تشكيلي لبناني يعلن انتهاء زمن ما بين العتمة والنور

أعمال مازن الرفاعي الجديدة تبشّر بانتقاله إلى مرحلة صفاء ذهني تدفع الناظر إليها إلى الاعتراف بأن المظاهر ليست ما يراه فعلا.
الخميس 2021/01/14
بين العبور والتلاشي تواصل السفن مسارها

استخدم الفنان التشكيلي اللبناني مازن الرفاعي صفحته الفايسبوكية، مثل العديد من الفنانين التشكيليين، في هذا الزمن الذي تتكاثر فيه مخلفات الوباء وما أفرزه من حجر صحي، كمعرض افتراضي خاص، حيث نشر العديد من الصور لأعمال فنية تلفت النظر إلى تحوّلاته الفنية نحو زُرقة “صخرية” وأبيض هو التلاشي، وقد تجسّدت صلبا مُعلنا عن انتهاء زمن ما بين العتمة والنور.

بيروت – نشر الفنان التشكيلي اللبناني مازن الرفاعي عدة أعمال فنية على صفحته الفايسبوكية أشارت إلى ميله الشديد نحو اللون الأزرق بعيدا عن الخضرة التي لطالما سكنت لوحاته السابقة. فمن المعلوم أن الفنان هو ابن بعلبك مدينة الشمس وابن البقاع وسهوله الخضراء ومروجه الغنية بالمحاصيل.

غير أن هذا التوجه شبه الحصري إلى اللون الأزرق لم يكن من دون سبب باطني مُحرّك، ولا لأن الفنان ملّ منه، فأراد الخروج من تدرجات خضرة أشعة الشمس المختلفة، وإنما يعود اتجاهه إلى هذا اللون إثر الانفجار الذي طال مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس الماضي.

تمزقات وغموض

خرج الرفاعي عن سهوله التجريدية الخضراء، وبعيدا عن التجريد المفتوح على المساحات اللونية المركبة التي وشت دائما بخلفية دراسته الأكاديمية الأساسية، وهي الهندسة المعمارية. كما خرج عن المنحى الميتافيزيقي الذي وصل إليه في معرض سابق تحت عنوان “هيك السهول”، أي هكذا تكون السهول باللهجة اللبنانية.

في لوحاته الجديدة تحوّلت الأجواء البحرية إلى مادة أولية مكثفة لا تريد أن تكون عاطفية الطابع ولا أن تكون موشومة بالحنين، بل أرادت أن تكون صماء بقسوة تعبيريتها عن زمن لم يعد يعرف التحوّلات ولا الانتظار وحالات الـ”ما بين بين” كما ما بين النور والظلمة، والحضور والتلاشي.

التوجه إلى اللون الأزرق لم يكن من دون سبب باطني مُحرّك، بل أملاه على الرفاعي انفجار مرفأ بيروت
التوجه إلى اللون الأزرق لم يكن من دون سبب باطني مُحرّك، بل أملاه على الرفاعي انفجار مرفأ بيروت

الناظر إلى هذه الأعمال الجديدة يستحيل أن يرى فيها مجرّد بحار ممتدة أمام النظر ولا أن يعثر على سفن “عادية” تطوف على سطح البحر.

ولكن لاستيعاب هذا التحوّل في التشكيل ضمن خط مازن الرفاعي المعروف، يجب، وإن باختصار شديد، ذكر معرضيه الآخيرين. الأول حمل عنوان “بيت في الحقول” والثاني “هيك السهول”. ففي المعرض المذكور أولا لم يتخلّ الفنان عن عشقه لمدينة بعلبك بل غاص أكثر في البحث عن المشهد الصافي، أو المادة الأولية التي تكوّنت منها المشاهد البعلبكية الطبيعية ليبلغ تجريدية عالية النبرة لم تتخل عن قبولها في مساحات اللوحات لعناصر تشكيلية واضحة كهيئة شجرة أو حضور بيت رمزي، رمز في حقيقته إلى كل البيوت التقليدية أو القديمة في سهل البقاع وباقي المناطق القروية.

في تلك اللوحات حضر اللون الأبيض مركزيا ومُقتضبا امتد أثره إلى أجواء اللوحات ليس كي يُضيئها، بل ليدخل إليها عنصر الثبات والاستقرار في مشاهد طبيعية هي دائمة التحوّل تحت أشعة الشمس واختلاف الليل والنهار وتبدّل الفصول.

أما في معرضه الذي حمل عنوان “هيك السهول” فقد اندفع الرفاعي نحو تجريدية ميتافيزيقية حاضرة وبقوة لم يعد همها ولا حتى تجلي انطباعاته الخاصة عن المشاهد الطبيعية. تجلت في هذه اللوحات النفحة التبسيطية الحادة والاختزالية القصوى وبات العالم المرئي الظاهر في لوحاته تمزقات تفصح عمّا خلفها: المزيد من الغموض.

الحياة في مكان آخر

مدينة مضغوطة بغبار رمادي خانق
مدينة مضغوطة بغبار رمادي خانق

في لوحات الرفاعي الجديدة القليلة أصبح البحر كالزجاج الكثيف والمضغوط الذي ينعكس عليه ظل سفينة ثقيل ثبّت مصدره، أي السفينة على سطح الماء: لا هي تتقدّم ولا هي تعود إلى الوراء.

أما البحر في لوحات أخرى فبدا وكأنه عبارة عن استشراف لإصابة مبنى إهراءات القمح في مرفأ بيروت. صلابة البحر وصلابة انعكاس سفينة هي أقل ثقلا من السفينة ذاتها. ونعثر في لوحة أخرى شقها وميض أفقي أبيض صارخ حمل على ظهره، إذا صحّ التعبير، مدينة مضغوطة بغبار رمادي خانق كشفت في مواقع ضئيلة هيئات بيوت بعيدة لم تعد مساكن ومنازل للفرح.

والفنان مازن الرفاعي مهندس في العمارة الداخلية، درس الفنون الجميلة في ماسيراتا بإيطاليا والهندسة الداخلية في لبنان، وتأثرت أعماله الفنية بدراسته تلك. شارك في العديد من المعارض الجماعية وله معارض فردية عديدة في لبنان وخارجه، لاسيما في العاصمة الفرنسية باريس.

وقد جاءت أعماله الفنية الأولى مشغولة بالأكواريل والزيت والفحم، ثم انتقل إلى مادة الأكريليك، واختبر في مادة الألوان الزيتية ليعود مجدّدا ويستقر على مادة الأكريليك لخاصية مميزة تُمكّن مُستخدمها من أن يرسي الألوان “صماء” على قماش اللوحات لا أثر لضربة الريشة فيها مهما كانت قصيرة. ويمكن القول إن أهم ما قدّم الرفاعي حتى الآن هو معرضه “بيت في الحقول” و”هيك السهول”.

وتبشّر أعماله الجديدة بانتقاله إلى مرحلة صفاء ذهني وضعت مادية المظاهر ثابتة في بديهيتها كي تحرض وتدفع الناظر إليها إلى الاعتراف بأن لا المظاهر هي ما هنالك فعلا ولا السفن، التي يفترض أن يكون سبب وهدف وجودها عبور البحار نحو شواطئ مختلفة، هي بصلابتها وهدوئها قادرة أو حتى راغبة بالعبور.

يقف الفنان وتقف لوحته ويقف المرفأ وماء البحر على السواء شاهدين بأن الحياة هي في مكان آخر.

16