدة بداخلي”.

البورتريه كخلق جديد (رشا سليمان)
البورتريه كخلق جديد (رشا سليمان)

وأشارت منال إلى أن هناك حقيقة أهمّ من الثيمة المباشرة في هذا المعرض الجماعي، وهي قيمة الصداقة، بما تعنيه من نكهة البدايات المشتركة في مرحلة الدراسة، وتطوّر العلاقات بين الفنانين من أبناء الجيل الواحد على مدار الزمن، وهذا له أثره في تقارب الرؤى والالتقاء على مفاهيم وصيغ غير متنافرة.

وتتنوّع مجالات إبداع منال السيد (48 عاما)، الحاصلة على بكالوريوس كلية الفنون الجميلة من جامعة حلوان بالقاهرة (قسم التصوير الزيتي)، بين الكتابة والرسم، حيث قدّمت عدة مجموعات قصصية وروائية ومجموعة من المعارض التشكيلية.

وتتّسم تجربتها الفنية بالقدرة على نقل التفاصيل الحيّة والدواخل الإنسانية الكامنة، والتغاضي عن المُتاح المرئي من أجل اقتناص الجوهري المستقر في الأعماق والضمير.

وتنفّذ في أعمالها المشاركة بالمعرض من خلال ألوانها الهادئة وفرشاتها المرهفة إلى ما وراء جدران البيوت، حيث تستخلص نبض البشر الذائبين في المكان بقدسيته وروحانياته المتدّفقة، وتستلهم الحكايات الشعبية الموروثة لتمزجها بمتخيّلها السردي حول الشخوص والأحداث التي تصوّرها، كما لا تُغفل الجوانب الصوتية، فيكاد يستمع المتلقي لأجراس الكنائس وشدو العصافير وحركة الماء ودقات قلوب البشر.

ووصف الفنان مجدي عثمان، مدير مركز سعد زغلول الثقافي بمتحف بيت الأمة، أعمال الفنانين المشاركين في المعرض الجماعي بأنها مزيج من القدرات الخاصة، وربما الاستثنائية، وثمّة “ضرب للأرض بخفة وقوة في آن، ومشي على أطراف الأصابع، وانحياز إلى التعبير فوق المقدرة على الرسم وتغليب للإحساس على ميكانيكا الواقع”.

فوضى الملامح

لفت مجدي عثمان إلى أن الفنانين المشاركين يحفّزهم دائما التجريب، قائلا “تأتي لوحات الخط العربي للفنان أحمد فهد، على سبيل المثال، بعيدة تماما عن السائد في أعمال الخط الكلاسيكية في البناء والرؤية والتصوّر، فعلى الرغم من تأكيده على القيم التشكيلية للحروف، فإنه يجسّد منها مساحات مجرّدة وتنويعات لا تعتمد على المقروءـ بل تتجاوزه نحو الرمز”.

وبدورها تقدّم الفنانة نشوة مختار (50 عاما)، ابنة قسم التصوير في كلية الفنون الجميلة، لوحات البورتريهات البشرية ومشاهد الطبيعة بمنظور مغاير متحرّر، قائم على تفجير الساكن بهدف إبراز الفوضى والتقلّبات الإنسانية والكونية، والتحوّلات من حالة إلى حالة، ربما في أثناء اللحظة الواحدة ذاتها.

ويبدو العالم مجموعة من المتناقضات والأشكال غير المكتملة في تجربة نشوة، وهو ما تترجمه إلى غياب بعض الملامح واختفاء الكثير من التفاصيل المعتادة، في البورتريهات وتجلّيات الطبيعة المتراقصة من أشجار وأنهار وسماء وأرض وسحاب وطيور.

ومن خلال العناصر المختزلة، والمتداخلة مع بعضها البعض في انسيابية موسيقية وإيقاعات هامسة، تومئ الفنانة ولا تفصح، وتشير وتستثير ولا تشرح، ويأتي اعتناؤها بالألوان الداكنة والقاتمة ملائما لمسحة الغموض الشفيف وطابع “المواراة” الذي تنتهجه لتقديم عالم خاص عصيّ على الاستنساخ والمقاربة.

وفي حين يتّخذ الفنان أحمد فهد (43 عاما)، المتخصّص في الخط العربي، من الحروف ركائز بصرية وموسيقية لصيغه التجريبية التجريدية، التي ينتزع بها هذه الحروف من دلالاتها ومفاهيمها الأوليّة الاعتيادية، ليكسبها طاقة تعبيريّة بصريّة ونغميّة، فإن الفنانة رشا سليمان تحقّق رؤيتها الشخصية للتجريد من خلال البورتريهات التي تتعاطى معها بوصفها “براحا” ومساحات غير مؤطّرة ولا محدّدة.

ولا تكتفي رشا بتقنيات الحذف والمحو في ملامح البورتريهات وتفاصيلها، وإنما تذيب الفواصل والحدود بين القسمات والأعضاء، ليكون التصوير خلقا جديدا مُكتمل الأركان على مستوى الشكل، وما يحويه من مضمون هو في الأغلب انفجارات ذاتيّة وفيوضات داخليّة مُشتعلة.

17