تطوير العشوائيات في مصر يتجاوز المباني إلى قاطنيها

أهالي عزبة الهجانة يرفضون الانتقال من الحي المهمش.
السبت 2021/03/06
تطوير البنيان غير كاف

تكتظ العاصمة المصرية وضواحيها بمناطق سكنية تفتقد إلى الخدمات والبنية التحتية، وتمثل بيئات خصبة لأعمال غير قانونية، مما جعلها لا تبدو أماكن عشوائية فحسب بل وتضم ثقافات عشوائية، وهذا ما يقف في طريق خطط الحكومة المصرية لنقل سكان هذه المناطق الموحشة إلى أخرى متحضرة، وهو ما يشكل في الوقت الراهن تحديا أمام تطوير منطقة عزبة الهجانة، الواقعة على أطراف القاهرة.

يتربص الخطر دائما بعزبة الهجانة، ليس بسبب أعمال الهدم والشائعات التي تنشط فيها، وإنما لأنها تضم منذ عقود مجموعة من الوافدين من مختلف المحافظات، من الفقراء والمهمشين، قطنوها وعمل بعضهم في جمع القمامة وبيعها لشركات إعادة التدوير، وجزء آخر عمل في تجارة المواد المخدرة أو البلطجة أو مكثوا دون عمل مقابل تنظيف زوجاتهم المنازل، بحسب الأهالي.

وذاع صيت المنطقة على هذا النحو، مما جعل البعض يربط تفسير اسمها “عزبة الهجانة” بتحريف شعبي للفظ “الهجامة”، وهم اللصوص وقطاع الطرق، ومن ثم باتت المنطقة مرتبطة بالخروج عن القانون.

ويعد هذا التفسير للاسم خاطئ، إذ أنّ الاسم مستمد من راكبي الجمال والخيول الملثمين، نسبة إلى من قدموا إليها بداية.

ممنوع الاقتراب

رفض قطعي لمغادرة هذه الأعشاش
رفض قطعي لمغادرة هذه الأعشاش

ارتبطت بالمنطقة ما بعد ثورة 25 يناير 2011، تهم السطو على بعض المحال الشهيرة، وإقامة لجان شعبية هدفها ليس فرض الأمن بل السرقة.

وذهب بعضهم إلى أن دخول المنطقة لغير قاطنيها غير ممكن، إذ سيصبح صيدا سهلا بمجرد أن تطأ قدمه المنطقة.

وعلى الرغم مما يحمله هذا التصور من المبالغات، غير أن جزءا منها حقيقي، إذ يتربص شبان ومراهقون ورجال، يؤكد الأهالي أنهم يعملون في تجارة المخدرات، ويتمنون زوالهم من المنطقة، واستتباب الأمن.

والمثير للسخرية أن هؤلاء بالفعل تم إخراجهم من المنطقة، فقد كانوا من قاطني العشش التي أقيمت في منتصف شارع الأسيوطي، حيث تجري الآن أعمال التطوير، لكنهم يذهبون ليبيتون في المدينة المنمقة الجديدة التي نقلوا إليها، في شقق آدمية لم يسبق لهم سكنها، ويأتون في الصباح إلى المنطقة التي اعتادوها، ويقفون على جانبي الطريق نفسه، ويمارسون الأفعال نفسها.

وقالت إحدى السيدات لـ”العرب” “لقد سئمنا. لا نستطيع التحرك بحرية، والفتيات لا يأمن المرور إلى جوارهم، ونخشى أن ننتقل إلى المناطق الجديدة فنجدهم هناك كما هنا”.

وأضاف ابنها “دوريات الشرطة تمر من وقت إلى آخر، لكن قبل وصولها يتفرقون بين الطرقات الضيقة، وبمجرد المرور يعودون من جديد”.

ومع إتمام أعمال التطوير، والتي يفترض أن تشمل ضمن الخطة نقاطا أمنية للشرطة والجيش، فإن تلك المنطقة لن تصبح مواتية لهؤلاء، أو على أقل تقدير ذلك الشارع تحديدا الذي شهد التطوير، غير أن ذلك لا يجيب عن التساؤل الأبرز فيما تجري تلك المحاولات الرسمية للقضاء على العشوائيات، حول إمكانية القفز عليها بنقل قاطنيها من منطقة غير مؤهلة إلى أخرى مؤهلة ومنمقة؟

زار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي منطقة عزبة الهجانة العشوائية مؤخرا، ووقف عند مدخلها، بالقرب من أحد الطرق التي تُمهد لربط العزبة بمدينة الشروق الفارهة في شمال شرق القاهرة، ونقلت وسائل الإعلام الرسمية الحدث، مؤكدة أن الدولة تسعى لانتشال أهالي تلك المنطقة من وضعيتهم الحالية إلى حالة أفضل.

