تطوير القاهرة تعاونها مع بغداد تتحكم فيه أطر وحسابات معقدة

القاهرة تملك مؤهلات للتفاعل وحتى الاشتباك مع قضايا مهمة في المنطقة، وقد أفقدها تريّثها الزائد العديد من الفرص.
الثلاثاء 2020/10/13
كوابح عديدة تفرمل اندفاعة مصر صوب العراق

القاهرة - بدأ العراق يسلك طريقا يوحي بالانفتاح على محيطه العربي، خاصة أن هناك تغيرات في الطبقة السياسية الحاكمة في بغداد تدفع نحو هذه الخطوة. وفُهم من استقبال الرئيس عبدالفتاح السيسي، الاثنين، لوزير خارجية العراق فؤاد حسين، أن بغداد عازمة على تطوير علاقاتها الثنائية مع القاهرة، والأخيرة تبادلها المعاني نفسها.

وأعلن وزير الخارجية العراقي، أن رئيس الحكومة المصرية مصطفى مدبولي سيقوم بزيارة إلى بغداد نهاية أكتوبر الجاري، وسيتم خلالها تفعيل مذكرات التفاهم المشتركة التي وقّعت في السابق وترجمتها على أرض الواقع.

ويعقد وزراء الخارجية، المصري سامح شكري، والأردني أيمن الصفدي، والعراقي فؤاد حسين، اجتماعا في القاهرة، الثلاثاء، لبحث أطر تعزيز التعاون بين الدول الثلاث.

وتعرف قيادات مصر والعراق والأردن حجم التحديات التي تواجه تطوير التعاون على المستويين السياسي والأمني، ويبدو أنهم اختاروا الحلقة الاقتصادية الأسهل والأضمن، والتي تلبي مصالح كل طرف وتعفيه من الدخول في متاهات إقليمية.

ويمثل العراق حالة خاصة بين دول المنطقة، حيث تهيمن إيران على الكثير من مفاتيح الحل والعقد فيه، وجرى ترتيب أوضاعه منذ حوالي عقدين على هذا الأساس، وكل المحاولات الجادة للخروج من هذه الشرنقة تواجه بمطبات متباينة، يحتاج كسرها إلى تحولات كبيرة في المجتمع العراقي وطبقته السياسية والمذهبية والأمنية.

ويرى مراقبون أن من يتحدثون عن عودة العراق إلى حاضنته العربية وقيامه بواجباته القومية، أكثرهم من الحالمين سياسيا، لأن تغيير المعادلة يفرض عليهم تحركات عميقة، لا بغداد حاليا تستطيع القيام بها، ولا القاهرة القريبة معنويا منها لديها القدرة على الدخول في مواجهات صعبة مع الدول الطامعة في العراق، وهو ما ينسحب على الأردن أيضا.

وتركت الدول العربية العراق لقمة سائغة لإيران منذ سنوات، ولم تبادر إلى الاقتراب منه إلا بعد أن باتت طهران متحكمة في مصيره، وحتى هذه لم تمثل استفزازا عربيا كافيا لتبني خطوات محددة لمساعدة بغداد في التحلل من العُقد التي تطوّقها.

وربما تكون الأزمات المتراكمة في العراق جراء التداخل الحاصل في الحسابات الداخلية والإقليمية والدولية، لعبت دورا في كبح تطلعات مصر أو غيرها لحرق المسافات السياسية، وربما تكون الطبقة الحاكمة في بغداد غير مهيأة بعد لقطع مسافات مماثلة مع دول عربية على استعداد لتمدّ إليها يد المساعدة.

ويقول مراقبون، إن الطريقة التي تدير بها القاهرة علاقاتها العربية تغلب عليها الكثافة الكمية في اللقاءات والاجتماعات على مستوى رفيع، وتشدّد على الحضور السياسي الظاهر من دون اكتراث بمدى انعكاسه على المضمون النهائي.

