تطوير مساجد آل البيت في مصر مغازلة للصوفيين وتقويض للسلفيين

رهان على التيارات المنفتحة وسط مخاوف من تسلل إيران إلى مصر.
الاثنين 2021/08/02
خطوات تدريجية للتخلص من سيطرة السلفيين

اتخذ النظام المصري مؤخرا نهجا جديدا يقوم على تطوير الأضرحة ومساجد لآل البيت الشهيرة في البلاد والتي تستقطب الملايين من المصريين وتؤثر فيهم وجدانيا، بهدف تصفية الوجود السلفي الخفي في هذه المساجد ودعم التيارات الصوفية باعتبارها تيارات إسلامية معتدلة لا علاقة لها بالسياسة، في مواجهة تحديات التشدد الديني الذي يتربص بمصر.

القاهرة – في كل مرة يتم الاقتراب فيها من تطوير الأضرحة والمساجد التي تنتمي إلى آل بيت النبي محمد في القاهرة يأخذ كل من الصوفيين والسلفيين الخطوة على أنها موجهة إليهم، فالفريق الأول يعتبرها غزلا سياسيا من جانب النظام الحاكم له، بينما يراها الفريق الثاني محاولة جديدة لتطويق نفوذه.

وفي ظل الصراع المكتوم بين الفريقين تحمل بعض الخطوات الرسمية في هذا الاتجاه معان سياسية وأمنية واجتماعية متعددة ويفسرها كل طرف وفقا للأجواء العامة التي تسير منذ فترة طويلة في صالح الصوفية على حساب السلفية.

سيد عبيد: الاهتمام بمساجد آل البيت يقوّض أي تحرك مضاد للسلفيين
سيد عبيد: الاهتمام بمساجد آل البيت يقوّض أي تحرك مضاد للسلفيين

تشير توجهات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي دوما إلى استحسانه الشخصي للصوفية كتيار إسلامي معتدل لا علاقة له بالسياسة ورفضه لتصورات السلفية وتصرفاتها التي تعرقل انتشار التيار الصوفي الذي يجد في مصر بيئة خصبة لنموه.

ويميل مصريون كثيرون إلى تبني طروحات الصوفية البسيطة انطلاقا من شغفهم التاريخي بآل البيت، ما جعل البعض يخلط بين التصوف والتشيع، وأدى الخيط الرفيع الذي يربط بينهما إلى مخاوف الحكومات المتعاقبة من تسلل إيران إلى مصر.

وقد اجتمع الرئيس السيسي قبل أيام مع كل من اللواء إيهاب الفار رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة واللواء أشرف العربي رئيس المكتب الاستشاري للهيئة الهندسية، والعميد عبدالعزيز الفقي مساعد رئيس الهيئة الهندسية لتصميمات الطرق، وطارق الخضيري مدير مصنع “إبداع” للرخام والجرانيت، وأحمد فايز استشاري مشروع مسجد مصر.

وتم خلال الاجتماع استعراض سير العمل في جهود ترميم وتجديد مقامات وأضرحة آل البيت، خاصة السيدة نفيسة، والسيدة زينب، وسيدنا الحسين، وجميعها تقع في نطاق القاهرة، أو ما يسمى بالقاهرة الفاطمية التي تزخر بالعديد من المساجد التاريخية.

ومن المتوقع أن يتم التطوير بشكل متكامل يشمل الصالات الداخلية بالمساجد وما بها من زخارف معمارية تماشياً مع الطابع التاريخي والروحاني لها، مع تطوير كافة الطرق والميادين والمرافق المحيطة والمؤدية إليها.

ويقول مراقبون إن خطوة التطوير تتعدى الشكل إلى الجوهر، فهي مدخل عملي لتصفية الوجود السلفي الخفي في هذه المساجد، والتي سيطر البعض من دعاتهم على عدد من مفاتيحها، بما عرقل تردد الصوفيين عليها بالكثافة المتعارف عليها، إذ تحظى بمكانة كبيرة في وجدان شريحة من المصريين يتفاءلون بالصلاة فيها.

وهناك العشرات من الطرق الصوفية التي يتفاوت عدد أتباعها في مصر، وكلها تنأى عن الانخراط في السياسة بأي صورة من الصور المباشرة وتكتفي بطقوسها الشعبية في الاحتفالات التي يقيمها مريدوها في أماكن مختلفة.

وقال سيد عبيدو نائب عام الطريقة الأحمدية، وهي من الطرق الصوفية البارزة في مصر، إن تطوير مساجد آل البيت والأضرحة ضربة قوية للمتشددين الذين اعتادوا تحريم زيارتها أو الاقتراب منها، وكثيرا ما استهدفوا الصوفيين وحاولوا السيطرة على المساجد التابعة لهم بفتاواهم المتشددة.

وأضاف لـ”العرب” أن اهتمام الرئيس السيسي بمساجد آل البيت يقوّض أي تحرك مضاد للسلفيين، فالصوفية بطبيعتها أكثر التيارات تسامحا وانفتاحا ورفضا للتطرف الديني، وهذه الخطوة يمكن اعتبارها نقطة تحول مهمة في المزيد من الإزاحة للسلفية من المشهد العام، وعليهم أن يعلموا أن الدولة تهتم بالتيارات المنفتحة.

الرئيس المصري يريد ضمان وقوف أتباع الصوفية إلى جواره ومساندته في التحديات التي يواجهها في الداخل
الرئيس المصري يريد ضمان وقوف أتباع الصوفية إلى جواره ومساندته في التحديات التي يواجهها في الداخل

وعكس البيان الذي أصدره محمود الشريف رئيس نقابة الأشراف في مصر ورحب فيه بخطوة السيسي حجم التقدير المعنوي، لأن النقابة تضم أكثر من ستة ملايين عضو يحسبون على التيار الصوفي بشتى أطيافه، وتقول إنهم ينحدرون من نسل النبي محمد ويمثلون قوة في الشارع.

ويشير المراقبون إلى أن السيسي أراد ضمان وقوف هذا العدد إلى جواره ومساندته في التحديات التي يواجهها في الداخل، فهذه الكتلة الحرجة منتشرة في أنحاء مصر ومن السهولة توجيهها من قبل قيادات الأشراف والصوفية لدعم النظام قبل أن تستعيد جماعة الإخوان نشاطها السري وتؤثر فيهم أو تستقطبهم.

وتجنب السلفيون التعليق على قرار السيسي، مع أنهم يدركون أن التطوير لن يتوقف عند الجدران وسيشمل تغييرا في الطريقة التي تدار بها المساجد وعملت لصالحهم، لكن تصاعد حدة التضييق الذي يعاني منه التيار السلفي فرض عليهم التزام الصمت.

وقامت الحكومة المصرية بتبني خطوات تدريجية خلال السنوات الماضية للتخلص من السيطرة التي فرضها السلفيون على بعض الجمعيات الأهلية التي تتبنى الترويج لأفكارهم في البيئات الشعبية، وتجنبت فتح ملف الأضرحة والمقامات والمساجد على مصراعيه ووجدت في عملية التطوير والتجديد وسيلة لتقليص نفوذهم في هذه الأماكن.

وكان أداء الصلاة في المساجد التي تضم أضرحة ومقامات من الأسباب التي تؤدي إلى احتكاكات بين أتباع كل من السلفية والصوفية، حيث تحرمها الأولى وقاومت من يترددون عليها، وتراها الثانية وسيلة للصفاء الروحي وخالية من الأبعاد السياسية.

Thumbnail
13