ولا يعد توفير مساكن بديلة للعدد الضخم الذي يقطن هذه النوعية من المناطق (نحو 3 ملايين نسمة) يسيرا أو ممكنا في ظل مشاريع عدة تنفذها الدولة بالتزامن، لذلك قررت الحكومة تطوير منطقة عزبة الهجانة بتوسعة بعض الشوارع، وإزالة عشش قاطنيها، ومنح أهاليها مساكن لائقة في مدن جديدة، بالإضافة إلى تحسين البنية التحتية من كهرباء ومياه وغيرها، لباقي سكان المنطقة.

وكانت العشش هناك عبارة عن غرف سكنية من دور واحد، تم تشييدها دون تصاريح، تحت خطوط الضغط الكهربائي، وبعضها كان يشترك قاطنوها في حمام واحد، يتم استعماله بالمناولة.

لازالت التحولات حتى الآن قيد الاختبار، ففي عزبة الهجانة مثلا، تبرز تحذيرات من العناية بالبنيان دون البشر

وقالت أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس الدكتورة سامية خضر لـ”العرب”، “يُنقل الذين تهدم منازلهم إلى مناطق أفضل من حيث الهيئة والتجهيزات والبنى التحتية، حيث يصبحون جزءا من مجتمع مخطط ومنظم ومراقب، غير أن البعض لا يروق له ذلك، فالخوف من التغيير يعتري خصوصا كبار السن، مقارنة بالشباب الذين هم أكثر قابلية لحدوثه”.

وحول أعمال التطوير وآمال الأهالي فيها، وهل يشعرون أنهم باتوا مرئيين أخيرا من قبل الحكومة؟ قالت الخمسينية أم زهراء “ليتهم لا يرونا، هذا المنزل شيدته أنا وزوجي بعد عناء وتعب عشرين عاما، وهي مدة إقامتي في المنطقة، وكان مستورا، من قبل لم يكن يطل على الشارع الرئيسي كما الآن، كان أمامه منزل تم هدمه، وحاليا منزلنا في مواجهة العراء وانتظار أن تشملنا الإزالة”.

ولم يدخل منزل أم زهراء بعد ضمن المنازل التي ستتم إزالتها لتوسعة الطريق، غير أن المنزل المجاور ضمنها، ولذلك صارت لديها قناعة أن منزلها سيهدم أيضا.

وأشارت إلى أنها ستصبح مطالبة هي وعائلتها بتسديد مبالغ مالية كل شهر نظير الشقة الجديدة التي لم يطلبوها، فيما لا تملك مصدر رزق ثابت، وهذه معضلة بالنسبة لها، بخلاف أنها لا ترغب في ترك المنطقة التي تزوجت فيها نجلتها الأولى، وتستعد لزفاف الثانية، والتي شب فيها الأبناء الثلاثة.

وتتبع الحكومة المصرية نظاما في التعويض، حيث تمنح الأهالي شققا بديلة تقدر قيمتها في المتوسط بـ300 ألف جنيه مصري (نحو 20 ألف دولار)، وبها كافة المرافق، على أن يسدد المستفيد الفارق بين قيمة شقته التي تقدرها الحكومة والمنزل الجديد بمتوسط 40 ألف جنيه للغرفة (حوالي 2500 دولار)، على أقساط، أما من كان يستأجر وحدته نظير مبلغ كل شهر، فيمنح شقة نظير إيجار شهري، وبحسب ما يتناقله الأهالي يتراوح بين 400 إلى 700 جنيه شهريا.

ولا تعد أم زهراء، الوحيدة التي لا ترغب في ترك منطقتها حتى تسكن أخرى أفضل، إذ يشاركها الرغبة نفسها الشاب الثلاثيني محمد عبده والشهير بـ”بطارية” ويعمل ميكانيكي.

وأشار عبده لـ”العرب”، “لقد ولدت في تلك المنطقة، عملي فيها، وشهرتي في تصليح السيارات، ماذا سأفعل في منطقة جديدة، وإذا منحوني شقة فمن يمنحني صيتي الذائع بين السكان”.

وأكد أنه لن يترك العزبة حتى إذا اضطر أن يسكن الرصيف، لافتا إلى أن منزله لم يدخل بعد ضمن المنازل المعنية بالهدم، لكن المنزل المجاور له دخل فيها، أي أن ما يعتبره خطرا بات ‘قريبا منه'”.

الحاجة لتأهيل البشر

يختلف أساتذة علم الاجتماع حول إمكانية القضاء على العشوائيات بمجرد نقل سكانها من بيئاتهم غير المؤهلة إلى بيئات نظيفة. ففيما يرى البعض أن ذلك كفيل بإحداث التغيير تلقائيا، يعتبر فريق آخر أن الأمر يتجاوز البيئة العشوائية إلى الثقافة العشوائية التي باتت راسخة عند قطاع كبير، ما يعني الحاجة إلى تأهيل البشر وإلا تحولت المناطق الجديدة مع الوقت إلى بؤر عشوائية جديدة.