السياسة الخارجية لمصر أصبحت تبتعد عن المخاطرة، وتتسم بالحذر في غالبية المقاربات

ويضرب هؤلاء مثلا بالعلاقة السياسية بين القاهرة وبغداد، حيث تزايدت الإشارات الإيجابية المتبادلة في الآونة الأخيرة، غير أنها لا تزال تفتقر إلى رؤية واضحة ومحددة، بإمكانها التعامل بجدية مع المشكلات التي تجابهها.

ويؤكد متابعون، أن السياسة الخارجية لمصر أصبحت تبتعد عن المخاطرة، وتتسم بالحذر في غالبية المقاربات، مع أن القاهرة لديها مؤهلات تمكنها من التفاعل وحتى الاشتباك مع قضايا مهمة في المنطقة، وقد أفقدها تريثها الزائد العديد من الفرص.

ويردّ مؤيدون للنظام المصري على هذه النوعية من التقديرات بالانتقادات الحادة، وأن النظام لا يزال يرتّب أوراقه بدقة، ويمنح أولوية للملف الأمني، الذي يحضر في جميع اللقاءات العربية، وفي مقدمتها مع المسؤولين في العراق، لأن قضايا الإرهاب في المنطقة ممتدة ومتشابكة وعابرة للحدود.

وزادوا أن حماية الدولة وتوفير غلاف عسكري قوي يحتلان أولوية لدى القاهرة، لأنها تتعرض لتحديات من جهات مختلفة تفرض عليها تنمية قدراتها المسلحة، مع زيادة سريعة في المشروعات التنموية لتخفيف الأزمات على شريحة كبيرة من المواطنين.

وتمتلك مصر خبرات عريضة على مستوى الطموحات والتطلعات للقيام بدور إقليمي مؤثر، لكن الشعور بالمؤامرة وكثرة الفخاخ المنصوبة يرسخ في وجدان الجهات الفاعلة في صناعة القرار، ما يجعلها تحجم عن اتخاذ تحركات لممارسة دور قائد في المنطقة، يتناسب مع الجغرافيا السياسية والدفاع عن المقدرات بالهجوم وليس بالردع.

وانعكس ذلك على علاقة مصر بالعراق على مدار السنوات الماضية، لأن القاهرة لا تريد الدخول في صدام مباشر مع إيران أو التحرش بتركيا، وتعرف أن تطوير العلاقات مع بغداد يتطلّب دفع ضريبة باهظة وتوسيعا في الدور وأهدافه، ومراعاة لجملة من التناقضات التي تحيط بالأوضاع في بغداد.

وتبدو حالة العراق كاشفة لإدارة علاقات القاهرة مع الأزمات المتصاعدة في كل من سوريا ولبنان وليبيا واليمن والسودان وغيرها، فقد لاحت بعض الفرص أو أنصافها، غير أن مصر آثرت عدم الانخراط، وغلّبت عليها القناعة بأن هذه الأزمات تتداخل فيها مكونات إقليمية ودولية عديدة، وهي لا تريد التورط في ما تصفه بـ”المستنقع”، بما يؤثر على أولوياتها في الداخل، والملفات الخارجية التي تمثل تهديدا مباشرا.

وفي ظل معادلة غامضة في بعض أبعادها، لن تستطيع مصر تطوير علاقاتها مع العراق أو غيره، وربما تضطر إلى فقدان دول في عداد الحليفة والصديقة، لأن التقديرات الراهنة تدور في فلك يفتقر إلى الرغبة في القيام بدور إقليمي، ومجابهة التحديات.

وتمتلك مصر فائضا من الطموح الداخلي، من الضروري أن يترافق معه طموح خارجي يتواءم مع الآليات الصلبة للدفاع عن الأمن القومي من خلال سياسة الهجوم البناء وليس رد الفعل، فهناك دول تغتنم الفرص وأخرى تتمهّل أكثر من اللازم، ويصعب عليها اللحاق بها مستقبلا.

2