وأوضحت خضر أن طبيعة البيئة المحيطة بالأهالي كفيلة بتغيير سلوكهم، فالطفل بدلا من أن يفتح عيناه على أكوام من القمامة أو ينشأ في ظل غياب للخدمات، يجد مناطق مجهزة وألوان زاهية ومدارس قريبة، ومساحات خضراء، وكل ذلك من شأنه أن يعدل من سلوكيات أهالي تلك المناطق.

وأضافت أنها ذهبت بنفسها ضمن مجموعة من الأساتذة في جولة داخل مدينة الأسمرات والتي خصصت لنقل أهالي سكان منطقة “تل العناكب” (سابقا) في قلب القاهرة، وكانت عشوائية، إلى المدينة الجديدة في حي المقطم، وهو منطقة مرتفعة قريبة من وسط القاهرة، والتي شيدتها الدولة لهم.

وأبدت خضر انبهارها بما يحدث من نقلات لم تشهدها البلاد من قبل، لافتة إلى أن أساتذة علم الاجتماع خلال أبحاثهم منذ 20 عاما عن ظاهرة العشوائيات كتبوا أنها تحتاج إلى “ميزانية حرب” لمعالجتها، لذلك فإن ما يحدث في مصر قفزة.

وتتفق أستاذة علم الاجتماع في جامعة بنها الدكتورة هالة منصور، مع أهمية خطوة توفير المرافق والبيئة الملائمة لسكان المناطق العشوائية، وتؤكد على أن إحداث طفرة سلوكية يتطلب برامج تأهيل وتوفير بيئات عمل مناسبة جنبا إلى جنب مع تدشين المدن الجديدة أو تطوير تلك المناطق.

مناطق تفتقد للخدمات والبنية التحتية
مناطق تفتقد للخدمات والبنية التحتية

وأشارت منصور في حديثها لـ”العرب”، إلى أن البشر هم صانعو البيئة، والأمر لم يعد محض مناطق عشوائية بل ثقافة عشوائية، لذلك فإن نقل السكان من منطقة غير مؤهلة إلى منطقة مؤهلة دون الالتفات إلى تأهيلهم أنفسهم، أو تخليصهم من الأنماط والسلوكيات السلبية وتوفير العناصر اللازمة لذلك، من الأمور التي تجعل تلك المناطق الجديدة عرضة للتحول بمرور الوقت إلى مناطق عشوائية من جديد.

ولفتت إلى ضرورة مراعاة عدم نقل السكان من مناطق في قلب العاصمة مثلا إلى أخرى بعيدة عن العمران السكاني، حيث سيشعر السكان أنهم في معزل، ويعيدون محاكاة أنماط معيشتهم القديمة نفسها.

واستشهدت منصور بـ”هرم سيتي” والتي تم نقل السكان إليها من متضرري الزلزال عام 1992، وشيّدت بالأساس كمنتجع سكني، لكنها تحولت في ما بعد إلى منطقة عشوائية بنشاط السكان فيها.

وشددت على ضرورة توفير برامج تأهيلية للسكان، وبيئات عمل مناسبة، سواء أكانت حرفا يدوية أو صناعية أو أي شيء يتلاءم معهم، كي لا يستمر هؤلاء في أنشطتهم القديمة وسلوكياتهم.

حتى الآن، لازالت تلك التحولات قيد الاختبار، ففي عزبة الهجانة مثلا، تبرز تحذيرات من العناية بالبنيان دون البشر، حيث يتسلل هؤلاء البشر لممارسة أفعالهم نفسها خارج نطاق المدن المنمقة، وهو ما يحدث في عزبة الهجانة.

الهجانة التي يفترض وفق خطة التطوير أن تشهد تأسيس العديد من المرافق مثل ناد رياضي ومدارس جديدة وطرق ممهدة، ومواقف سيارات تربطها بقلب القاهرة، ومناطق أخرى، ومحال تجارية، تصبح حينها “مدينة الأمل”، وهو الاسم الذي تم اختياره بديلا عن الهجانة، في محاولة لإزالة الوصم، وتسمية المناطق بأسماء لائقة.

لا تستبعد منصور أن تمحو تسمية “مدينة الأمل” الوصم عن الأهالي، وأن يتم الكف عن ربطها بالمخدرات والبلطجة، كذلك سكانها ممن نقلوا إلى المدن الجديدة، قائلة “المصريون يميلون إلى التأقلم السريع مع التغيرات، ويكفي أن يتغير أهالي وطبيعة تلك المناطق بالفعل، ليزول الوصم عنها”.

17